العودة للبحوثات

حين قُطعت يدا الحسين بعد مقتله: مشهدٌ حضره النبيُّ وآلهُ الأطهار

محرم صفر الامام الحسين كربلاء

٥ أبريل ٢٠٢٦

واحدةٌ من عظائمِ ما جرى على سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه: تقطيعُ يديهِ بعد الشهادةِ بحضورِ النبيِّ الأعظم وآلهِ الأطهار

ما أقسى بعضَ المشاهدِ العاشورائيّةِ حين لا يقفُ الإجرامُ عند القتل، ولا يكتفي بفصلِ الرأسِ الشريف، بل يمتدُّ إلى التجاسرِ على الجسدِ الطاهرِ بعد الشهادة، في صورةٍ تكشفُ خُبثَ الفاعلِ، وتُظهرُ في المقابلِ جانباً من الرعايةِ الغيبيّةِ الحسينيّة، ومن عظمةِ هذا الجسدِ الذي لم تنقطع عنه عنايةُ السماءِ بعد أن جرى عليه ما جرى.

وهذه الروايةُ تُصوّر لنا فاجعةً بالغةَ الوجع، من جهةِ ما صُنِعَ بسيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، ومن جهةِ ما تكشفه من حضورِ النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وأميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه ومولاتِنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها والإمامِ الحسن صلواتُ اللهِ عليه عند الجسدِ الشريف، وما جرى في تلك الليلةِ الموحشةِ من نداءٍ وبكاءٍ وتوجّع.

〰〰〰〰〰〰

بدايةُ الحكاية: من المدينةِ إلى كربلاء

قال الحضينيُّ بإسنادِه، عن سعيدِ بنِ المسيّب:

لمّا استُشهد أبو عبدالله الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه، حجَّ الناسُ من قابل، فدخلتُ على سيدي عليِّ بنِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه، فقلتُ له: يا مولاي، نويتُ الحجَّ، فماذا تأمرني؟

قال: امضِ على نيّتِكَ فحُجَّ.

وحججتُ.

هذه المقدّمةُ تفتحُ لنا الطريقَ إلى الواقعةِ العجيبةِ التي رآها سعيدُ بنُ المسيّب بعد عامٍ من عاشوراء، في موسمِ الحجّ، حين التقى رجلاً قد انقلبَ وجهُهُ إلى سوادٍ ووحشة، وكان متعلّقاً بأستارِ الكعبةِ في حالٍ من الذلِّ والانكسار.

عند الكعبة: رجلٌ بوجهٍ كقطعِ الليل

يقول سعيدُ بنُ المسيّب:

فبينا أنا أطوفُ بالكعبة، فإذا أنا برجلٍ وجهُهُ كقطعِ الليلِ المظلم، متعلّقٌ بأستارِ الكعبة، وهو يقول: اللهمَّ ربَّ هذا البيتِ الحرام اغفر لي، وما أحسبُكَ تفعل، ولو شفَّع فيَّ سكّانُ سماواتِكَ وجميعُ من خلقتَ، لعِظَمِ جرمي!

ثمّ يقول:

فشغلنا وشغل الناسَ عن الطواف، حتى طاف به جميعُ الناس واجتمعنا عليه، وقلنا له: ويلكَ! لو كنتَ إبليسَ لكان ينبغي أن لا تيأسَ من رحمةِ الله، فمن أنتَ؟ وما ذنبُكَ؟

فهنا يبدأ هذا الرجلُ في كشفِ جريمتِه، لا على نحوِ الذنبِ العاديّ، بل على نحوِ الفاجعةِ التي تكادُ العقولُ لا تحتملُها.

══════ ✦ ══════

أنا كنتُ جمّالاً مع الحسين

فبكى وقال:

يا قوم، إنّي أعرفُ نفسي وذنبي وما جنيت.

فقلنا له: تذكرُه؟

فقال:

أنا كنتُ جمّالاً عند أبي عبدالله الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه، لمّا خرج من المدينةِ إلى العراق.

وكنتُ أراه إذا أراد الوضوء للصلاة يضعُ سراويلَهُ عندي، فأرى تكّةً تغشي الأبصارَ بحُسنِ إشراقِها وألوانِها، فكنتُ أتمنّاها.

هنا تبدأُ ملامحُ الخبثِ الداخليّ في هذا الرجل. فهو كان في خدمةِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه، وكان يراه في أحوالِ عبادتِه وطهارتِه، ومع ذلك لم يُثمر قربُهُ نوراً ولا هداية، بل تحوّل إلى طمعٍ في شيءٍ من متاعِ الإمام.

بعد الشهادة: خرج يطلبُ الجسدَ الشريف

ثمّ قال:

حتى صرنا بكربلاء، فقُتل الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه ومن معه، فدفنتُ نفسي في مغارٍ من الأرض، ولم أطلبْ ولا أمثالي.

فلما جنَّ عليه الليل خرجتُ من مكاني، فرأيتُ تلك المعركةَ نوراً بلا ظلمة، ونهاراً بلا ليل، والقتلى مطروحين على وجهِ الأرض.

فذكرتُ لخبثي وشقائي التكّة، فقلتُ: واللهِ لأطلبنَّ الحسين صلواتُ اللهِ عليه، فأرجو أن تكونَ التكّةُ عليه في سراويلِه كما كنتُ أراها.

هنا تبلغُ الجريمةُ ذروتَها المعنويّة:
رجلٌ يرى المعركةَ مغمورةً بالنور، ويرى أجسادَ الشهداءِ مطروحةً، ومع ذلك لا يتّعظ، بل يندفعُ إلى نبشِ الجسدِ الشريف طمعاً في تكّةٍ كان يشتهيها.

──── ✦ ────

محاولةُ كشفِ عورةِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه

قال:

فدنوتُ منه، وضربتُ بيدي إلى التكّة، فإذا هو عقدها عقداً كثيراً، فلم أزل أحلّها حتى حللتُ منها عقدةً واحدة.

فمدَّ يدَهُ اليمنى، وقبضَ على التكّة، فلم أقدرْ على أخذِ يدِه عنها، ولا أصلَ إليها.

هذا الموضعُ من الرواية بالغُ الخطورةِ والعظمةِ معاً:

  • أمّا خطورتُه، فلأنّه يكشفُ إلى أيّ حدٍّ بلغَ هذا الرجلُ في جُرأتِه على جسدِ الإمام.

  • وأمّا عظمتُه، فلأنّ الإمام صلواتُ اللهِ عليه، مع كونهِ شهيداً بلا رأس، لم يُترك جسدُهُ الشريفُ هملاً، بل ظهرتْ منه حركةُ الدفاعِ عن سترِه.

فالحسين صلواتُ اللهِ عليه قبضَ بيده على موضعِ السترِ، لئلّا تُكشفَ عورتُهُ الطاهرة.

الجريمةُ الأعظم: قطعُ اليدين

ثمّ يقول:

فدعتني نفسي الملعونة لأن أطلبَ شيئاً أقطعُ به يدَه، فوجدتُ قطعةَ سيفٍ مطروحة، فأخذتُها وانكببتُ على يدِه، فلم أزل أجزُّها من زندِه حتى فصلتُها، ثم نحّيتُها عن التكّة.

ثمّ حللتُ عقدةً أخرى، فمدَّ يدَهُ اليسرى، فقطعتُها عن التكّة، ثم نحّيتُها عن التكّة.

هذه واحدةٌ من أعاظمِ ما مرَّ على الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه بعد شهادتِه:
أن يُمدَّ إلى جسدِه الشريف، وأن تُقطعَ يداهُ الطاهرتان بعد مقتلِه، لا في ساحةِ القتال، بل في سياقِ محاولةِ كشفِ سترِه.

إنّها جريمةٌ بالغةُ البشاعة، لأنّها لم تصدرْ في حالِ معركةٍ أو اشتباك، بل في حالِ خلوةٍ ليليةٍ بعد أن هدأتِ السيوفُ ونامَ الناس، وكأنّ أقصى ما أراده هذا المجرمُ هو أن يجمعَ بين السرقة، والتمثيل، وهتكِ الحرمة.

══════ ✦ ══════

الأرضُ ترجف.. والسماءُ تهتزّ

ثمّ يقول:

ومددتُ يدي إلى التكّة لأحلّها، فإذا بالأرض ترجف، والسماء تهتزّ، وإذا جلبةٌ عظيمةٌ وبكاءٌ شديدٌ ونداء، وقائلٌ يقول: وا ابناه، وا حسيناه.

هذه اللحظةُ تكشف أنّ ما وقع لم يكن حدثاً تُدركه الأرضُ وحدها، بل اهتزّت له السماواتُ والأرض، وجاءت الاستجابةُ الغيبيّةُ بما يفضحُ الجريمةَ ويُظهرُ المشهدَ المحفوفَ بالقداسةِ والرعاية.

حضورُ النبيِّ وآلهِ الأطهار

قال:

فصُعقتُ، ورميتُ بنفسي بين القتلى، وإذا بثلاثةِ نفرٍ وامرأة، حولهم خلائقُ وقوف، قد امتلأت بهم الأرضُ والسماء، بصورِ الناسِ وأجنحةِ الملائكة.

وإذا أنا بواحدٍ منهم يقول: وا ابناه، وا حسيناه؛ يا حسين! فداكَ جدُّكَ وأمُّكَ وأبوك وأخوك.

وإذا أنا بالحسين صلواتُ اللهِ عليه قد جلس، ورأسُهُ على بدنِه، وهو يقول: لبيكَ يا جدّاه يا رسولَ الله، ويا أبتاه يا أميرَ المؤمنين، ويا أماه يا فاطمة الزهراء، ويا أخي يا حسن.

هذا المقطعُ من أشدِّ المقاطعِ إيلاماً وإجلالاً معاً:

  • حضورُ النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله

  • وأميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه

  • ومولاتِنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها

  • والإمامِ الحسن صلواتُ اللهِ عليه

  • وحولهم خلائقُ من الملائكة

كلُّ ذلك يكشفُ أنّ هذه الفاجعةَ ليست أرضيّةً فقط، بل هي فاجعةٌ كونيّةٌ حضرتْها السماواتُ كما حضرتْها الأرض.

──── ✦ ────

شكوى الحسين لرسولِ الله صلى الله عليه وآله

ثمّ بكى وقال:

يا جداه! قتلوا واللهِ رجالَنا.
يا جداه! ذبحوا واللهِ أطفالَنا.
يا جداه! سلبوا واللهِ نساءَنا.

وبكوا بكاءً كثيراً.

هذه الشكوى من الحسين صلواتُ اللهِ عليه إلى جدّهِ النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله تكثشفُ مأساةَ كربلاء كلّها في ثلاثِ جُملٍ موجعة:

  • قتلُ الرجال

  • ذبحُ الأطفال

  • سلبُ النساء

وكأنّ الحسين صلواتُ اللهِ عليه يلخّصُ أمامهم ما جرى على معسكرِه، ليكونَ هذا المشهدُ شهادةً من الإمام نفسِه على عِظمِ الفاجعة.

مولاتُنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها تأخذُ من دمِ شيبته

ثمّ قالت مولاتُنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها:

يا أبتاه يا رسولَ الله! أتأذنُ لي أن آخذَ من دمِ شيبته فأخضبَ ناصيتي، وألقى الله يوم القيامة؟

قال لها: خذي.

فتأخذُ فاطمة صلواتُ ربي عليها.

فرأيتُهم يأخذون من دمِ شيبته، وتمسحُ به ناصيتَها، والنبيُّ وعليٌّ والحسنُ صلواتُ اللهِ عليهم يمسحون به نحورَهم وصدورَهم وأيديَهم إلى المرافق.

هذا المشهدُ من أعظمِ المشاهدِ ألماً، لأنّه يكشفُ مقامَ دمِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه، ويكشفُ حجمَ المواساةِ السماويّةِ والعلويّةِ والفاطميّةِ لهذا المصاب.

╭• ───── ✦ ───── •╮

انكشافُ الجريمةِ ولعنةُ النبيِّ عليه

ثمّ سمعَ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول للحسين:

يا حسين! فديتُك، من قطعَ يدَك اليمنى وثنّى باليسرى؟

فقال الحسين صلواتُ اللهِ عليه:

يا جداه، كان معي جمّالٌ صحبني من المدينة، وكان يراني إذا وضعتُ سراويلي لوضوء الصلاة، فيتمنّى تكّتي تكون له؛ فما منعني أن أدفعها إليه إلا علمي بأنّه صاحبُ هذا الفعل.

فلمّا قُتلتُ خرج يطلبني في القتلى، فوجدني بلا رأس، وتفقّد سراويلي ورأى التكّة، وقد كنتُ عقدتُها عقداً. فضرب بيده إلى عقدةٍ منها فحلّها، فمددتُ يدي اليمنى فقبضتُ على التكّة، فطلب من المعركة فوجد قطعةَ سيفٍ فقطع بها يميني.

ثمّ حللَ عقدةً أخرى، فضربتُ بيدي اليسرى فقبضتُ عليها لئلا يحلّها فيكشفَ عورتي، فجزَّ يدي اليسرى.

هنا ينكشفُ أنَّ الحسين صلواتُ اللهِ عليه كان يعلمُ بخبثِ هذا الرجل، ولذلك لم يُعطِه التكّةَ في حياته. كما ينكشفُ أنَّ مدَّ اليدين من الجسدِ الشريف إنّما كان حفظاً للستر ومنعاً لهتكِ الحرمة.

ثمّ قال:

ولمّا أومأ إلى حلِّ العقدةِ الأخرى أحسَّ بك، فرمى نفسَه بين القتلى.

أثرُ دعاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله

قال:

فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله: الله أكبر.

وقال لي: ما لكَ يا جمّال؟ سوَّد اللهُ وجهكَ في الدنيا والآخرة، وقطعَ يديكَ، وجعلَكَ في حزبِ من سفك دماءنا وجرؤ على الله في قتلنا.

فما استتمَّ دعاءُهُ حتى بُترتْ يداي، وأحسستُ بوجهي كأنّه أُلبسَ قطعاً من النارِ مسودّاً.

فجئتُ إلى هذا البيتِ أستشفعُ به، وأعلمُ أنّه لا يُغفرُ لي أبداً.

وهنا يظهرُ لنا أثرُ دعاءِ النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله في الحال، وأنّ اللعنةَ لم تُؤجَّل، بل نزل أثرُها على هذا المجرمِ في الدنيا قبل الآخرة.

══════ ✦ ══════

كيف تلقّى الناسُ هذا الخبر؟

قال سعيدُ بنُ المسيّب:

فلم يبقَ بمكةَ أحدٌ إلا سمع حديثَهُ وكتبه، وتقرّب إلى الله بلعنه، وكلٌّ يقول: حسبُكَ ما جنيت.

فكان هذا من دلائلِ الحسين صلواتُ اللهِ عليه.

هذا الختامُ يبيّن أنّ الجريمةَ لم تبقَ مكتومة، بل تحوّلت إلى مَعلمٍ من معالم الدلالة على عظمةِ الإمام، وعلى أنّ اللهَ لم يترك هذا الفعلَ من غير فضحٍ وعقوبةٍ وشهادة.

──── ✦ ────

الوقفةُ الأخيرة

هذه الروايةُ تُرينا واحدةً من عظائمِ ما مرَّ على الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه بعد شهادتِه:
أن تُقطعَ يداهُ الطاهرتان وهو يدفعُ عن نفسِه هتكَ السترِ حتى بعد أن فُصلَ رأسُه الشريف.

لكنّها في الوقتِ نفسه تُرينا وجهاً آخرَ من وجوهِ الحقيقة:
أنّ الحسين صلواتُ اللهِ عليه لم يكن جسداً مطروحاً بلا عناية، بل كان محفوفاً بحضورِ النبيِّ وآلهِ الأطهار، ومشهوداً من الملائكة، ومحروساً بعظمةِ القضيّةِ التي هزّت الأرضَ والسماء.

فأيُّ مصيبةٍ هذه؟
وأيُّ وجعٍ هذا الذي يجعلُ مولاتَنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها تأخذُ من دمِ شيبتِه؟
وأيُّ قلبٍ يحتملُ أن يسمعَ الحسين صلواتُ اللهِ عليه يقول:
يا جداه! ذبحوا واللهِ أطفالَنا.. وسلبوا واللهِ نساءَنا؟

#احداث_عاشورائية
#واحدة_من_عظائم_ما_مر_على_الامام_الحسين
#وحضور_النبي_والامام_علي
#والسيدة_الزهراء_والامام_الحسن
#الثقافة_الزهرائية