صورةٌ مُفجعةٌ من مجلسِ يزيد: ماذا صُنِعَ برأسِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه؟
٥ أبريل ٢٠٢٦
صورةٌ مُفجعةٌ من مجلسِ يزيد: جانبٌ ممّا صُنِعَ برأسِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه
هناك صورٌ من كربلاء لا تقفُ عند حدودِ القتلِ وسفكِ الدم، بل تتجاوزُ ذلك إلى الاعتداءِ على القداسةِ نفسها، وإلى كشفِ ما في قلوبِ أعداءِ آلِ محمدٍ صلواتُ اللهِ عليهم من حقدٍ متجذّرٍ، وبغضاءَ متراكمةٍ، وشماتةٍ بلغت أقصى درجاتِ الانحطاط.
ومن أكثرِ تلك الصورِ إيلاماً ما جرى على رأسِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه حين أُدخلت العائلةُ الحسينيّةُ مع الرؤوسِ الشريفةِ إلى مجلسِ يزيد، في أجواءِ اللهو والخمر والاستهزاء.
〰〰〰〰〰〰
روايةُ إمامِنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه
يُحدّثُنا عن هذه الفاجعةِ المؤلمة إمامُنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه فيقول:
(لمّا حُمِل رأسُ الحسينِ بن عليٍّ "عليهما السلام" إلى الشام، أمر يزيدُ فوُضِعَ -الرأسُ الشريف- ونُصبتْ عليه مائدة، فأقبل هو -يعني يزيد- وأصحابُهُ يأكلونَ ويشربونَ الفُقّاع،
فلمّا فرغوا، أمر بالرأسِ فوُضِعَ في طستٍ تحت سريرهِ وبسَطَ عليه رقعةَ الشطرنج وجلس يزيدُ عليه الّلعنةُ يلعبُ بالشطرنجِ ويذكرُ الحسينَ وأباهُ وجدّهُ ويستهزئُ بذكرِهم!
فمتى قَمَر صاحبُهُ -أي تغلّب عليه في جولةِ القمار- تناول الفُقّاعَ فشرِبَهُ ثلاثَ مرّات، ثمّ صبَّ فضلتَهُ ما يلي الطست مِن الأرض -يعني سكَبَ فُضلةَ وبقايا الفُقّاعِ على الأرضِ قريباً مِن رأسِ الحسين وليس فوق الرأسِ الشريف-
فمَن كان مِن شِيعتِنا فليتورّع عن شُرْبِ الفقّاعِ والّلعِبِ بالشطرنج،
ومَن نظر إلى الفُقّاعِ وإلى الشطرنج فليذكر الحسينَ "صلواتُ اللهِ عليه" وليلعن يزيد وآلَ زياد.. يمحو اللهُ عزَّ وجلَّ بذلك ذُنوبَهُ ولو كانت بعددِ النجوم)
[عيون أخبار الرضا]
روايةٌ أُخرى تزيدُ المشهدَ انكشافاً
✸ وفي روايةٍ أُخرى يقولُ إمامُنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه:
(أوّلُ مَن اتُّخِذ له الفُقّاعُ في الإسلامِ بالشامِ يزيدُ بن مُعاويةَ "لعنهُ الله" فأُحضِر -الفقّاعُ- وهو على المائدةِ وقد نَصَبها على رأسِ الحسين، فجعل يشربُهُ ويسقي أصحابَهُ ويقُول:
"اشربُوا، فهذا شرابٌ مُبارك، ولو لم يكن مِن بركتِهِ إلّا أنّا أوّلُ ما تناولناهُ ورأسُ عدُوّنا بين أيدينا ومائدتُنا منصوبةٌ عليه ونحنُ نأكلُ ونُفوسُنا ساكنةٌ وقُلوبُنا مُطمئنّة"
فمَن كان مِن شيعتِنا فليتورّع عن شربِ الفقّاع -وهو نوعٌ مِن أنواعِ الخمور- فإنّه مِن شرابِ أعدائنا، فإن لم يفعل فليس مِنّا.
ثمّ قال إمامُنا الرضا:
ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن عليِّ بن أبي طالب، قال:
قال رسولُ اللهِ "صلّى اللهُ عليه وآله": لا تلبسُوا لباسَ أعدائي، ولا تطعموا مطاعِمَ أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي)
[عيون أخبار الرضا]
══════ ✦ ══════
ما تكشفه هاتان الروايتان
هاتانِ الروايتانِ، برغمِ ما تشتملانِ عليه من صورةٍ مُفجعةٍ جدّاً تحكي ما جرى على رأسِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، إلّا أنّهما لم تذكرا كلَّ ما جرى على الرأسِ الشريف.
فما جرى على رأسِ سيّدِ الشهداءِ كان أكثرَ وأفظعَ ممّا ذُكر هنا.
وهنا تتجلّى لنا حقيقةٌ مرعبة:
أنّ القضيّةَ لم تكن مجرّد قتلٍ في ساحةِ حرب، بل كانت مشروعَ شماتةٍ منظَّمةٍ، واستهزاءٍ معلنٍ، وتنفيسٍ عن حقدٍ أُمويٍّ دفين على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وعلى عليٍّ وآلِ عليٍّ صلواتُ اللهِ عليهم.
فالذي يشربُ، ويُطعِمُ أصحابَهُ، ويجعلُ الرأسَ الشريفَ في موضعِ الامتهان، ثم يستهزئُ بذكرِ الحسينِ وأبيهِ وجدّهِ، لا يفعلُ ذلك بوصفهِ قاتلاً فقط، بل بوصفهِ حاقداً على أصلِ النبوّةِ والولاية.
──── ✦ ────
شهادةُ مولاتِنا العقيلةِ زينب عليها السلام
وقد أشارت مولاتُنا عقيلةُ العقائلِ إلى جانبٍ من هذه الفواجعِ التي جرت على رأسِ الحسينِ في خطبتِها في مجلسِ يزيد، إذ تقول:
(وكيف يُستبطَأُ في بُغضِنا أهلَ البيتِ مَن نظرَ إلينا بالشَنَفِ والشنآنِ والإحنِ والأضغان، ثمّ تقول غيرَ متأثّمٍ ولا مُستعظم:
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تُشل،
مُنحنياً على ثنايا أبي عبداللهِ سيّدِ شبابِ أهلِ الجنّةِ تنكتُها بمِخصرتك!)*
هذه الكلماتُ من مولاتِنا العقيلةِ عليها السلام لا تصفُ واقعةً جزئيّة، بل تكشفُ باطنَ المشهدِ كلِّه.
الشنفُ والشنآنُ والإحنُ والأضغان
العقيلةُ تقولُ له: وكيف لا يُسرعُ في بُغضِنا أهلَ البيتِ مَن نظرَ إلينا نظرَ الحقدِ والبُغضِ وشدّةِ العداوة؟
فهذه العناوين:
الشَنَف
الشنآن
الإحن
الأضغان
كلُّها تشيرُ إلى شدّةِ الحقدِ والبغضاءِ والعداوةِ المتأصّلة لأهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.
فهي لا تتحدّث عن انفعالٍ طارئ، ولا عن خصومةٍ عابرة، بل عن بغضاءٍ موروثةٍ متجذّرةٍ.
معنى قولها: "تنكتها بمخصرتك"
✦ قولُ العقيلةِ:
(مُنحنياً على ثنايا أبي عبداللهِ سيّدِ شبابِ أهلِ الجنّةِ تنكتُها بمِخصرتك)
الثنايا: جمعُ ثنيّة، وهي الأسنانُ الأربعُ التي في مقدّمِ الفم.
ومعنى: تنكتها بمخصرتك، أي تضربُها بعصاك.
والمِخصرةُ هي العصا التي في أسفلِها حديدةٌ كحديدةِ رأسِ السهم.
وهنا تبلغُ الفاجعةُ غايتَها وجعاً:
فهو لا يكتفي بأن يكونَ الرأسُ الشريفُ أمامَه، بل ينحني على تلك الثنايا المباركة التي طالما قبّلها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله، ثم يضربُها بعصاهُ في حالةِ فرحٍ وانتشاء.
══════ ✦ ══════
أيُّ قلبٍ يحتملُ هذا المشهد؟
مشهدٌ مؤلمٌ في غايةِ الوجع.. يصعبُ الحديثُ عنه لهولِ الفاجعة!
فكيف تجرّأ ابنُ الطلقاءِ أن يضربَ تلك الثنايا المقدّسة التي لطالما كانت موضعاً لتقبيلِ رسولِ اللهِ لمئاتِ المرّات؟!
وكيف فعلَ ذلك وهو في أوجِ الفرحِ والانتعاشِ، وبمرأىً من:
إمامِنا السجّاد صلواتُ اللهِ عليه
ومولاتِنا العقيلةِ زينب عليها السلام
والعائلةِ الحسينيّةِ المفجوعة
فأيُّ مصيبةٍ هذه؟!
إنّها ليست صورةَ ظلمٍ فحسب، بل صورةُ انكشافِ الحقدِ الأُمويّ في أقذرِ تجلّياتِه.
──── ✦ ────
ولم يكن يزيدُ أوّلَ مَن فعل ذلك
مع ملاحظةِ أنّ نفسَ هذا الفعلِ الشنيع فعلهُ أيضاً ابنُ مرجانة لعنهُ الله حين وُضع رأسُ الحسينِ بين يديه، كما جاء في كتابِ الإرشاد للشيخِ المفيد، إذ يقول:
(فوُضِع الرأسُ بين يديهِ ينظرُ إليه ويتبسّم، وبيدهِ قضيبٌ يضربُ به ثناياه، وكان إلى جانبهِ زيدُ بن أرقم صاحبُ رسولِ الله، وهو شيخٌ كبير، فلمّا رآهُ يضربُ بالقضيبِ ثناياه قال له:
ارفع قضيبك عن هاتينِ الشفتين، فواللهِ الذي لا إلهَ إلّا هو لقد رأيتُ شفتي رسولِ اللهِ ما لا أُحصيهِ يُقبِّلُهما،
ثمّ انتحب باكياً، فقال له ابن زياد:
أبكى اللهُ عينيك، أتبكي لفتحِ الله؟ واللهِ لولا أنّك شيخٌ كبير قد خرفتَ وذهب عقلُك لضربتُ عنقك!)
فهنا يتأكّدُ المعنى نفسه:
الاعتداءُ على الرأسِ الشريفِ لم يكن حادثةً منفصلة، بل كان سلوكاً أموياً واعياً يرادُ منه التشفي، وإهانةُ موضعٍ طالما لامستهُ شفتا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله.
╭• ───── ✦ ───── •╮
الكلمةُ الجامعة
هذه الصورةُ من مجلسِ يزيد لا تُظهرُ لنا فقط حجمَ ما جرى على رأسِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، بل تُظهرُ أيضاً حقيقةَ العدوّ:
عدوٌّ لا يكتفي بالقتل،
ولا يشبعُه سفكُ الدم،
بل يُريدُ الإهانةَ، والاستهزاءَ، والشماتةَ، وتفريغَ أحقادِه القديمةِ على محمّدٍ وآلِ محمّد صلواتُ اللهِ عليهم.
ومن هنا، فإنّ هذه الرواياتِ لا تُقرأ على أنّها سردٌ تاريخيٌّ فقط، بل تُقرأ بوصفها كشفاً لعُمقِ المأساةِ، ولشناعةِ البغضِ الأمويِّ، ولعظمةِ المصابِ الذي أقرحَ قلوبَ أهلِ البيتِ وشيعتِهم على مرِّ الدهور.
#الثقافة_الزهرائية
#الحسين
#رأس_الحسين
#يزيد
#مجلس_يزيد
#العقيلة_زينب
#الإمام_الرضا
#كربلاء
