مَن هو ذبيحُ شاطئِ الفراتِ الذي حيّرَ علماءَ اليهودِ والنصارى؟
٥ أبريل ٢٠٢٦
الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه: الذبحُ العظيمُ وذبيحُ الفرات
حين يُثارُ هذا العنوان، فإنّ المقصودَ ليس أن نأخذَ عقيدتَنا من كُتُبِ اليهودِ والنصارى، ولا أن نجعلَ ما فيها أصلًا نبني عليه معارفَنا، فحديثُ العترةِ الطاهرةِ صلواتُ اللهِ عليهم كافٍ وافٍ.
ولكنّ التوقّفَ عند بعضِ العباراتِ الواردةِ في كُتُبِهم يكشفُ بوضوحٍ أنّ عبقًا من الحقيقةِ الحسينيّة، وآثارًا من المشروعِ المهدويّ الأعظم، بقيت ظاهرةً في تلك الكتب على الرغم من محاولاتِ الطمسِ والإخفاءِ عبر القرون.
فإذا وُجدَ فيها حديثٌ عن ذبيحةٍ عند نهرِ الفرات، أو عن حَمَلٍ مذبوح له مركزيّةٌ في الخلاص، وله ارتباطٌ بيومِ الانتقامِ الإلهيّ، وله أثرٌ يتجاوزُ زمانَه ومكانَه، فإنّ القلبَ المواليَ لا يجدُ في ذلك كلِّه مصداقًا أوضحَ ولا أظهرَ من سيِّدِ الشهداءِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
〰〰〰〰〰
الذبيحةُ عند نهرِ الفرات
جاء في سِفر إرميا من العهدِ القديم وصفٌ ليومٍ لم يأتِ بعد، وفيه:
(فهذا اليومُ للسيّدِ ربِّ الجنودِ يومُ نقمةٍ للانتقام من مُبغضيه... لأنّ للسيّدِ ربِّ الجنود ذبيحةً في أرضِ الشمالِ عند نهرِ الفرات)
وهنا تتجلّى الحيرةُ عند مفسّري اليهود، لأنّهم لا يجدون في التاريخِ ذبيحةً عند نهرِ الفرات بهذا الثقلِ وبهذا الامتداد.
أمّا في الوجدانِ الحسينيّ، فالصورةُ واضحة:
الحسينُ هو ذبيحُ شاطئِ الفرات.
هو الذبيحُ الذي قُتلَ عطشانًا على مقربةٍ من الماء، وهو الذبيحُ الذي بقيت دماؤه حيّةً في ضميرِ التاريخ، وهو الذبيحُ الذي لا يتوقّفُ أثرُ مصيبتِه عند لحظةِ الذبح، بل يمتدُّ إلى يومِ الطلبِ بثأره على يدِ قائمِ آلِ محمّدٍ صلواتُ اللهِ عليه.
ولهذا جاء الربطُ في هذا الموضع بين يوم النقمة والذبيحةِ عند الفرات.
فأفقُ الكلام لا يقفُ عند حادثةٍ ماضية، بل يتّجهُ إلى المستقبل، إلى يومِ الانتقامِ من المبغضين، وإلى اليدِ التي تطلبُ بثأرِ هذا الذبحِ العظيم.
ومن هنا كان معنى ربِّ الجنود في هذا السياق منسجمًا مع ما نعرفُه في ثقافةِ العترة عن المهديِّ من آلِ محمّدٍ صلواتُ اللهِ عليه، فهو المنتقمُ لآلِ محمّد، ويومُ ظهورِه يومُ نقمةٍ على أعداءِ الله وأعداءِ أوليائه.
〰〰〰〰〰
الحَمَلُ المذبوحُ في كتابِ النصارى
وفي رؤيا يوحنّا من العهدِ الجديد تردُ أوصافٌ مهيبةٌ لفارسٍ مخلّص، منها:
(ورأيتُ السماءَ مفتوحةً وإذا فرسٌ أبيض يُدعى فارسهُ الأمينَ الصادق... ويلبسُ رداءً مخضّبًا بالدم واسمه كلمةُ الله... وكانت تتبعُه جيوشُ السماءِ... ومن فمِه يخرجُ سيفٌ مُرهفٌ ليضربَ به الأمم وإنّه سيرعاها بعصًا من حديد)
هذه الأوصافُ تفوحُ منها رائحةٌ مهدويّةٌ واضحة:
الأمين الصادق
الرداءُ المخضّبُ بالدم
اسمُه كلمةُ الله
جيوشُ السماء تتبعه
السيفُ الذي يضربُ به الأمم
الرعايةُ بعصًا من حديد
وهذه المعاني كلّها تلتئمُ التئامًا شديدًا مع ما ورد في حديثِ العترةِ عن إمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه.
فهو كلمةُ الله، كما ورد في حديثِ النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله:
(ونحنُ كلمةُ الله، ونحنُ خاصّةُ الله، ونحنُ أحبّاءُ الله، ونحنُ وجهُ الله).
وأمّا الرداءُ المخضّبُ بالدم، فإنّ وجدانَ الموالينَ لا يخطئُ الإشارةَ فيه إلى قميصِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، وإلى الدمِ الحسينيِّ الذي يبقى حاضرًا في المشروعِ المهدويّ، لأنّ القائمَ صلواتُ اللهِ عليه إنّما يخرجُ وهو يطلبُ بثأرِ الحسين.
وأمّا جيوشُ السماء التي تتبعه، فقد ورد في أحاديثِنا ما يدلّ على حضورِ الملائكةِ في هذا المشروعِ الأعظم، وعلى أنّهم ينتظرون القائمَ عند حرمِ الحسين، وشعارُهم: يا لثاراتِ الحسين.
وأمّا العصا من حديد التي يرعى بها الأمم، فهي منسجمةٌ مع معنى ذو الفقار، سيفِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، الذي يكونُ عند مهديِّ آلِ محمّد، فيحكمُ به ويقيمُ به الحقّ.
〰〰〰〰〰
الحَمَلُ في وسطِ العرش
وفي الإصحاح الثاني والعشرين من رؤيا يوحنّا ورد:
(وأراني الملاكُ نهرَ ماءِ الحياة... ينبثقُ من عرشِ الله والحمل... وفي وسطِ الساحةِ وبين شُعبتي النهر شجرةُ حياةٍ تُثمرُ اثنتي عشرة مرّة... وعرشُ اللهِ والحَمَل سيكونُ في المدينة... ويشاهدونَ وجهه... ولن يكونَ ليلٌ بعد الآن... لأنّ الربَّ الإلهَ سيضيءُ لهم)
وفي هذا المقطع تتزاحمُ الإشارات:
1) الحَمَلُ له مركزيّةٌ عظمى
فهو مقترنٌ بالعرش، وبماءِ الحياة، وبالمدينةِ التي يزولُ عنها اللعن، وبالمشهدِ الذي لا يكونُ فيه ليل.
وهذا كلُّه يرفعُ الحَمَلَ المذبوحَ إلى مقامٍ لا يمكن أن يُفهمَ على أنّه حادثةٌ بسيطةٌ في التاريخ.
2) شجرةُ الحياة تُثمرُ اثنتي عشرة مرّة
وللعددِ هنا رنينٌ واضحٌ في آذانِ الموالين؛ لأنّ خطَّ الإمامةِ اثنا عشر، وإمامُ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه هو الإمامُ الثاني عشر، وهو الذي نخاطبُه في زيارتِه:
(السلامُ عليك يا عينَ الحياة).
3) لا يكونُ ليلٌ بعد الآن
وهذا يلتقي مع ما ورد في رواياتِنا من الإشراقِ الأعظم في عصرِ الظهور، ومع معنى قوله تعالى:
{وأشرقت الأرضُ بنورِ ربّها}
أي بنورِ صاحبِها، وهو القائمُ صلواتُ اللهِ عليه.
فالمشهدُ كلُّه يلتقي في نهاية المطاف عند الحسينِ والمهديّ:
ذبيحٌ عظيمٌ في أصلِ المصيبة، وقائمٌ عظيمٌ في تمامِ الثأرِ والظهور.
〰〰〰〰〰
الذين غسلوا حُلَلهم بدمِ الحَمَل
وجاء أيضًا في رؤيا يوحنّا:
(هؤلاء هم الذين أتوا من الشدّة الكبرى وقد غسلوا حُلَلهم وبيّضوها بدمِ الحَمَل... لذلك هم أمامَ عرشِ الله... فلن يجوعوا ولن يعطشوا... لأنّ الحَمَل الذي في وسطِ العرش سيرعاهم وسيهديهم إلى ينابيع ماءِ الحياة، وسيمسحُ الله كلَّ دمعةٍ من عيونهم)
هذه العباراتُ أيضًا تتّصلُ اتصالًا قريبًا بما نعرفه من أحاديثِ العترةِ عن الباكينَ على الحسين، وعن جُلّاسِه عند العرش، وعن الراحةِ والطمأنينةِ التي ينالونها، وعن الدموعِ التي تمسحُ في العصرِ المهدويّ الأعظم.
فالشدّةُ الكبرى قد تُقرأُ في جهةٍ من جهاتها على أنّها المصيبةُ العظمى الحسينيّة، وقد تُقرأُ أيضًا في جهةٍ أخرى على أنّها شدّةُ الابتلاء في زمنِ الغيبةِ الكبرى.
وفي الحالين تبقى العلاقةُ قائمةً بين الذبحِ العظيم، والدمِ المطهِّر، والنجاةِ، والعرش، والماء، والطمأنينة، ومسحِ الدموع.
〰〰〰〰〰
الذبحُ العظيمُ في حديثِ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم
أمّا البيانُ الشافي، والجوابُ الذي لا تبقى معه حيرة، فقد جاء عن إمامِنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه في تفسيرِ قوله تعالى:
{وفديناهُ بذبحٍ عظيم}
فقال صلواتُ اللهِ عليه، في الحديثِ المشهور، إنّ إبراهيمَ عليه السلام تمنّى لو أنّه ذبحَ إسماعيل بيده لينالَ بذلك أعلى مراتبِ الثواب على المصيبة، فأوحى اللهُ إليه عن محبّتِه لمحمّدٍ صلى الله عليه وآله، ثم عن ولدِه الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، ثم قال له إنّ طائفةً تزعمُ أنّها من أمّةِ محمّد ستقتلُ الحسينَ ظلمًا كما يُذبحُ الكبش، فجزع إبراهيم وتوجّع قلبُه، فأوحى الله إليه:
(يا إبراهيم، قد فديتُ جزعَك على ابنِك إسماعيل لو ذبحتَه بيدِك بجزعِك على الحسينِ وقتلِه، وأوجبتُ لك أرفعَ درجاتِ أهلِ الثواب على المصائب، وذلك قولُ اللهِ عزّ وجلّ: {وفديناهُ بذبحٍ عظيم})
هنا ينكشفُ المعنى بأوضحِ بيان:
الذبحُ العظيم ليس الكبشَ الذي نزل من الجنّة.
فالكبشُ لا يستحقُّ هذا الوصفَ العظيمَ بالقياسِ إلى إسماعيل.
والذي تُعطيه الآيةُ، ويشرحه الإمامُ الرضا صلواتُ اللهِ عليه، أنّ العظيمَ في هذا الموضع هو الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه.
〰〰〰〰〰
كيف يكونُ الحسينُ فداءً في الآية؟
وهنا لا بدّ من الالتفات إلى الدقّةِ التي بيّنها الكلام:
الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه ليس فداءً لإسماعيل بالمعنى المباشر.
وليس الأمرُ أنّ إسماعيل نجا لأنّ الحسين سيُذبحُ بعد قرون.
بل الفداءُ هنا فداءُ جزعٍ لجزع.
أي إنّ اللهَ تعالى عوّض إبراهيمَ عن الأجرِ الذي كان سينالُه لو ذبحَ إسماعيل بيده، بأن أعطاه أجرَ الجزعِ على مصيبةِ الحسين، لأنّ الوجعَ على الحسينِ أعظم، واللوعةَ به أشدّ، والمصيبةَ فيه أكبر.
فالمعنى الذي قرّره إمامُنا الرضا صلواتُ اللهِ عليه هو أنّ الله تعالى أكرم إبراهيمَ بهذا العوض:
جزعُك على الحسينِ وقَتْلِه فداءٌ لجزعِك على إسماعيل لو ذبحتَه بيدِك.
ومن هنا كان الحسينُ هو الذبحَ العظيم.
لا لأنّه بديلٌ تاريخيٌّ عن إسماعيل، بل لأنّ مصيبتَه أعظمُ من أن تُقاس، ولأنّ الجزعَ عليه أرفعُ منزلةً وأعلى أجرًا.
〰〰〰〰〰
الحسينُ فداءٌ لله... ولذلك هو ثأرُ الله
وفي هذا الأفق يظهرُ معنى دقيقٌ آخر:
الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه فداءٌ لله تعالى، ولذلك هو ثأرُ الله.
فمصيبتُه ليست داخلةً في سلسلةِ المصائبِ العاديّة، ولا في منطقِ الفداءِ المحدود، بل لها مقامٌ إلهيٌّ عظيم، ولذلك صار الطلبُ بثأره شأنًا إلهيًّا، وصار قائمُ آلِ محمّدٍ صلواتُ اللهِ عليه هو الطالبَ بهذا الثأرِ الأعظم.
ولهذا أيضًا إذا كانت مصيبةُ الحسينِ عند المؤمن أعظمَ المصائب، وإذا مرّت به الشدائدُ والبلاءاتُ والمحنُ فتذكّرَ مصيبةَ الحسينِ فهانت عندها سائرُ المصائب، فإنّ له من هذا المعنى نصيبًا، وله من هذا الأجرِ سهمٌ على قدرِ صدقِه وعمقِ لوعتِه.
〰〰〰〰〰
خاتمةٌ
ذبيحُ شاطئِ الفرات، والحملُ المذبوحُ الذي حيّرَ علماءَ اليهودِ والنصارى، والذي بقيت إشاراتُه متناثرةً في كتبِهم، لا يجدُ القلبُ له مصداقًا أصدقَ ولا أوضحَ من سيّدِ الشهداءِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
وعند أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم ينقطعُ التردّدُ، ويزولُ الإبهام، ويتحدّدُ المعنى:
هو الذبحُ العظيم،
وهو ذبيحُ الفرات،
وهو المركزُ الذي يتّصل به المشروعُ المهدويّ الأعظم،
وهو المصابُ الذي عُوِّض به إبراهيم،
وهو المصيبةُ التي إذا حضرت في القلبِ هانت دونها سائرُ المصائب.
فلا غرابةَ أن تبقى آثارُ هذه الحقيقةِ ظاهرةً في الكتبِ السابقة، لأنّ نورَ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه لا يُطفأ، ومشروعَه لا يُمحى، وذكرَه لا يندثر، وإن حاولت القرونُ أن تحجبه.
#الثقافة_الزهرائية
#الإمام_الحسين
#الذبح_العظيم
#ذبيح_الفرات
#إمام_الزمان
#المشروع_المهدوي
#الإمام_الرضا
#وفديناه_بذبح_عظيم
