العودة للبحوثات

لماذا أرادَ أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم للشعائرِ الحسينيّة أن تكونَ مشحونةً بالبكاءِ والعويلِ والضجيج؟

محرم صفر الامام الحسين كربلاءتصحيح المفاهيم وفقا للثقافة الزهرائية

٥ أبريل ٢٠٢٦

ليس البكاءُ العالي، ولا الشهيقُ، ولا الصراخُ، ولا العجيجُ في مراسمِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه أمورًا طارئةً على المشروع الحسينيّ، ولا مظاهرَ زائدةً عن معناه، بل هي منسجمةٌ مع خلفيّته العميقة، ومع الوظيفة التي أُريد للشعائر أن تؤدّيها في حياة الشيعة، وفي حفظ الحقيقة، وفي صيانة المظلوميّة، وفي إبقاء صوت الحسين صلواتُ اللهِ عليه مرتفعًا لا يُطمس، ولا يُحرَّف، ولا يُفرَّغ من محتواه.

فالقضيّة ليست مجرّد انفعالٍ عاطفيّ، وإنّما وراء الشعائر الحسينيّة معانٍ متعدّدة، ومن أبرزها معنى الرفض، ومعنى الاعتراض، ومعنى حفظ المظلوميّة، ومعنى تسليم النداء الحسينيّ إلى الأجيال، ومعنى ربط المشروع العاشورائيّ بالمشروع المهدويّ.

〰〰〰〰〰

الشعارُ الحسينيُّ في جوهره شعارُ رفضٍ واعتراض

حين نقيمُ الشعائر الحسينيّة بكلّ أشكالها، فإنّنا لا نؤدّي طقسًا فارغًا، بل نرفعُ شعارَ الرفض والاعتراض على ما جرى بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله.

فالحسينُ صلواتُ اللهِ عليه لم يكن خارجًا في حركةٍ منفصلةٍ عن جذور الانحراف، بل كان معترضًا على الذي جرى في السقيفة وما بعد السقيفة، وكان مشروعُه الإصلاحيّ قائمًا على إعادة الأمور إلى أصلها الحقّ.

ولذلك قال حين خرج:

(أُريدُ أن آمرَ بالمعروف وأنهى عن المُنكر وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب)

فالمعروفُ الذي أراد سيّدُ الشهداء صلواتُ اللهِ عليه أن يأمرَ به هو جوهرُ المعروف، وهو الدعوةُ إلى ولايةِ الإمام المعصوم.
والمنكرُ الذي أراد أن ينهى عنه هو جوهرُ المنكر، وهو رفضُ أئمّة الجور من رموز السقيفة وأشياعهم ومَن يسير على نهجهم.

ومن هنا جاءت عبارته الشريفة:
(وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب)

فسيرةُ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه رفضت سيرةَ الذين سبقوه بالمطلق، ووقفت منها موقفَ الرفض بالإجمال والتفصيل.
وهذا هو الخطّ الذي سار عليه الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه وهو يطلب الإصلاح للأمّة وللإنسانيّة.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الشعائر الحسينيّة في جوهرها عنوانُ معارضةٍ للواقع الأسود، ورايةُ رفضٍ للانحراف، وإنْ فرّغها بعضُ الناس من هذا المحتوى، فإنّ حقيقتها العميقة تبقى قائمةً في هذا الاتجاه.

〰〰〰〰〰

لماذا هذا البكاءُ العالي، والصراخُ، والضجيجُ، والعجيج؟

الجوابُ الجوهريّ هنا:
لأنّ بقاء المظلوميّة الحسينيّة متّقدةً يحتاجُ إلى رفع صوت الظلامة، لا إلى خفضه، وإلى إظهار الفاجعة، لا إلى تهذيبها حتى تفقد قوّتها، وإلى إبقاء الصرخة الحسينيّة حيّةً في وجدان الأجيال.

فإذا لم تُرفَع ظلامةُ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه عاليًا، وإذا لم تُنقَل إلى الأجيال بحرارتها، فإنّ الأكاذيب ستشتغل، والتزوير سيتمدّد، وسيُراد للناس أن يروا الحسينَ ظالمًا، ويزيدَ مظلومًا.

ومن هنا كان البكاءُ العالي، والشهيقُ، والصراخُ، والضجيجُ، والعجيجُ، والطُبولُ، والراياتُ، والمسيراتُ، والحماسةُ، والخطابةُ، والشعرُ، كلّها أدواتٍ تُستعمل كي تبقى مظلوميّة الحسين متوهّجةً، وكي يبقى صوتُ الحسين مرتفعًا.

فصراخُنا في الشعائر هو صدى لصرخة الحسين.
وعجيجُنا هو امتدادٌ لعجيج المظلوميّة التي أراد أهلُ البيت صلواتُ اللهِ عليهم أن لا تُدفن.
وضجيجُنا ليس فوضى، بل هو إعلانٌ دائمٌ بأنّ القضيّة لم تُنسَ، وأنّ الجرحَ لا يزالُ حيًّا، وأنّ الحقيقةَ لا تزالُ تُرفَع في وجه التزوير.

〰〰〰〰〰

لأنّ التزويرَ لا يتوقّف

الحقائقُ على مرّ التاريخ تُزوَّر.
وصورةُ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم تُعرَض مشوّهةً.
وصورةُ أعدائهم تُعرض بيضاءَ ناصعةً.
ويُصنع من الضلالة هداية، ومن المنكر معروف، ومن الإرهاب والنصب تفسيرٌ يُراد له أن يُقبَل في الأذهان.

والواقعُ شاهدٌ على ذلك.
فكم من حقائقَ قُلبت، وكم من رموزٍ معاديةٍ لأهلِ البيت صلواتُ اللهِ عليهم أُلبست لباسَ القداسة، وكم من وعيٍ شيعيٍّ تسرّبت إليه مضامين ناصبيّةٌ تحت عناوين مختلفة.

ولهذا كان من الضروريّ أن تبقى المظلوميّة الحسينيّة معلنةً لا مخفيّة، صارخةً لا هامسة، مشتعلةً لا باردة؛ لأنّ خفوتَ الصوت يفتح المجال واسعًا للطامسين والمحرّفين.

ومن هنا جاء توجيهُ الأئمّةِ صلواتُ اللهِ عليهم إلى البكاءِ والعويلِ والضجيجِ والعجيجِ والصراخ، حتى تبقى مظلوميّة الحسين صلواتُ اللهِ عليه متوهّجةً ومحصّنةً من الطمس والتزييف.

〰〰〰〰〰

الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه فجَّرَ المظلوميّةَ ليحميَ المشروع

في عاشوراء لم يكن الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه يعرض مظلوميّته عرضًا هامشيًّا، بل جيّش العاطفة بأقصى صورها، وفجّر وجدان الواقعة تفجيرًا، لتكون هذه المظلوميّة حصانةً للمشروع الحسينيّ، وحتى تبقى صورةُ الحقيقة واضحةً ناصعةً متوهّجة.

ولهذا سار الأئمّةُ صلواتُ اللهِ عليهم على هذا الخطّ نفسه، فجيّشوا الدموع، وحرّكوا القلوب نحو الحسين، ودفعوا الشيعة حتى إلى الموت باتجاه كربلاء، لأنّ كربلاء ليست موضعًا جغرافيًّا فحسب، بل هي مركزُ حفظ الحقيقة، وشمسُ المظلوميّة، ووقودُ الوعي الشيعيّ.

فكلُّ هذا التحريك للقلوب والدموع إنّما جرى حتى تبقى مظلوميّة الحسين صلواتُ اللهِ عليه متوقّدةً، لأنّها شمسُ الحقيقة بعينها.

〰〰〰〰〰

الاعتراضُ على البكاء العالي ليس انسجامًا مع مراد أهل البيت

أمّا الذين يطلبون من الشيعة أن يبكوا على الحسين بهدوءٍ بلا صراخٍ ولا ضجيجٍ ولا عجيج، ويصفون هذه المظاهر بأنّها غير حضاريّة، فإنّ دعوتهم هذه ليست منسجمةً مع الذي أراده أهلُ البيت صلواتُ اللهِ عليهم.

فالقضيّة هنا ليست قضيةَ ذوقٍ اجتماعيّ، بل قضيةُ مشروعٍ.
والشيطانُ يعمل على تفريغ المشروع العاشورائيّ من محتواه، وعلى تحويله إلى ذكرى باردة، لا تملك قدرةَ التحريك، ولا حرارةَ الرفض، ولا طاقةَ الصيانة للحقيقة.

والمشروع العاشورائيّ هو المحرّك الأساس للمشروع المهدويّ.
فإذا فُرِّغ من قيمته، ضُرب خطّ التمهيد لإمامِ زماننا صلواتُ اللهِ عليه في عمقه.

لذلك فإنّ الدعوة إلى شعائر هادئةٍ منزوعٍ منها العجيجُ والضجيجُ والحرارةُ واللطمُ والصراخُ، ليست مسألةَ تطويرٍ حضاريّ كما يقال، بل هي خطوةٌ في طريق إضعاف الذاكرة الحسينيّة وتبريد المظلوميّة وتخفيف حضور الحسين في الوجدان الشيعيّ.

〰〰〰〰〰

المشروعُ العاشورائيُّ خزّانُ الوقودِ للمشروعِ المهدوي

المشروع الحسينيّ ليس غايةً منقطعةً عن سائر مشروع أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم، بل هو خزّان الوقود الذي يحرّك المشروع المهدويّ.

فقيمتُه ليست في البكاء مجرّدًا، ولا في المراسيم بما هي هي، بل في أن تقود هذه الشعائر إلى معرفة إمامِ زماننا، وإلى التمهيد لظهوره، وإلى إحياء أمره.

ومن هنا كانت الشعائر الحسينيّة وسائلَ تُوظَّف لإثارة العواطف الحسينيّة، لا لتبقى في دائرة الانفعال وحده، بل لتُستثمر هذه الأجواء في خدمة إمامِ زماننا صلواتُ اللهِ عليه.

ولهذا نقرأ في دعاء الندبة الشريف، بعد الدموع والعجيج والضجيج، معارفَ عاليةً جدًّا، حتى نصل إلى هذه العبارة العظمى:

(أينَ وجهُ اللهِ الذي إليهِ يتوجَّهُ الأولياء؟)

فهنا تبلغ المعرفة ذروتها.
وهنا يتبيّن أن البكاءَ والنحيبَ والشعائرَ لا يُراد لها أن تُبقينا عند حدود الانفعال، بل أن تأخذنا إلى هذا الأفق:
إلى معرفة إمامِ زماننا، وإلى التوجّه إليه، وإلى الارتباط به.

〰〰〰〰〰

قيمةُ المشروعِ العاشورائي

قيمةُ المشروع العاشورائي أن يكون للشيعة مشروعٌ يرتبطون فيه بإمامِ زمانهم.
فالشعائر لا تُراد لذاتها فقط، بل تُراد لأنّها تحفظ المظلوميّة، وتحفظ الرفض، وتحفظ حرارة الوجدان، وتحفظ الصرخة، وتحفظ صلة الشيعة بالحسين، لتقودهم في النهاية إلى الحُجّةِ بنِ الحسن صلواتُ اللهِ عليه.

فإذا بقيت الشعائرُ حيّةً، بقي الوقودُ حيًّا.
وإذا بقي الوقودُ حيًّا، بقي المشروع المهدويّ متحرّكًا في القلوب والعقول.
وإذا بُرّدت الشعائر، أو فُرّغت من محتواها، أو حُوصرت بحرارةٍ أقلّ ممّا أراده أهلُ البيت صلواتُ اللهِ عليهم، ضعفت هذه الجهة كلّها.

〰〰〰〰〰

خاتمةٌ

إنّ أهلَ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم حين أرادوا من الشيعة البكاءَ العالي، والعويل، والضجيج، والعجيج، والصراخ في الشعائر الحسينيّة، لم يريدوا مجرّدَ مظاهر انفعاليّة، بل أرادوا حفظَ المظلوميّة، وإبقاءَ الرفض حيًّا، وتحصينَ الحقيقة من التزوير، وتسليمَ الصرخة الحسينيّة إلى الأجيال، وربطَ المشروع العاشورائيّ بالمشروع المهدويّ.

فصراخُ الشيعة في العزاء ليس خارجًا عن الحكمة، بل هو جزءٌ من الحكمة.
وعجيجُهم ليس نقصًا في الحضارة، بل هو من أدوات صيانة الحقيقة.
وبكاؤهم ليس مجرّدَ عاطفةٍ منفصلة، بل هو وسيلةٌ لتبقى شمسُ الحسين متوهّجةً، ووسيلةٌ ليظلّ الطريق مفتوحًا نحو إمامِ زماننا صلواتُ اللهِ عليه.

#الشعائر_الحسينية
#الثقافة_الزهرائية
#الإمام_الحسين
#عاشوراء
#إمام_الزمان
#المشروع_المهدوي
#دعاء_الندبة
#إحياء_أمر_الحسين