العودة للبحوثات

لماذا صالحَ الإمامُ المُجتبى معاوية؟

الثقافة الزهرائيةالشيعة ومنازلهم والتمحيصالإمام الحسنأحاديث معرفية

٦ أبريل ٢٠٢٦

لولا صُلحُ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه لَما بقيَ لشيعتِنا على وجهِ الأرضِ أحد

حين يلتبسُ وجهُ الحكمة

كثيرونَ ينظرونَ إلى صُلحِ إمامِنا الحَسَنِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه بعيونِ العاطفةِ المجرَّدة، أو بميزانِ الظاهرِ السياسيِّ القريب، فيقعونَ في الحيرةِ: كيف يُهادِنُ إمامُ الحقِّ معاوية، وهو يعلمُ أنَّ الحقَّ معه، وأنَّ معاوية ضالٌّ باغٍ؟

لكنَّ الحقيقةَ التي يكشفُها لنا إمامُنا المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه أنَّ أفعالَ الإمام لا تُوزَنُ بسطحيّةِ النظر، ولا تُفهمُ بعيداً عن مقامِ الإمامةِ الإلهيّة، ولا تُقاسُ بمشاعرِ الناسِ حين يلتبسُ عليهم وجهُ الحكمة.

══════ ✦ ══════

النَّصُّ الشريف

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ لِمَ دَاهَنْتَ مُعَاوِيَةَ وَصَالَحْتَهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ لَكَ دُونَهُ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ ضَالٌّ بَاغٍ؟

قَالَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: « يَا بَا سَعِيدٍ أَلَسْتَ حُجَّةَ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَإِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي عَلَيْهِ السَّلَامُ؟
قُلْتُ: بَلَى،
قَالَ: أَلَسْتَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِي وَلِأَخِي: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا؟
قُلْتُ: بَلَى،
قَالَ: فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ، وَأَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ، يَا بَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ، وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ، يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً.

أَلَا تَرَى الْخَضِرَ لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَقَتَلَ الْغُلَامَ وَأَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى فِعْلَهُ، لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَرَضِيَ، هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَلَوْلَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ»
[ 📚 علل الشرائع ]

──── ✦ ────

أنا إمامٌ إن قمتُ، وأنا إمامٌ إن قعدتُ

أوَّلُ ما يضعُهُ إمامُنا المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه بين أيدينا هو أصلُ المسألة:
إنَّ الإمامةَ لا تتبعُ صورةَ الحركةِ الظاهرة، ولا تُقاسُ بالقيامِ العسكريِّ فقط، ولا تسقطُ بالقعودِ عن الحرب.

فهو صلواتُ اللهِ عليه يقولُ بوضوح:

(فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ، وَأَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ)

وهذه الكلمةُ تقطعُ الطريقَ على كلِّ فهمٍ ساذجٍ يربطُ الحقَّ دائماً بصورةِ السيف، أو يظنُّ أنَّ الهدنةَ تُسقطُ مقامَ الإمام، أو أنَّ الصُّلحَ يُنافي الحجّيّة.

فالإمامُ إمامٌ في الحربِ والسِّلم، في النهوضِ والقعود، في المهادنةِ والمواجهة، لأنَّ ميزانَ أفعالِه هو الحكمةُ الإلهيّة، لا الانفعالُ البشريّ.

〰〰〰〰〰

صُلحُ الإمامِ امتدادٌ لسنَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وآله

ثمَّ يربطُ إمامُنا المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه صُلحَه بسنَّةِ نبيِّنا الأعظم صلى الله عليه وآله، فيقولُ:

(عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ، وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ)

فهنا تتجلّى الحقيقة:
الصُّلحُ ليس ضعفاً، وليس تراجعاً عن الحقِّ، وليس قبولاً بالباطل، بل قد يكونُ في موضعِه عينَ الحكمة، كما كان صُلحُ الحديبيّة في موضعِه فتحاً عظيماً وإن التبست حكمتُه على كثيرين في وقتِه.

ثم يزيدُ الإمامُ الأمرَ وضوحاً حين يقول:

(أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ)

فالمعركةُ مع معاوية ليست معركةَ خلافٍ سياسيٍّ عابر، بل هي مواجهةٌ مع كفرٍ مموَّه، كفرٍ يتحرَّكُ داخلَ العناوين الإسلاميّة الظاهرة، ويتستَّرُ بالتأويل، وهذا أخطرُ من الكفرِ الصريحِ في التنزيل، لأنَّه يلبسُ لباسَ الدين.

══════ ✦ ══════

لا يجوزُ أن يُسفَّهَ رأيُ الإمام

من أوضحِ ما جاءَ في الحديثِ قولُه صلواتُ اللهِ عليه:

(إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً)

وهذا قانونٌ عقائديٌّ دقيق:
إذا ثبتَ أنَّ الإمامَ منصوبٌ من قِبلِ الله، فإنَّ أفعالَه لا تكونُ مجالاً للاعتراضِ الجاهل، ولا للتسفيهِ السطحي، ولا للقياسِ على حساباتِ الناسِ المحدودة.

قد يلتبسُ وجهُ الحكمة علينا، لكنَّ التباسَه علينا لا يعني غيابَه في نفسِ الأمر.
قصورُنا في الفهم لا يقدحُ في فعلِ الإمام، وإنَّما يكشفُ عن ضيقِ أفقِنا نحن.

╭• ───── ✦ ───── •╮

الخَضِرُ وموسى: المِثالُ الكاشف

ولكي يقرِّبَ لنا هذه الحقيقةَ أكثر، يستشهدُ إمامُنا المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه بقصَّةِ الخَضِر مع موسى عليهما السلام:

(أَلَا تَرَى الْخَضِرَ لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَقَتَلَ الْغُلَامَ وَأَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى فِعْلَهُ، لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَرَضِيَ)

فموسى عليه السلام لم يكن اعتراضُه نابعاً من سوءِ النيّة، بل من عدمِ انكشافِ وجهِ الحكمة له في تلك اللحظة. فلمَّا كُشفَ له السِّرُّ رضيَ وسكنت نفسُه.

وهكذا الشأنُ مع الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه:
الناسُ سخطوا عليه، لا لأنَّه أخطأ، بل لأنَّهم جهلوا وجهَ الحكمة.

ولذلك قال بمرارةٍ ووضوح:

(هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ)

ما أقسى هذه الكلمة!
إنَّها لا تكشفُ فقط عن مظلوميّةِ الإمامِ في الخارج، بل تكشفُ عن مظلوميّتِه حتى في داخلِ الوسطِ الذي يُفترضُ أن يفهمَه ويُسلِّمَ له.

──── ✦ ────

ولولا الصُّلحُ لَفَنِيَتِ الشيعة

ثمَّ تأتي الجملةُ المفصليّةُ التي تختصرُ كلَّ شيء:

(وَلَوْلَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ)

هذه ليست مبالغةً خطابيّة، وليست عبارةً وجدانيّة، وإنَّما هي كشفٌ عن حقيقةِ ما كان يجري في ذلك الظرف.

لقد كان صُلحُ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه سياجَ حفظٍ لبقيّةِ الشيعة، وكان جدارَ وقايةٍ حالَ دونَ الاستئصالِ الكامل.

فلو اختارَ الإمامُ طريقاً آخر، على وفقِ ما تهواهُ العواطفُ وتستعجلهُ الحماسة، لكانت النتيجةُ إبادةَ شيعتِهم عن آخرِهم.

وهنا تتجلّى عظمةُ الموقف:
الإمامُ لم يُفكِّرْ في صورةِ نصرٍ عابر، ولا في بطولةٍ يُصفِّقُ لها الناسُ ساعةً، بل نظرَ بعينِ الإمامةِ إلى بقاءِ الخطِّ، وحفظِ الامتدادِ، وصيانةِ البقيّةِ المؤمنة.

〰〰〰〰〰

صُلحُ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه كانَ حِفظاً للدِّينِ لا تنازلاً عنه

من يقرأُ هذا الحديثَ بعينٍ مفتوحةٍ يدركُ أنَّ صُلحَ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يكن تنازلاً عن الحقِّ، بل كان حفظاً للحقِّ في ظرفٍ لا يُمكنُ فيه إظهارُه بالسيف.

لم يكن قبولاً بمعاوية، بل كان تدبيراً إلهيّاً لمرحلةٍ بالغةِ الخطورة.
ولم يكن مداهنةً بالمعنى المذموم، بل كان إجراءً إماميّاً لحفظِ ما يجبُ حفظُه، وتمريرِ المرحلةِ بأقلِّ خسارةٍ ممكنةٍ على شيعةِ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.

ومن هنا يتّضح أنَّ مَن يعترضُ على صُلحِ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه من موقعِ الجهلِ بالحكمة، إنَّما يُعيدُ نفسَ الحالةِ التي تحدَّثَ عنها الإمامُ نفسُه:
سخطٌ ناشئٌ من عدمِ معرفةِ وجهِ الحكمة.

══════ ✦ ══════

النتيجة

إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يضعُ بين أيدينا أصولاً عظيمة:

  • أنَّ الإمامةَ لا تتبدَّلُ بالقيامِ والقعود.

  • وأنَّ أفعالَ الإمامِ تُفهمُ في ضوءِ الحكمةِ الإلهيّة، لا في ضوءِ الانفعالاتِ السريعة.

  • وأنَّ التباسَ وجهِ الحكمةِ على الناس لا يقدحُ في فعلِ الإمام.

  • وأنَّ صُلحَ الإمامِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه كان سبباً مباشراً في حفظِ شيعةِ أهلِ البيتِ من الاستئصال.

  • وأنَّ حفظَ الامتدادِ الإيمانيّ قد يقتضي أحياناً موقفاً يبدو في الظاهرِ مُبهماً، لكنَّه في الحقيقةِ عينُ الصواب.

الكلمةُ الجامعة

ما أحوجَنا إلى أن نقرأَ مواقفَ الأئمّةِ صلواتُ اللهِ عليهم بعينِ التسليمِ والفهم، لا بعينِ العجلةِ والانفعال.

فإمامُنا الحَسَنُ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يُطفئْ جذوةَ الحقِّ بصلحِه، بل حفظَها من أن تُستأصل.
ولم يتركِ الشيعةَ لمصيرِهم، بل افتداهم بتلك المهادنةِ التي التبسَ وجهُها على كثيرين.
ولذلك كانت هذه الكلمةُ من أخطرِ ما رُوي عنه صلواتُ اللهِ عليه:

(وَلَوْلَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ)

فهنا يظهرُ أنَّ الصُّلحَ لم يكن تراجعاً، بل كان رحمةً، وحِفظاً، وتدبيراً إماميّاً بعيدَ النظر.

#الإمام_المجتبى
#معز_المؤمنين
#الإمام_الحسن_المجتبى
#أهل_البيت
#الولاية
#الثقافة_الزهرائية
#شيعة_أهل_البيت