ما السِّرُّ الذي ميَّز أصحابَ الحسين صلواتُ اللهِ عليه عن سائرِ أصحابِ الأئمّة؟
٥ أبريل ٢٠٢٦
لماذا قال الحسين: لا أعرفُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي؟
ليس الحديثُ هنا عن مجرّد جماعةٍ قاتلت مع إمامِها فاستُشهدت، بل عن مرتبةٍ خاصّةٍ جدّاً من الوفاءِ، والانقطاعِ، وبذلِ المُهج، حتّى استحقّ هؤلاء أن يقولَ فيهم سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه:
(إنّي لا أعرفُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي)
ومهما حاولنا أن نُحيطَ بسرِّ هذه المنزلة، فإنّ ما نذكرُه لا يمثّلُ الحقيقةَ بتمامِها؛ لأنّ مداركَ عقولِنا ناقصة، ولأنّ المعطياتِ التي بأيدينا ناقصةٌ أيضاً، وما ضاع من كُتبِ السِّيرة كثير. لكنّ النصوصَ التي وصلت إلينا تكشفُ لنا مع ذلك مفاتيحَ مهمّةً في فهمِ هذا الامتياز العظيم.
〰〰〰〰〰〰
المنطلقُ الأوّل: نصُّ سيّدِ الشهداءِ نفسه
قطعاً نحنُ مهما ذكرنا مِن جواب، فإنّه لا يُمثّلُ الحقيقةَ بتمامِها، والسبب:
لأنّ مداركَ عقولنا مهما علت فهي ناقصة،
ولأنّ المعطياتِ التي بين أيدينا ناقصة أيضاً.. فما وصل إلينا مِن كُتبِ السِيرةِ ضاع منه الكثير،
ولكن رُغم ذلك، يُمكننا مِن خلالِ ما عندنا مِن نصوص أن نعرفَ شيئاً مِن الأسبابِ التي جعلت لأصحابِ الحسين هذا المقامَ الرفيع دون سائرِ أصحابِ الأئمةِ حتّى قال لهم سيّدُ الشهداء:
(إنّي لا أعرفُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي)
هذا النصُّ وحده يضعنا أمام منزلةٍ استثنائيّة؛ لأنّ الذي يتكلّم هو الحسين صلواتُ اللهِ عليه، وهو الأعرفُ بمراتبِ الرجال، والأعلمُ بحقائقِ النفوس، والأدقُّ في وزنِ المواقف.
══════ ✦ ══════
المفتاحُ الأوضح في زيارةِ عاشوراء
أحدُ هذه الأسباب تُبيّنه زيارةُ عاشوراء،
فنحن في آخرِ الزيارةِ عند السجود الذي هو قِمّةُ الهرمِ في الزيارة، نقول:
(اللهمّ ارزقني شفاعةَ الحسينِ يومَ الورود، وثبّتْ لي قدمَ صِدقٍ عندك مع الحسين وأصحابِ الحسين الذين بذلوا مُهَجهم دون الحسين)
قمّةُ الزيارةِ هي في السجودِ والتذلّلِ في عُبوديّتنا،
وقمّةُ الطلبِ الحسينيِّ في قمّةِ الزيارة: هو هذا الدعاء الذي ندعو به في السجود فنقول:
(اللهمّ ارزقني شفاعةَ الحسينِ يوم الورود، وثبّت لي قدمَ صدقٍ عندك مع الحسين وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهجهم دون الحسين)
هنا موضعُ التوقّف العميق.
أصحابُ الحسين بحسبِ نصِّ الزيارة مع الحسين،
ونحن نطلبُ أن يُثبّتَ اللهُ لنا قدمَ صدقٍ عنده مع الحسين وأصحابه،
فما الذي جعلهم في هذا الموضع الرفيع يوم الورود؟
الجوابُ في نفسِ الزيارة:
(الذين بذلوا مُهَجهم دون الحسين)
بذلُ المُهج.. لا الأرواح فقط
عبارةُ بذل المُهَج أقوى بكثيرٍ مِن تعبير بذلِ الأرواح أو الأنفس.
المُهَج: جمعُ مُهجة، وهي:
روحُ الروح
قلبُ القلب
ضميرُ الضمير
المركزُ مِن كلِّ هذه المعاني
فحين نقول عن أنصارِ الحسين إنّهم بذلوا مُهجهم دون الحسين، فالمقصود أنّهم لم يبذلوا ظاهرَهم فقط، بل بذلوا:
ظواهرَهم
وبواطنَهم
وعقولَهم
وقلوبَهم
وضمائرَهم
وكلَّ ما يتعلّقُ بوجودهم
ولذلك نخاطبُهم في الزيارة:
(فُزتم والله فوزاً عظيماً)
لأنّ هذا البذل لم يكن بذلاً جسديّاً فحسب، بل كان بذلاً وجوديّاً كاملاً.
──── ✦ ────
هذا المقامُ لا يتحقّقُ بلا عقيدةٍ سليمة
عِلماً أنّ بذلَ المُهَج لا يتحقّقُ مِن دونِ العقيدةِ السليمةِ الثابتة التي لا يشوبُها شكّ.
والعقيدةُ السليمةُ لا تأتي إلّا مِن خلالِ المعرفةِ السليمة التي يكونُ أساسُها العلم،
والعلمُ الحقيقيُّ هو ما جاء من أهلِ البيت فقط.
فهذه العقيدةُ السليمةُ الثابتة، التي بناؤها:
براءةٌ قويّةٌ مِن أعداءِ الله
وولايةٌ قويّةٌ لأوليائِه
قد تجلّت بتمامِ معناها في أنصارِ الحسين.
فما ميّزهم لم يكن الحماسةَ وحدها، ولا الشجاعةَ وحدها، بل سلامةَ العقيدة، وثباتَ اليقين، ووضوحَ البصيرة.
الانفعالُ بالجمالِ الحسيني
✦ أيضاً ممّا تميّز به أنصارُ الحسين:
هو انفعالُهم بالجمالِ الحسيني،
فقد اندكّوا في الحسين، ولذا كانت لهم هذه المنزلة.
ولتوضيحِ المعنى:
أحاديثُ العترةِ تُخبرنا أنّ سلمان بلغ مِن المنزلةِ الرفيعة إلى الحدِّ الذي قال فيه أهلُ البيت:
(أنّ مَن عرفَهُ كان مؤمناً، ومَن أنكرَهُ كان كافراً)
هذه المنزلةُ الرفيعةُ لم تتأتَّ لسلمان مِن جهة أنّه سلمان، وإنّما مِن جهة اندكاكِ سلمان في فناءِ أهلِ البيت كانت له هذه المنزلة.
يعني أنّ سلمانَ مِن دونِ اندكاكِه في فناءِ أهلِ البيت ليس ميزاناً للإيمانِ والكفر، وإنّما أصبح ميزاناً بعد التصاقِه العميق وفنائِه في فناءِ أهلِ البيت.
وكذلك الحالُ مع أنصارِ الحسين،
فهم بلغوا ما بلغوا مِن المراتبِ بسببِ اندكاكِهم وفنائِهم في فناءِ الحسين.
══════ ✦ ══════
"معكم معكم لا مع غيركم"
ومن هنا نحن نقرأ في زيارةِ عاشوراء:
(فأسألُ الله الذي أكرمني بمعرفتكم ومعرفةِ أوليائكم)
فقد صارت معرفةُ أولياءِ أهلِ البيت كرامةً؛ من جهة أنّهم التصقوا بأهلِ البيت شديدَ الالتصاق، فمنحهم أهلُ البيت تلك المنزلة،
وأصحابُ الحسين هم في قمّةِ الهرم بالنسبةِ لسائرِ أصحابِ الأئمّةِ المُخلصين.
✦ قد يسأل سائل:
كيف تحقّق هذا الاندكاكُ مِن أصحابِ الحسين في فناءِ إمامِهم الحسين؟
الجوابُ في هذه العبارةِ مِن الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة:
(فمعكم معكم لا مع غيركم)
فأصحابُ الحسين كانوا مع الحسين:
بقلوبهم
وبعقولهم
وبوجودهم
وبكلِّ شيءٍ يتعلّقُ بهم
هذه العبارةُ تنطبقُ على أصحابِ الحسين تمامَ الانطباق،
أمّا على غيرهم، على أمثالِنا، فإنّها لا تنطبق إلّا بحدودِ لقلقةِ الألفاظ.
أعلى درجاتِ التسليم.. بل السالميّة
ميزةُ أصحابِ الحسين أنّهم كانوا في أعلى درجاتِ التسليم لإمامِ زمانهم، بل في أعلى درجاتِ السالميّة.
فقد تجاوزوا مرتبةَ التسليم على عظمتِها،
وكانوا في درجةٍ عاليةٍ من السالميّة.
كانوا سالمين:
بعقولهم
بقلوبهم
بأبدانهم
وبكلِّ ما عندهم مِن نزعاتٍ وخلجاتٍ نفسيّة
لذلك سيّدُ الشهداءِ أراهم منازلَهم في الجنان ليلةَ عاشوراء؛ لأنّهم قد بلغوا درجةَ الشهادةِ الحقيقيّة في ليلةِ العاشر،
بلغوها في ذلك الوقت الذي كشف لهم سيّدُ الشهداءِ عن منازلِهم في الجنان،
وما حصل في اليوم الثاني كان مجرّد تطبيقٍ عمليٍّ لتلك المنزلة التي بلغوها.
يعني هم بلغوا المنزلة قبل المعركة،
فكانوا خيرَ أصحاب، كما يقول سيّدُ الشهداءِ:
(لا أعرفُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي)
╭• ───── ✦ ───── •╮
السؤالُ الذي ينبغي أن يبقى حيّاً فينا
إذا كان السرُّ الذي ميّز أصحابَ الحسين هو:
بذلُ المُهج
والعقيدةُ السليمة
والمعرفةُ الصحيحة
والانفعالُ بالجمالِ الحسيني
والفناءُ في فناءِ الإمام
والتسليمُ الكامل
والسالميّةُ المطلقة
فإنّ السؤالَ الذي ينبغي أن لا يفارقنا هو:
فهل نحن نحملُ شيئاً مِن أوصافِ أنصارِ الحسين في علاقتِنا بإمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه؟
هذا هو موضعُ الامتحان.
لا أن نُعجبَ بأصحابِ الحسين فقط، بل أن ننظر:
كم معنا من الحسين؟
وكم معنا من إمامِ زمانِنا؟
وكم فينا من السالميّة؟
وكم فينا من بذلِ المُهج؟
──── ✦ ────
الكلمةُ الجامعة
السِّرُّ الذي ميّز أصحابَ الحسين عن سائرِ أصحابِ الأئمّة ليس عنواناً واحداً بسيطاً، بل هو اجتماعُ قممٍ من الكمال في نفوسِهم:
عقيدةٌ سليمةٌ لا يشوبُها شكّ
معرفةٌ صحيحةٌ منبعُها أهلُ البيت
براءةٌ وولايةٌ في أعلى درجاتِ الصفاء
بذلٌ للمُهج لا للأبدان فقط
اندكاكٌ كاملٌ في فناءِ الحسين
سالميّةٌ تامّةٌ لإمامِ الزمان
ولذلك استحقّوا أن يكونوا مع الحسين يومَ الورود، واستحقّوا أن يُقال لهم:
(فُزتم والله فوزاً عظيماً)
#الثقافة_الزهرائية
#أصحاب_الحسين
#زيارة_عاشوراء
#السالميّة
#التسليم
#إمام_الزمان
#بذل_المهج
#الوفاء_الحسيني
