مَن هو القريبُ حقّاً؟ قانونُ المودَّةِ وطيب الولادة في كلامِ الإمامِ الحَسَنِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه
٦ أبريل ٢٠٢٦
قانونُ طِيبِ الوِلادة في كلامِ إمامِنا الحَسَنِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه
ليسَ المِعيارُ قُربَ النَّسَب، وإنَّما قُربُ المودَّة
في كلماتٍ قصيرةٍ، لكنَّها بالغةُ العمقِ والدِّقّة، يضعُ إمامُنا الحَسَنُ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه قانوناً واضحاً جدّاً في فهمِ القرابةِ الحقيقيّة، وفي تشخيصِ منظومةِ طيبِ الوِلادة، بعيداً عن المقاييسِ السطحيّةِ التي تقفُ عند مجرَّد الانتسابِ الأُسريّ أو القربِ النَّسبيّ.
══════ ✦ ══════
النَّصُّ المحوري
يقولُ إمامُنا الحَسَنُ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه:
( الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ ، وَ الْبَعِيدُ مَنْ بَاعَدَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ ، لَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ ، وَ إِنَّ الْيَدَ تُفَلُّ فَتُقْطَعُ وَ تُحْسَمُ )
[📚تحف العقول]
──── ✦ ────
القريبُ مَن قرَّبتهُ المودَّة
قولُهُ صلواتُ اللهِ عليه:
( الْقَرِيبُ مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ )
يفتحُ لنا باباً مهمّاً لفهمِ حقيقةِ الانتسابِ إلى أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم. فالقُربُ الحقيقيُّ ليس قُربَ الدمِ وحده، ولا قُربَ الاسمِ والعائلة، بل هو قُربُ المودَّةِ والاتباعِ والانسجامِ مع خطِّهم الشريف.
وهذا المعنى يتجلّى بوضوحٍ في الحديثِ الواردِ عن إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه مع سعد الخير، وهو مِن ذراري مروان بن الحكم، فقد جاء:
( عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: دَخَلَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الباقر "عَليهِ السّلام" يُسَمِّيهِ – سَعْدَ الْخَيْرِ – وَ هُوَ مِنْ وُلْدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الباقر "عَليهِ السّلام" فَبَيْنَا يَنْشِجُ كَمَا تَنْشِجُ النِّسَاءُ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ "عَليهِ السَّلام" مَا يُبْكِيكَ يَا سَعْدُ ؟! ، قَالَ : وَ كَيْفَ لَا أَبْكِي وَ أَنَا مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ فِي الْقُرْآنِ! ، فَقَالَ لَهُ : لَسْتَ مِنْهُمْ أَنْتَ أُمَوِيٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْكِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ "عَليهِ السّلام" : « فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي » )
[📚الاختصاص]
ومن هنا يتّضحُ أنَّ الإنسانَ قد يكونُ بعيداً في نسبِه، ولكنَّه قريبٌ جدّاً في مودّتِه وولائِه واتّباعِه، فيكونُ محسوباً على هذا الخطِّ الشريف، ويكونُ قريباً حقّاً من أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.
〰〰〰〰〰
البعيدُ مَن باعدتهُ المودَّة
وفي المقابل، يقولُ إمامُنا الحَسَنُ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه:
( وَ الْبَعِيدُ مَنْ بَاعَدَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَ إِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ )
وهنا تتجلّى الحقيقةُ المقابلة:
ليس كلُّ مَن انتسبَ إلى أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم يكونُ منهم بالحقيقة، ولا كلُّ مَن كان قريباً نسباً يكونُ قريباً مودَّةً وولاءً وانتماءً.
وهذا المعنى يظهرُ في الحديثِ الواردِ عن أميرِ المؤمنينَ صلواتُ اللهِ عليه، فيما نُقلَ في [📚عوالم الإمام المهدي]، وهو يُحذِّرُ من دجّالين من وُلدِ فاطمة، إذ جاء في كلامِه:
( وَ إِيَّاكُمْ وَالدَّجَّالِينَ مِن وُلْدِ فَاطِمَة ... فَإِنَّ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ دَجَّالِين ... وَ يَخْرُجُ دَجَّالٌ مِن دِجْلَة البَصْرة وَ لَيسَ مِنِّي ... وَ هُوَ مُقَدِّمَةُ الدَّجَّالِينَ كُلِّهِم ... فَإِنَّ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَة دَجَّالِين )
وهذا المعنى شديدُ الأهميّة، لأنَّه يبيّنُ أنَّ الانتسابَ الحقيقيَّ الأُسريَّ وحده لا يكفي، إذا فارقت المودَّةُ، وإذا انقطعَ الارتباطُ بالحقِّ، وإذا خرجَ الإنسانُ عن خطِّ الولاية.
فالقضيّةُ ليست مجرَّد ولادةٍ ناتجةٍ عن زواجٍ شرعيٍّ بحسبِ أنظمةِ التقنينِ الشرعيّ لحياتِنا اليوميّة، وإنَّما القضيّةُ أعمقُ من ذلك؛ إنَّها ترتبطُ بالدخولِ في منظومةِ النقاءِ المعنويِّ والولائيّ، أو الخروجِ منها، وإن كان الإنسانُ يحملُ نسباً قريباً.
══════ ✦ ══════
اليدُ أقربُ شيءٍ إلى الجسد
ثم يضربُ إمامُنا الحَسَنُ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه مثالاً بالغَ الوضوح:
( لَا شَيءَ أَقْرَبُ مِن يَدٍ إِلَى جَسَد )
فاليدُ متّصلةٌ اتّصالاً مباشراً بالجسد، وهي جزءٌ منه، ولا يوجدُ في الظاهرِ ما هو أقربُ منها إليه. هذا المثالُ يُرادُ منه تقريبُ الفكرةِ إلى الأذهان:
قد يكونُ الشيءُ في غايةِ القُربِ الظاهريّ، لكنَّ هذا القربَ لا يكفي وحده إذا فسدت الحقيقةُ الباطنيّة.
وإذا مرضتِ اليدُ قُطِعت
ثم يقولُ صلواتُ اللهِ عليه:
( وَ إِنَّ الْيَدَ تُفَلُّ فَتُقْطَعُ وَ تُحْسَمُ )
ومعنى تُفَلُّ: يُصيبُها العَطَب، أو يُصيبُها المرض، أو يلحقُ بها فسادٌ يجعلُ بقاءَها خطراً على الجسد. وعندئذٍ، مع شدّةِ قربِها واتّصالِها وملاصقتِها، لا يكونُ بُدٌّ من قطعِها وحسمِها، لأنَّ بقاءَها يجرُّ الهلاك.
ومن هنا يظهرُ وجهُ المثالِ بوضوح:
قد يكونُ الإنسانُ قريباً جدّاً بحسبِ الظاهر، لكن حين يبتعدُ خيرُه، ولا يبقى فيه إلّا شرُّه، فإنَّ هذا القربَ لا ينفعُه، بل ينقلبُ سبباً للحسمِ والقطعِ والإبعاد.
──── ✦ ────
ما الَّذي يرسمُه هذا القانون؟
هذا الكلامُ الشريفُ يرسمُ لنا قانوناً واضحاً جدّاً:
القربُ الحقيقيّ هو قربُ المودَّةِ والولاءِ والانسجامِ مع أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.
والبُعدُ الحقيقيّ هو بُعدُ القلبِ والموقفِ والخطِّ، وإن اقترنَ بقربِ النسب.
والانتسابُ الأُسريُّ وحده لا يكفي ما لم يكن مشفوعاً بالحقِّ والمودَّةِ والطهارةِ المعنويّة.
ومنظومةُ طيبِ الوِلادة لا تُفهمُ فهماً سطحيّاً ضيّقاً، بل تُفهمُ في أفقِها الولائيِّ والعقائديّ والأخلاقيّ الواسع.
╭• ───── ✦ ───── •╮
الكلمةُ الجامعة
حين نتأمّلُ في هذه الكلماتِ القصارِ لإمامِنا الحَسَنِ المُجتبى صلواتُ اللهِ عليه، نجدُ أنَّها لا تُعطينا درساً أخلاقيّاً فحسب، بل تُعطينا ميزاناً دقيقاً في فهمِ القربِ والبُعد، والانتسابِ والانفصال، والنجاةِ والسقوط.
فليس الشأنُ في أن يقولَ الإنسانُ: أنا قريبٌ، أو أنا من هذا البيت، أو أنا من هذا النسب.
الشأنُ كلُّه في: هل قرَّبتكَ المودَّة؟
هل أدخلتْكَ في خطِّهم؟
هل جعلتكَ منسجماً مع نورِهم، ومع حقِّهم، ومع مشروعِهم؟
فمَن قرَّبتْهُ المودَّةُ فهو القريبُ وإن بَعُدَ نسبُه، ومَن باعدتْهُ المودَّةُ فهو البعيدُ وإن قَرُبَ نسبُه. وهذه هي الحقيقةُ التي تضعُ لنا قانوناً واضحاً جدّاً في فهمِ القرابةِ الحقيقيّة وطيبِ الوِلادة.
#القرابة
#طيب_الولادة
#الإمام_الحسن_المجتبى
#العترة_الطاهرة
#الولاية
#أهل_البيت
#الثقافة_الزهرائية
