وقفةٌ عند حديثِ القارورة و معجزةُ تحول تحول تربة الحسين الى دم سنة 1434 للهجرة!
٥ أبريل ٢٠٢٦
وقفةٌ عند حديثِ القارورة
ودلالاتُ تحوُّلِ تُربةِ الحسينِ إلى دمٍ، وعلاقةُ ذلك بالمشروعِ المهدويّ
ما الَّذي يُرادُ لنا أن نفهمهُ حين تتحوَّلُ تُربةُ الحسينِ إلى دمٍ عبيط؟
وهل نحنُ أمام كرامةٍ عاطفيّةٍ عابرة، أم أمام رسالةٍ غيبيّةٍ عميقةِ الارتباطِ بمشروعِ الخلافةِ الإلهيّة؟
══════ ✦ ══════
حديثُ القارورةِ وبدايةُ الإشارة
جاءَ في الحديثِ المرويِّ عن نبيِّنا الأعظم صلى الله عليه وآله مع أُمِّ سَلَمة في شأنِ مقتلِ سيِّدِ الشهداء صلواتُ اللهِ عليه:
(يا أُمَّ سَلَمة، إنَّ هذا جبرئيل يُخبرني أنَّ هذا -يعني الحسين- مقتول، وهذه التربةُ التي يُقتَلُ عليها، فضعيها عندك، فإذا صارت دماً فقد قُتِل حبيبي،
فقالت أُمُّ سَلَمة: يا رسولَ الله، سل اللهَ أن يدفعَ ذلك عنه؟ قال: قد فعلت، فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليَّ أنَّ له درجةً لا ينالُها أحدٌ مِن المخلوقين، وأنَّ له شيعةً يشفعون فيُشفّعون، وأنَّ المهديَّ مِن وُلدِه، فطوبى لمن كان مِن أولياءِ الحسين، وشيعتُهُ هم واللهِ الفائزونَ يومَ القيامة)
[آمالي الصدوق]
ومنذُ هذه الروايةِ الأولى تتجلَّى الحقيقةُ الكبرى:
إنَّ حديثَ القارورة لا يتحدَّثُ عن حادثةِ دمٍ فقط، وإنَّما يفتحُ البابَ على الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، وعلى شيعته، وعلى الشفاعة، وعلى المهديِّ من وُلدِه صلواتُ اللهِ عليه، بما يكشفُ عن ترابطٍ وثيقٍ بين المشروعِ الحسينيِّ والمشروعِ المهدويِّ.
──── ✦ ────
لماذا كانت أُمُّ سَلَمة؟
أُمُّ سَلَمة شخصيّةٌ موثوقةٌ عند الجميع، عند الشيعةِ وغيرِهم، وليست مِن أهلِ البيتِ حتّى يُقال عنها بحسبِ ثقافةِ السقيفةِ إنَّها تكذبُ في إخبارِها عن تُربةِ الحسين، أو إنَّ تحوُّلَ التربةِ إلى دمٍ من سحرِ بني هاشم، كما كانوا ينتقصونَ مِن نبيِّنا الأعظم صلى الله عليه وآله ويقولونَ عن معجزاتِه إنَّها من سحرِ ابنِ أبي كبشة.
ومن هنا يتَّضحُ سرُّ وضعِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله تُربةَ الحسينِ عند أُمِّ سَلَمة؛ لتكونَ القضيّةُ حجَّةً على الأُمّةِ جميعاً، ولتصلَ رسالةُ النبيِّ صلى الله عليه وآله بخصوصِ تلك القارورةِ إلى الجميع، ولذلك جاءت أخبارُ قارورةِ أُمِّ سَلَمة في كُتُبِ المخالفينَ أيضاً، لأنَّ هذه المعجزةَ لم تكن شأناً خاصّاً، بل حجَّةً ظاهرة.
معنى القارورةِ والدمِ العبيط
القارورة: هي وعاءٌ زجاجيٌّ صغيرٌ مُحكمُ الإغلاق، تُحفَظُ فيه الأشياءُ الثمينة.
والدمُ العبيط: هو الدمُ الجديدُ الطازجُ الذي لا يزالُ على سيولتِه لم يتغيَّر.
وكثيرةٌ هي الرواياتُ في كُتُبِنا وفي كُتُبِ المخالفينَ التي تتحدَّثُ عن تحوُّلِ ترابِ كربلاء يومَ قُتِل الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه إلى دمٍ عبيط.
〰〰〰〰〰
القارورةُ وبدايةُ التمهيدِ المحمّديّ لعاشوراء
هذه الرواياتُ لا تقفُ عند حدِّ الإخبارِ عن معجزة، بل تكشفُ عن صورةٍ من صورِ التخطيطِ والتمهيدِ المحمّديِّ لمشروعِ عاشوراء، ذلك المشروعُ الذي حقيقتُه الأبعد وثمرتُه النهائيّة هي المشروعُ المهدويُّ الأعظم.
فالمشروعُ الحسينيُّ ليس غايةً منفصلةً في ذاته، وإنَّما هو البوّابةُ التي ينفتحُ منها الطريقُ إلى المشروعِ المهدويِّ، وهذا المشروعُ المهدويُّ هو بدورِه فاتحةٌ لعصرِ الرجعةِ العظيمة. والرواياتُ تُخبرنا أنَّ عصرَ الرجعةِ العظيمة يُختَمُ بإقامةِ الدولةِ المحمّديّةِ العظمى التي عبَّرت عنها الرواياتُ بأنَّها "جنّةُ الدنيا"، وفيها تتحقَّقُ بعثةُ النبيِّ صلى الله عليه وآله، وتتحقَّقُ رسالتُه، وتتحقَّقُ نبوّتُه، ويتحقَّقُ دينُه، ويتحقَّقُ إسلامُ محمّدٍ صلى الله عليه وآله في أبهى صورِه وأجملِ ما يمكنُ أن يكونَ في عالمِ الدنيا.
ومن هنا نفهم معنى قولِ نبيِّنا الأعظم صلى الله عليه وآله: (وأنا مِن حسين)، لأنَّ بعثةَ النبيِّ صلى الله عليه وآله إلى الآن لم تتحقَّق فعليّاً على أرضِ الواقع بالصورةِ التامّة، وإنَّما يتحقَّقُ تمامُها في عصرِ الرجعةِ العظيمة، في زمانِ الدولةِ المحمّديّةِ العظمى، والتخطيطُ والتمهيدُ لهذا المشروعِ الإلهيِّ العظيم بدأ من إخباراتِ النبيِّ صلى الله عليه وآله بقتلِ الحسين.
وهنا تتجلَّى دقّةُ الحديثِ الشريف، إذ ذكرَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله أنَّ المهديَّ من ولدِ الحسين، كي يُشيرَ إلى هذا الترابطِ الوثيقِ بين المشروعِ الحسينيِّ والمشروعِ المهدويِّ. فكانت بدايةُ التأسيسِ وبدايةُ الانطلاقةِ للمشروعِ الحسينيِّ من قارورةِ أُمِّ سَلَمة.
╭• ───── ✦ ───── •╮
تحوُّلُ الترابِ إلى دمٍ وعلاقتُه بالإمامةِ والوصاية
ومن دلالاتِ حديثِ القارورةِ أيضاً أنَّ هذه القضيّةَ ترتبطُ ارتباطاً وثيقاً بقضيّةِ الإمامةِ والوصايةِ والولاية وبدايةِ عهدٍ جديدٍ يتَّصلُ بمشروعِ الخلافةِ الإلهيّة. ويظهرُ هذا جليّاً في الروايةِ المرويّةِ عن إمامِنا الصادق صلواتُ اللهِ عليه، التي يُحدِّثُ فيها عن واقعةٍ حدثت في أيّامِ أبيه إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه، حين استدعاه هشام بن عبد الملك إلى الشام، وسأله عن الليلةِ التي قُتل فيها أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، وما العلامةُ التي يُستدلُّ بها على ذلك. فجاء في جوابِ إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه:
(إنّه لمّا كان تلك الّليلةُ التي قُتِل فيها أميرُ المؤمنينَ "عليه السلام" لم يُرفَع عن وجهِ الأرضِ حَجَرٌ إلّا وُجِد تحتَهُ دمٌ عبيطٌ حتّى طلع الفجر، وكذلك كانت الّليلة التي قُتل فيها هارونُ أخو موسى، وكذلك كانت الّليلة التي قُتل فيها يُوشَع بن نون، وكذلك كانت الّليلةُ التي رُفِع فيها عيسى بن مريمَ إلى السماء، وكذلك كانت الّليلة التي قُتل فيها شمعون بن حمّون الصفا، وكذلك كانت الّليلة التي قُتل فيها عليُّ بن أبي طالب، وكذلك كانت الّليلة التي قُتل فيها الحسينُ بن عليٍّ "عليهما السلام")
[كامل الزيارات]
فهذا النصُّ يبيّنُ بوضوحٍ أنَّ تحوُّلَ الترابِ إلى دمٍ ليس علامةً وجدانيّةً مجرّدة، بل هو علامةٌ ترتبطُ بسلسلةِ الأوصياء، وبمشروعِ الخلافةِ الإلهيّة، وبخطِّ الإمامةِ والولاية. ولهذا غضبَ هشام وهمَّ أن يبطشَ بإمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه، ثم أخذَ عليه العهدَ أن لا يُحدِّثَ أحداً بهذا الحديث حتّى يموت.
ومن هنا يتَّضحُ أنَّ تحوُّلَ الترابِ الكربلائيِّ إلى دمٍ في قارورةِ أُمِّ سَلَمة كان إشارةً إلى بدايةِ مرحلةٍ جديدةٍ في مشروعِ الخلافةِ الإلهيّة، وهي مرحلةُ المشروعِ الحسينيِّ الذي يُمثّلُ المحرّكَ الأساس وزيتَ الوقودِ للمشروعِ المهدويِّ الأعظم. فإنَّ أنصارَ إمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه إنَّما يخرجون من الجوِّ الحسينيّ، وشعارُهم هو شعارُ إمامِهم: "يالثاراتِ الحسين".
══════ ✦ ══════
طمرُ المعجزةِ أسلوبٌ قديم
ومن النقاطِ المهمّةِ في هذه الرواية غضبُ هشام من هذه المعجزةِ الإلهيّةِ المرتبطةِ بالأوصياء، وأخذُهُ العهدَ من إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه بألّا يتحدَّث بها لأحد.
إنَّه أسلوبُ طمرٍ واضح لهذه المعجزةِ الغيبيّة. وقد بذل بنو أُميّة كلَّ جهدِهم لتضييعِ هذه الحقيقة، مع أنَّها كانت حقيقةً واضحةً تلمّسها الناس، وكُتُبُ المخالفينَ وكُتُبُ التأريخِ والسِّيَرِ والتفسيرِ والحديثِ عندهم شاهدةٌ على ذلك، بما ورد فيها من الحديث عن بكاءِ السماءِ، وعن قارورةِ أُمِّ سَلَمة، وعن تُرابِ الأرضِ، وعن أحجارِها التي تلوَّنت بدمٍ عبيط.
إنَّها حُججٌ سماويّةٌ تُقامُ على الناس، ولكنَّ الناسَ على طولِ التأريخِ دينُهم دينُ مُلوكهم، والتأريخُ يعيدُ نفسَه.
──── ✦ ────
معجزةُ سنة 1434 للهجرة
وفي العاشرِ من شهرِ محرَّم سنة 1434هـ، الموافق 25 نوفمبر 2012، في كربلاء، وتحديداً في الحرمِ الحسينيّ، وبينما كان قارئُ المقتلِ يقرأُ المقتلَ الحسينيّ، كانت شاشةُ قناةِ كربلاء تنقلُ جانباً من المقتل، وتنقلُ صورةً مباشرةً من متحفِ الحرمِ الحسينيّ، حيث وُضِعت تُربةُ الحسين في قارورةٍ زجاجيّةٍ شفّافة، وقد تلوّنت تُربةُ قبرِ الحسين في تلك القارورةِ بلونِ الدم أثناء المقتلِ الحسيني في بثٍّ حيٍّ مباشر، والفيديو لا يزال موجوداً على الإنترنت.
إنَّها معجزةٌ حسينيّةٌ واضحة شاهدها الناسُ بأُمِّ أعينِهم، وهي تصدِّقُ حديثَ القارورة الذي وردَ في كُتُبِنا وفي كُتُبِ القوم أيضاً.
ما الرسالةُ التي تحملها هذه المعجزة؟
كانت هذه المعجزةُ رسالةً غيبيّةً من إمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه إلى العالمِ عموماً، وإلى أشياعِ أهلِ البيتِ على وجهِ الخصوص:
إنَّ هذا التحوُّلَ في لونِ التربةِ الحسينيّةِ إلى دمٍ هو إشارةٌ إلى بدايةِ مرحلةٍ جديدةٍ من مشروعِ الخلافةِ الإلهيّة، وإنَّه إشارةٌ إلى اقترابِ العهدِ المهدوي.
فكما أنَّ الترابَ الكربلائيَّ قد تغيَّر لونُه إلى دم، فعلى الشيعةِ أيضاً أن يتغيَّروا، لأنَّ العالمَ بدأ يتغيَّر من حولِهم، وهذه التغيّراتُ آخذةٌ في التسارعِ والاشتدادِ يوماً بعد يوم إلى يومِ الظهورِ المهدوي.
وكأنَّ إمامَ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه يقولُ لنا بهذه المعجزةِ الحسينيّةِ الواضحة:
غيّروا أنفسَكم، وعجّلوا في التمهيدِ لإمامِ زمانِكم، فالعالمُ بدأ يتغيَّرُ تلك التغيّراتِ الواضحةَ التي تصلُ بنا إلى يومِ الخلاص، إلى يومِ ظهورِ القائم صلواتُ اللهِ عليه.
〰〰〰〰〰
هل التفتَ الشيعةُ إلى الرسالة؟
لكن ما الذي جرى بعد ذلك؟
هل التفتَ الشيعةُ إلى هذه الرسالةِ الغيبيّة؟
للأسفِ لا. الَّذي جرى أنَّه بعد يومين أو ثلاثة، وإذا بالعتبةِ الحسينيّة عبر إدارتها ومسؤوليها تُخفي تلك التربةَ عن الناس، وتطمرُ هذه الكرامةَ الحسينيّةَ الواضحةَ تحت مبرّراتٍ وأعذارٍ واهية.
وكان يُفترضُ بالشيعةِ في كلِّ أصقاعِ الأرضِ أن يعترضوا على هذا الإخفاءِ المقصودِ لهذه الكرامةِ الحسينيّةِ الواضحة، لكنَّهم لم يفعلوا، لأنَّ الناسَ في كلِّ زمانٍ على دينِ من يحكمُها، سواءٌ أكان من حكّامِ الدينِ أم من حكّامِ الدنيا.
ومن هنا يبرزُ هذا السؤالُ المرير:
أليس هذا الإخفاءُ المتعمَّدُ لهذا الحدثِ الإعجازيِّ في متحفِ العتبةِ الحسينيّة على نفسِ النسقِ الأُمويِّ في طمرِ المعجزات، كما مرَّ في حديثِ إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه مع الخليفةِ الأُموي؟
══════ ✦ ══════
الوقفةُ الأخيرة
إنَّ حديثَ القارورةِ ليس مجرَّد ذكرى من الماضي، ولا مجرَّد روايةٍ تُروى في المجالس، بل هو نافذةٌ على مشروعِ اللهِ في أرضِه.
فالحسينُ صلواتُ اللهِ عليه ليس حادثةَ دمٍ وانتهت، وإنَّما هو المحرِّكُ الأساسُ للمشروعِ المهدويِّ الأعظم. وتحوُّلُ التربةِ إلى دمٍ ليس أمراً وجدانيّاً فحسب، بل هو إشارةٌ سماويّة تتعلَّقُ بالوصايةِ، والإمامةِ، والولايةِ، والتمهيدِ لليومِ الذي ينهضُ فيه إمامُ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه بشعارِ "يالثاراتِ الحسين".
فإذا كانت التربةُ قد تغيَّرت، فالمطلوبُ من الشيعةِ أن يتغيَّروا.
وإذا كانت السماءُ قد أقامت الحُجَّة، فالمطلوبُ من القلوبِ أن تستجيب.
وإذا كان الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه هو بوّابةَ المشروعِ المهدويِّ، فإنَّ الصادقَ في انتظارهِ لا يكتفي بالبكاءِ، بل يدخلُ في جوِّ الحسين ليكونَ من الممهّدينَ حقّاً لإمامِ زمانِه صلواتُ اللهِ عليه.
#الثقافة_الزهرائية
#الحسين
#إمام_الزمان
#الظهور
#الرجعة_العظيمة
#الولاية
#عاشوراء
#التمهيد
