عاشوراء حَسنيّةٌ في تمهيدها قبل أن تكون حُسينيّةً في قربانها
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
عاشوراءُ حَسنيّةٌ في تمهيدِها قبل أن تكونَ حُسينيّةً في قُربانِها
كيف مهَّد مولانا الإمامُ الحسنُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه لعاشوراء؟
وكيف يمكن أن يُوضَع ما قام به من صناعةِ الأرضيّةِ التاريخيّةِ والسياسيّةِ والاجتماعيّةِ المباشرةِ لمشروعِ كربلاء في كفّة، وما قام به النبيُّ الأعظمُ صلى الله عليه وآله، وأميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، ومولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها، من تأسيسٍ عقائديٍّ ونبويٍّ لمشروعِ عاشوراء، في كفّةٍ أخرى؟
ليس المرادُ من هذا التعبير أنَّ عملَ الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه أعظمُ من عملِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله، أو أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، أو مولاتِنا الزهراءِ الزاهرةِ صلواتُ ربي عليها، من جهةِ المقامِ والفضل؛ فهذه ليست موضعَ المقارنة.
وإنَّما المقصودُ هو المقارنةُ من جهةِ المباشرةِ التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، ومن جهةِ الظروفِ التي تعامل معها مولانا كريمُ آلِ الله صلواتُ اللهِ عليه، وهي الظروفُ والأشخاصُ والقوى نفسُها التي ستتولَّد منها واقعةُ كربلاء بعد سنواتٍ قليلة.
〰〰〰〰〰
المسألةُ الأولى: هل ما جرى كان صُلحًا أم مُهادنة؟
اعتادت الثقافةُ الشيعيّة، حينما يُذكَر مولانا الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، أن تتحدَّث عن «صلحِه مع معاوية»، حتّى صار عنوانُ «صلح الإمام الحسن» هو العنوانَ الأكثرَ شيوعًا في كتبِ التاريخ والمنابر.
لكنَّ التعبيرَ الأدقَّ في وصفِ ما جرى هو:
المهادنةُ والمعاهدة.
لأنَّ الإمامَ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يعترف لمعاويةَ بإمامةٍ شرعيّة، ولم يسلِّم له بأنَّه أميرُ المؤمنين، وإنَّما أوقفَ القتالَ ضمن شروطٍ محدَّدة فرضتْها طبيعةُ المرحلة، وحفظَ بها بقيّةَ المشروعِ الإلهي.
ومن جملةِ الشروط المنقولةِ في المعاهدة:
أنَّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه لا يسمّي معاويةَ «أميرَ المؤمنين».
وألّا يقيمَ عنده شهادة.
وهذان الشرطان يكشفان أنَّ الإمامَ صلواتُ اللهِ عليه لم يعترف بمعاويةَ حاكمًا شرعيًّا تجبُ طاعتُه، ولم يجعلِ المهادنةَ تنازلًا عن الإمامة أو إقرارًا بشرعيّةِ الحكمِ الأموي.
فالإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يتخلَّ عن حقِّه، ولم يمنح معاويةَ شرعيّةً دينيّة، وإنَّما انتقل بالمواجهة من ميدانٍ عسكريٍّ لم تَعُد فيه عناصرُ النصرِ متوافرة، إلى ميدانٍ آخر ستنكشفُ فيه حقيقةُ معاويةَ ومشروعِ بني أُميّة أمامَ الأُمّة.
〰〰〰〰〰
المسألةُ الثانية: ما العنوانُ الأبرزُ في سيرةِ الإمامِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه؟
ركَّزت السياسةُ الأمويّةُ والعبّاسيّة، ومن تبعها من المؤرِّخين، على عنوانِ «الصلح»، حتّى ظهر الإمامُ الحسنُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه في الذاكرةِ العامّة وكأنَّه الإمامُ الذي تنازل لمعاوية، أو كأنَّ أبرزَ ما في حياتِه هو إيقافُ القتال.
وقد أراد المخالفون لأهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم من هذا التركيز أن يقولوا:
إنَّ آلَ محمّدٍ صلى الله عليه وآله لا خصوصيّةَ لهم في الحكم والإمامة.
وإنَّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه قد تنازل عن حقِّه لبني أُميّة.
وإنَّ النزاعَ لم يكن بين إمامةٍ إلهيّة وسلطةٍ منحرفة، بل كان نزاعًا سياسيًّا عاديًّا بين طرفين.
لكن إذا دقَّقنا في سيرةِ مولانا الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، ولا سيّما في مواقفِه السياسيّة خلال مرحلةِ إمامتِه، وجدنا أنَّ العنوانَ الأبرزَ فيها ليس مجرَّدَ إيقافِ القتال، بل:
صناعةُ الأرضيّةِ التاريخيّةِ والسياسيّةِ والاجتماعيّةِ المباشرةِ لمشروعِ عاشوراء.
ومن هنا يمكن القول:
كانت عاشوراءُ حَسنيّةً في أرضيّتِها وتمهيدِها، قبل أن تكونَ حُسينيّةً في قُربانِها وتفجيرِها.
ولا يعني هذا أنَّ بين أيدينا نصًّا يقول إنَّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه كان يضعُ خُطّةً تفصيليّةً ليومِ العاشر من المحرّم، وإنَّما يعني أنَّ قراراتِه ومواقفَه صنعت الشروطَ التي لم يكن لمشروعِ عاشوراء أن يظهرَ بالصورةِ التي ظهر بها من دونها.
لقد تعامل الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه مع الأشخاصِ والقوى والمجتمعِ والدولةِ التي ستصنعُ أحداثَ كربلاء بعد عشرين عامًا:
تعامل مع معاويةَ والدولةِ الأمويّة.
وتعامل مع أهلِ العراق وتقلباتِهم.
وتعامل مع خيانةِ قادةِ الجيوش ورؤساءِ القبائل.
وتعامل مع ضعفِ الشيعة واستهدافِهم.
وتعامل مع الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه وأهلِ بيتِه، الذين كانوا يمثِّلون مادّةَ القربانِ القادم.
وتعامل مع مسألةِ الحكمِ بعد معاوية.
ووضع الحدَّ الفاصلَ بين مرحلةِ الكفِّ ومرحلةِ القيام.
وبذلك لم يكن موقفُه معالجةً مؤقّتةً لأزمةِ سنةِ إحدى وأربعين للهجرة، بل كان قرارًا سترتبطُ آثارُه مباشرةً بما سيقعُ سنةَ إحدى وستين للهجرة.
〰〰〰〰〰
الجهةُ الأولى: الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه حفظَ القُربان
أوّلُ سؤالٍ ينبغي أن يُطرَح هو:
ماذا كان سيحدثُ للإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، ولبني هاشم، ولشيعةِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، لو استمرَّ الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه في حربٍ لا يملك فيها جيشًا مطيعًا ولا قيادةً مخلصة؟
كان جيشُ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه خليطًا من فئاتٍ مختلفة:
جماعةٌ من الشيعةِ المخلصين.
وجماعةٌ من الخوارج.
وجماعةٌ تطلبُ الغنائم.
وجماعةٌ تحرِّكها العصبيّاتُ القبليّة.
وجماعةٌ تشكُّ في الإمام ولا تطيعُه.
وجماعةٌ راسلت معاويةَ سرًّا، وعرضت عليه تسليمَ الإمامِ أو الفتكَ به.
كما تعرَّض الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه للنهبِ والطعن، وخانه بعضُ قادةِ جيشِه، وانتقلوا إلى معاويةَ مقابلَ الأموال.
وقد جاء في الرواية عن الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه في بيانِ حكمةِ موقفِه:
عن أبي سعيد قال: قلتُ للحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ صلواتُ اللهِ عليهما:
يا ابنَ رسولِ الله، لِمَ داهنتَ معاويةَ وصالحتَه، وقد علمتَ أنَّ الحقَّ لك دونه، وأنَّ معاويةَ ضالٌّ باغٍ؟قال صلواتُ اللهِ عليه:
«يا أبا سعيد، ألستُ حجّةَ الله تعالى ذكرُه على خلقِه، وإمامًا عليهم بعد أبي صلواتُ اللهِ عليه؟»قلتُ: بلى.
قال:
«ألستُ الذي قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: الحسنُ والحسينُ إمامان قاما أو قعدا؟»قلتُ: بلى.
قال:
«فأنا إذن إمامٌ لو قمتُ، وأنا إمامٌ إذا قعدتُ. يا أبا سعيد، علّةُ مصالحتي لمعاويةَ علّةُ مصالحةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهلِ مكّة حين انصرفَ من الحديبية. أولئك كفّارٌ بالتنزيل، ومعاويةُ وأصحابُه كفّارٌ بالتأويل.يا أبا سعيد، إذا كنتُ إمامًا من قِبَلِ الله تعالى ذكرُه، لم يجب أن يُسفَّه رأيي فيما أتيتُه من مهادنةٍ أو محاربة، وإن كان وجهُ الحكمةِ فيما أتيتُه ملتبسًا.
ألا ترى الخضرَ لمّا خرقَ السفينةَ، وقتلَ الغلامَ، وأقامَ الجدارَ، سخطَ موسى فعلَه لاشتباهِ وجهِ الحكمةِ عليه، حتّى أخبرَه فرضي؟ هكذا أنا؛ سخطتم عليَّ بجهلِكم بوجهِ الحكمةِ فيه، ولولا ما أتيتُ لما تُركَ من شيعتِنا على وجهِ الأرضِ أحدٌ إلّا قُتل».
هذه العبارةُ الأخيرةُ تكشفُ جانبًا عظيمًا من مشروعِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه:
«ولولا ما أتيتُ لما تُركَ من شيعتِنا على وجهِ الأرضِ أحدٌ إلّا قُتل».
فالإمامُ لم يحفظ نفسَه وأخاه فقط، بل حفظ:
الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه.
أهلَ بيتِه وأبناءَه وأبناءَ أخيه.
النواةَ المخلصةَ من شيعةِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.
الجماعةَ التي ستعرفُ حقَّ الحسينِ وتنصرُه أو تحملُ خبرَه.
الذاكرةَ العقائديّةَ التي ستفهمُ الفرقَ بين الإمامةِ الشرعيّة والحكمِ الأموي.
فعاشوراءُ احتاجت إلى وجودِ القربان، واحتاجت إلى وجودِ الشهود، واحتاجت إلى وجودِ المؤمنين الذين يحملون رسالتَها من بعدِ وقوعها.
ولو انتهى الإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه، وأهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم، وبقيّةُ الشيعةِ المخلصين في معركةٍ عسكريّةٍ خاسرة سنةَ إحدى وأربعين للهجرة، لما وقعت عاشوراءُ بالصورةِ التي عرفناها بعد عشرين عامًا.
فالمجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يحفظ أشخاصًا فحسب، بل حفظ المادّةَ البشريّةَ والعقائديّةَ لمشروعِ عاشوراء.
ولهذا كان أوّلُ تمهيدٍ حَسنيٍّ لكربلاء هو:
حفظُ القربانِ قبل حلولِ زمنِ تقديمِه.
〰〰〰〰〰
الجهةُ الثانية: نزعُ الشرعيّةِ عن الحكمِ الأموي
هل هادن الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه معاويةَ لأنَّه رآه أهلًا للحكم؟
الجوابُ واضحٌ في خطبةِ الإمامِ بعد المعاهدة، فقد جاء في الاحتجاج وغيره عن سُليم بن قيس أنَّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه قام على المنبر حين اجتمع مع معاوية، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال:
«أيُّها الناس، إنَّ معاويةَ زعم أني رأيتُه للخلافة أهلًا، ولم أرَ نفسي لها أهلًا، وكذب معاوية. أنا أولى الناسِ بالناسِ في كتابِ الله وعلى لسانِ نبيِّ الله.
فأقسمُ بالله، لو أنَّ الناسَ بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتْهم السماءُ قطرَها، والأرضُ بركتَها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية.
وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله: ما ولّت أُمّةٌ أمرَها رجلًا قط وفيهم من هو أعلمُ منه، إلّا لم يزل أمرُهم يذهبُ سَفالًا حتّى يرجعوا إلى ملّةِ عبدةِ العجل.
وقد ترك بنو إسرائيلَ هارونَ واعتكفوا على العجل، وهم يعلمون أنَّ هارونَ خليفةُ موسى.
وقد تركت الأُمّةُ عليًّا، وقد سمعوا رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقولُ لعليٍّ صلواتُ اللهِ عليه: أنتَ منّي بمنزلةِ هارونَ من موسى، غيرَ النبوّة، فلا نبيَّ بعدي.
وقد هرب رسولُ الله صلى الله عليه وآله من قومِه وهو يدعوهم إلى الله حتّى فرَّ إلى الغار، ولو وجد عليهم أعوانًا ما هرب منهم، ولو وجدتُ أعوانًا ما بايعتُك يا معاوية».
إذن لم تكن المهادنةُ اعترافًا بحقِّ معاوية، وإنَّما كانت تدبيرًا فرضتْه خيانةُ الجيش، وضعفُ الناصر، وحكمةُ الإمام في حفظِ مشروعِ أهلِ البيت صلواتُ اللهِ عليهم.
وقد بقي الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه يواجهُ الدعايةَ الأمويّة علنًا، فلم تتحوَّل الهدنةُ إلى صمتٍ عقائدي، ولم يتوقَّف عن بيانِ الحق.
فعندما دخل معاويةُ الكوفةَ وصعد المنبر، فنال من أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه ومن الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه، أراد الإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه أن يردَّ عليه، فأخذ الإمامُ الحسنُ بيدِه وأجلسَه، ثم قام فقال:
«أيُّها الذاكرُ عليًّا، أنا الحسنُ وأبي عليّ، وأنتَ معاويةُ وأبوك صخر، وأُمّي فاطمةُ وأُمُّك هند، وجدّي رسولُ الله وجدُّك حرب، وجدّتي خديجةُ وجدّتُك قتيلة؛ فلعن اللهُ أخملَنا ذكرًا، وألأمَنا حسبًا، وشرَّنا قدمًا، وأقدمَنا كفرًا ونفاقًا».
فقالت طوائفُ من أهلِ المسجد:
آمين، آمين.
إنَّ وقوفَ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه بهذه الصورة يثبتُ أنَّه لم يمنح معاويةَ شرعيّةً عقائديّة، ولم يقبل بأن تتحوَّلَ المهادنةُ إلى تحريفٍ للحقائق أو إسكاتٍ لصوتِ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.
وكان هذا من أهمِّ عناصرِ التمهيدِ الثقافيِّ لعاشوراء؛ لأنَّ عاشوراءَ لا تؤدّي وظيفتَها إذا اعتقد الناسُ أنَّ الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه خرج على حاكمٍ شرعي.
كان لا بدَّ من إبقاءِ الفاصل واضحًا بين:
الإمامةِ الإلهيّة والسلطةِ القائمة.
أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم وبني أُميّة.
الإمامِ الحقِّ والحاكمِ المتغلِّب.
الوفاءِ والغدر.
المشروعِ الإلهيِّ والمشروعِ السلطوي.
وهذا ما ثبَّته الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه في وعيِ الأُمّة.
〰〰〰〰〰
الجهةُ الثالثة: نقلُ الصراعِ من ميدانِ السيفِ إلى ميدانِ الحُجّة
قبل المهادنة كان الإعلامُ الأمويُّ يستطيعُ أن يصوِّر النزاعَ على أنَّه صراعٌ بين جيشِ الشام وجيشِ العراق، أو صراعٌ بين طرفين يطلبُ كلُّ واحدٍ منهما الحكمَ والسلطة.
وفي مثلِ هذه الأجواء قد تختلطُ الحقائقُ على الناس، خصوصًا مع قوّةِ المالِ والإعلامِ الأموي، واختراقِه لرؤساءِ القبائل وقادةِ الجيوش.
لكنَّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه، حين أوقف القتالَ ضمن شروطٍ واضحة، نقل الصراعَ من ميدانِ السيف إلى ميدانِ الحُجّة.
لم يعد معاويةُ قادرًا على الاحتماءِ بشعارِ المطالبةِ بدمِ عثمان، ولم يعد يستطيع تصويرَ نفسِه بوصفه رجلًا اضطرَّ إلى الحربِ دفاعًا عن حقٍّ أو طلبًا للإصلاح؛ لأنَّ القتالَ قد توقَّف، وأصبحت السلطةُ كلُّها في يدِه.
وهنا بدأ معاويةُ يهدمُ صورتَه بنفسِه.
فقد اشترط الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه:
العملَ بكتابِ الله وسُنّةِ رسولِه صلى الله عليه وآله.
أمنَ الناس وشيعةِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.
تركَ التعرُّض لأولياءِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.
تركَ سبِّ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.
ألّا يعهدَ معاويةُ إلى أحدٍ من بعدِه.
وجاء في الأخبار:
«واشترط عليه تركَ سبِّ أميرِ المؤمنين، والعدولَ عن القنوتِ عليه في الصلوات، وأن يؤمِّن شيعتَه، ولا يتعرَّضَ لأحدٍ منهم بسوء، ويوصلَ إلى كلِّ ذي حقٍّ منهم حقَّه. فأجابه معاويةُ إلى ذلك كلِّه، وعاهدَه عليه، وحلف له بالوفاءِ به».
ولكن لمّا استتمَّت الهدنة، سار معاويةُ حتّى نزل بالنخيلة، فخطب الناسَ وقال:
«إنّي واللهِ ما قاتلتُكم لتصلُّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجُّوا، ولا لتزكُّوا؛ إنَّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتُكم لأتأمَّرَ عليكم، وقد أعطاني اللهُ ذلك وأنتم له كارهون. ألا وإنّي كنتُ منَّيتُ الحسنَ وأعطيتُه أشياء، وجميعُها تحت قدميَّ، لا أفي بشيءٍ منها».
هذه الكلماتُ تكشفُ حقيقةَ المشروعِ الأمويِّ بلسانِ صاحبِه.
فبعد أن كان معاويةُ يتحدَّث عن الدينِ والقصاصِ والإصلاح، أعلن صراحةً أنَّ غايتَه كانت التأمُّرَ والسلطان، وأنَّه لا يلتزمُ بعهدٍ ولا يفي بشرط.
وبذلك أصبح كلُّ فعلٍ يقوم به الحكمُ الأمويُّ بعد المهادنة شاهدًا عليه:
أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم أوفَوا، ومعاويةُ غدر.
أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم حفظوا دماءَ المسلمين، ومعاويةُ طلب السلطان.
الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه التزم بما عاهد عليه، ومعاويةُ أعلن نقضَ عهدِه.
أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم لم يطلبوا دنيا، بينما صرَّح معاويةُ بأنَّه قاتل من أجلِ الحكم.
ومن هنا انتقل الصراعُ من صورةِ حربٍ عسكريّةٍ قد تلتبسُ على الناس، إلى صورةٍ أخلاقيّةٍ وعقائديّةٍ واضحة:
طرفٌ يحفظُ الدماءَ ويفي بالعهد، وطرفٌ يطلبُ السلطانَ وينقضُ العهود.
وكان هذا التحوُّل ضروريًّا للتمهيدِ لعاشوراء؛ لأنَّ كربلاء ستأتي بعد ذلك لتضع الأُمّةَ أمام الصورةِ نفسِها، ولكن بصورةٍ أكثرَ وضوحًا:
إمامٌ لا يطلبُ دنيا ولا سلطانًا شخصيًّا.
ونظامٌ أُمويٌّ وراثيٌّ يطلبُ من الإمام أن يمنحَه الشرعيّةَ ببيعتِه.
〰〰〰〰〰
الجهةُ الرابعة: تحويلُ جرائمِ معاويةَ إلى نقضٍ موثَّقٍ للعهد
لم تكن شروطُ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه مطالبَ جزئيّةً متفرِّقة، بل كانت شبكةً من القيودِ الأخلاقيّةِ والسياسيّة التي ستكشفُ حقيقةَ معاويةَ عند مخالفتِها.
فعندما اشترط الإمامُ أمنَ شيعةِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، أصبح اضطهادُهم وقتلُهم نقضًا للعهد.
وعندما اشترط تركَ سبِّ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، أصبح استمرارُ السبِّ على المنابر دليلًا على أنَّ الدولةَ الأمويّة لا تريدُ مجرَّدَ الحكم، بل تريدُ محوَ ذكرِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، وتشويهَ دينِه ومقامِه.
وعندما اشترط حفظَ حقوقِ الناس، أصبح الاستيلاءُ على أموالِهم والتنكيلُ بهم شاهدًا على طبيعةِ ذلك الحكم.
وعندما اشترط ألّا يعهد معاويةُ بالأمرِ إلى أحدٍ بعده، أصبح توريثُ يزيد أكبرَ خيانةٍ سياسيّةٍ في العهدِ كلِّه.
وبذلك حوَّل الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه كلَّ جريمةٍ أُمويّةٍ لاحقة إلى نقضٍ موثَّق، ولم يترك لمعاويةَ أن يرتكبَ جرائمَه بلا معيارٍ يكشفُها.
لقد وضع المجتبى صلواتُ اللهِ عليه الشروطَ، ثم ترك معاويةَ يكشفُ نفسَه من خلال نقضِها واحدةً بعد أخرى.
وهنا يظهر جانبٌ عظيمٌ من حكمةِ الإمام؛ فقد كان يعلم أنَّ جيشَه المخترَق لا يستطيعُ إسقاطَ معاويةَ عسكريًّا، لكنَّه استطاع أن ينزعَ عنه أقنعتَه السياسيّةَ والأخلاقيّة، وأن يجعلَ حكمَه شاهدًا على غدرِه وانحرافِه.
ومن خلال هذا التراكم أصبح المجتمعُ الإسلاميُّ يرى خلال عشرين عامًا:
قتلَ أصحابِ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه.
وملاحقةَ الشيعة.
وسبَّ الإمامِ على المنابر.
ونقضَ المواثيق.
وتحويلَ الحكم إلى مُلكٍ عضوض.
والتخطيطَ لفرضِ يزيد على الأُمّة.
وهذه السنواتُ لم تكن فراغًا بين الإمامِ الحسنِ والإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليهما، بل كانت السنواتِ التي أخذ فيها الحكمُ الأمويُّ يكشفُ حقيقتَه، حتّى اكتملت الصورةُ عند مجيءِ عاشوراء.
〰〰〰〰〰
الجهةُ الخامسة: وضعُ العقبةِ المباشرةِ أمام توريثِ يزيد
أهمُّ شرطٍ له صلةٌ مباشرةٌ بكربلاء هو:
ألّا يعهدَ معاويةُ إلى أحدٍ من بعدِه.
وهذا الشرطُ بالغُ الأهميّة؛ لأنَّ أصلَ المواجهةِ التي قادت إلى عاشوراء كان طلبَ البيعةِ ليزيد.
فحين قرَّر معاويةُ أن يجعلَ الحكمَ في ابنِه يزيد، لم يكن يقومُ بمجرَّدِ اختيارٍ سياسيٍّ جديد، بل كان:
ينقضُ عهدَه مع الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه.
ويحوِّلُ السلطةَ إلى مُلكٍ عائليٍّ وراثي.
ويلغي حتّى الصورةَ الظاهريّةَ للاختيارِ والشورى.
ويفرضُ على الأُمّة رجلًا معروفًا بفسقِه وانحرافِه.
ويحاولُ إجبارَ الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه على الاعترافِ بشرعيّةِ هذا التحوُّل.
وبذلك وضع الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه في وثيقةِ المهادنة الأساسَ الذي يجعلُ ولايةَ يزيد باطلةً، حتّى بمقاييسِ الاتفاقِ السياسيِّ الذي قبلَه معاويةُ بنفسِه.
لقد جعل المجتبى صلواتُ اللهِ عليه توريثَ يزيد نقطةَ الانفجارِ التي ستكشفُ أنَّ الحكمَ الأمويَّ لم يعد يحافظُ حتّى على المظاهرِ التي كان يتستَّر بها.
ومن هنا لم يكن رفضُ الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه لبيعةِ يزيد رفضًا لشخصٍ فاسقٍ فحسب، بل كان رفضًا:
لنقضِ عهدِ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه.
ولتحويلِ الخلافة إلى مُلكٍ وراثي.
ولإجبارِ الإمامةِ الإلهيّة على منحِ الشرعيّةِ للحكمِ الأموي.
ولتحويلِ الإسلام إلى غطاءٍ لسلطةِ بني أُميّة.
ولهذا كان شرطُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه المتعلِّقُ بمنعِ التوريث واحدًا من أكثرِ الشروط اتصالًا بعاشوراء بصورةٍ مباشرة.
〰〰〰〰〰
الجهةُ السادسة: تحديدُ الحدِّ الفاصلِ بين الكفِّ والقيام
بعد شهادةِ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه، كتب بعضُ الشيعةِ إلى الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه يدعونه إلى خلعِ معاويةَ والقيامِ عليه.
لكنَّ الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه لم يستجب لهم، وبيَّن أنَّ بينه وبين معاويةَ عهدًا وعقدًا لا يجوز له نقضُه حتّى تنقضيَ مدّتُه.
ثم تذكرُ المصادرُ أنَّه لمّا مات معاويةُ، وانقضت مدّةُ الهدنة التي كانت تمنع الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه من الدعوةِ إلى نفسِه، أظهر أمرَه وبدأت مرحلةُ المواجهةِ العلنيّة.
وهذه النقطةُ من أوضحِ الأدلّة على الترابطِ بين الموقفِ الحَسنيِّ والقيامِ الحُسيني.
فالإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه لم يكن يتحرَّك في مشروعٍ منفصلٍ عن مشروعِ أخيه، بل بقي ملتزمًا بالإطارِ السياسيِّ والزمنيِّ الذي وضعَه الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه إلى أن انتهت مدّتُه.
ومن هنا نستطيعُ القول إنَّ الإمامَ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه وضع الحدَّ الفاصلَ بين مرحلتين:
مرحلةُ الكفِّ ما دام معاويةُ حيًّا والعهدُ قائمًا.
ومرحلةُ القيام حين يموت معاويةُ، ويُنقَض العهد، ويُفرَض يزيدُ على الأُمّة.
فالمجتبى صلواتُ اللهِ عليه لم يحدِّد يومَ عاشوراء بمعناه الحرفي، لكنَّه حدَّد الشرطَ التاريخيَّ والسياسيَّ للانتقالِ من الكفِّ إلى القيام.
وكان هذا الشرطُ هو:
انتهاءُ عهدِ معاوية، ومحاولةُ فرضِ يزيد، وطلبُ البيعةِ له من الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
〰〰〰〰〰
الدليلُ الروائيُّ الأوضح: الحسنُ مرحلةُ الكفِّ والحسينُ مرحلةُ القتال
ورد في تفسير العيّاشي، عن محمّد بن مسلم، عن إمامِنا الباقر صلواتُ اللهِ عليه، قال:
«واللهِ الذي صنعَه الحسنُ بنُ عليٍّ صلواتُ اللهِ عليهما كان خيرًا لهذه الأُمّة ممّا طلعت عليه الشمس. واللهِ لفيه نزلت هذه الآية:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
إنَّما هي طاعةُ الإمام، فطلبوا القتال.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ مع الحسين صلواتُ اللهِ عليه ﴿قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
وقولُه: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ أرادوا تأخيرَ ذلك إلى القائمِ صلواتُ اللهِ عليه».
فهذه الروايةُ تربطُ بين مرحلتين:
﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ مع الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه.
وبين:
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ مع الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
وهذا يعني أنَّ المرحلتين ليستا مشروعين متناقضين:
ليس الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه إمامَ السلم.
وليس الإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه إمامَ الحرب.
وليس القعودُ ضعفًا.
وليس القيامُ اندفاعًا عاطفيًّا.
إنَّما كلاهما إمامٌ مفترضُ الطاعة:
الطاعةُ مع الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه كانت في الكفِّ، حين كان الكفُّ يحفظُ المشروع.
والطاعةُ مع الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه كانت في القتال، حين أصبح الدمُ هو الحُجّةَ الأخيرة.
فالذي يعترضُ على الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه لأنَّه لم يقاتل، قد يكون اعتراضُه نابعًا من رغبتِه هو في القتال، لا من طاعتِه للإمام.
والذي يتخلَّف عن الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه حين يأمرُه بالقتال، قد يكون متمسِّكًا بالحياةِ والدعة، لا بطاعةِ الإمام.
أمّا المؤمنُ الحقيقي، فإنَّه لا يفرضُ على إمامِه القيامَ أو القعود، وإنَّما يطيعُه فيما يختارُه اللهُ له:
«الحسنُ والحسينُ إمامان قاما أو قعدا».
فالقضيّةُ ليست حبَّ الحربِ أو حبَّ السلم، بل طاعةُ الإمامِ في الظرفِ الذي يحدِّده.
〰〰〰〰〰
رسولُ اللهِ وأميرُ المؤمنينَ والزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ اللهِ عليهم: تأسيسُ معنى عاشوراء
كيف نفهمُ القول إنَّ ما قام به رسولُ الله صلى الله عليه وآله، وأميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، ومولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها، يُوضَع في كفّة، وما قام به الإمامُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه يُوضَع في كفّةٍ أخرى؟
لا يصحُّ فهمُ هذه العبارة على أنَّ عملَ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه أعظمُ من عملِهم من جهةِ المقامِ والفضل.
المقصودُ هو المقارنةُ من جهةِ المباشرةِ التاريخيّة.
النبيُّ الأعظمُ صلى الله عليه وآله
رسولُ الله صلى الله عليه وآله:
عرَّف الأُمّةَ بمقامِ الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
وأخبر بمقتلِه.
وأخبر بأرضِ كربلاء.
ودعا مَن يدركُه إلى نصرتِه.
وجعل مظلوميّتَه جزءًا من الوعيِ النبويِّ السابقِ للواقعة.
فالنبيُّ الأعظمُ صلى الله عليه وآله أسَّس المعنى النبويَّ والعقائديَّ لعاشوراء، وكشف للأُمّة أنَّ مقتلَ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه ليس حادثةً سياسيّةً عابرة، بل جريمةٌ تمسُّ رسالةَ الإسلام نفسَها.
أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه
أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه:
واجه الأصلَ السياسيَّ للمشروعِ الأموي.
وكشف حقيقةَ معاويةَ وأهلِ الشام.
وحذَّر من بني أُميّة.
ومرَّ بأرضِ كربلاء، وأخبر عن مصارعِ الشهداء بحسبِ الروايات.
وبيَّن للأُمّة أنَّ المعركةَ مع بني أُميّة ليست نزاعًا شخصيًّا، بل صراعٌ بين مشروعِ الإمامة ومشروعِ الانحراف.
مولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها
مولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها:
كشفت الانحرافَ الذي وقع بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله.
وثبَّتت معيارَ الحقِّ والولاية.
وربطت العدوانَ على أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم بالانقلابِ على المشروعِ الإلهي.
وكشفت أنَّ إبعادَ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه عن مقامِه لن يقفَ عند حدودِ السقيفة، بل ستترتَّب عليه آثارٌ تمتدُّ إلى مستقبلِ الأُمّة كلِّها.
فهؤلاء صلواتُ اللهِ عليهم أسَّسوا معنى عاشوراء وموقعَها في الدين:
مَن هو الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه؟
وما منزلتُه؟
وما أصلُ الانحرافِ الذي سينتهي إلى قتلِه؟
وما حقيقةُ المشروعِ الذي ستواجهُه كربلاء؟
〰〰〰〰〰
الإمامُ الحسنُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه: تأسيسُ المسرحِ التاريخيِّ المباشرِ لعاشوراء
أمّا الإمامُ الحسنُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، فقد تعامل مع العناصرِ المباشرة التي ستتحوَّل بعد سنواتٍ قليلةٍ إلى وقائعِ عاشوراء نفسها:
معاوية.
والدولةَ الأمويّة.
وأهلَ العراق.
وخيانةَ القياداتِ والقبائل.
واستهدافَ شيعةِ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم.
وحفظَ الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه وأهلِ بيتِه.
ومسألةَ توريثِ يزيد.
وانتهاءَ العهدِ بموتِ معاوية.
والانتقالَ من مرحلةِ الكفِّ إلى مرحلةِ القيام.
فالنبيُّ الأعظمُ صلى الله عليه وآله، وأميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، ومولاتُنا الزهراءُ الزاهرةُ صلواتُ ربي عليها، أسَّسوا معنى عاشوراء وموقعَها العقائديَّ والنبوي.
أمّا الإمامُ الحسنُ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه فقد صنع ظرفَها التاريخيَّ والسياسيَّ والاجتماعيَّ المباشر.
ومن هنا جاءت صورةُ الكفّتين:
ليست كفّةَ المقاماتِ والفضائل، وإنَّما كفّةَ البُعدِ والقربِ من التنفيذِ التاريخي.
أولئك صلواتُ اللهِ عليهم عرَّفوا الأُمّةَ بعاشوراء، وكشفوا أصلَها وجذورَها، أمّا المجتبى صلواتُ اللهِ عليه فقد تعامل مع الأشخاصِ والدولةِ والمجتمعِ والعهدِ والتوريثِ الذين ستنشأُ منهم كربلاءُ بصورةٍ مباشرة.
〰〰〰〰〰
الغديرُ وعاشوراء
عاشوراءُ ليست مشروعًا بديلًا عن الغدير، بمعنى أنَّها ألغتْه أو استبدلتْه، وإنَّما هي المشروعُ الذي حفظ حقيقةَ الغدير، وكشف النتائجَ التي انتهت إليها الأُمّة حين غدرت بعهدِه.
فالغديرُ أعلن الإمامةَ الإلهيّة، وبيَّن للأُمّة مَن هو وليُّها وقائدُها بعد رسولِ الله صلى الله عليه وآله.
أمّا عاشوراءُ فكشفت للأُمّة إلى أين يصلُ الأمرُ حين تُرفَض الإمامة، وحين يُبعَد أميرُ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه عن موقعِه، وحين يتحوَّل الحكمُ إلى مُلكٍ أُمويٍّ وراثي.
فالغديرُ هو إعلانُ الحق، وعاشوراءُ هي الحُجّةُ الدمويّةُ على مَن رفض ذلك الحق.
ومن هنا كانت عاشوراءُ امتدادًا للغدير، وحافظةً لمعناه، وكاشفةً لحقيقةِ الغدرِ به.
وكان دورُ الإمامِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه هو وصلَ المرحلةِ بين الغدير وكربلاء:
حفظ خطَّ الإمامة.
وحفظ الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه.
وكشف حقيقةَ الحكمِ الأموي.
ووضع الشروطَ التي سيفضحُها معاوية.
وجعل توريثَ يزيد علامةً على اكتمالِ الانقلاب.
ووضع الحدَّ الفاصلَ بين الكفِّ والقيام.
〰〰〰〰〰
ما الذي صنعه الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه في الأبعادِ المختلفة؟
البُعدُ السياسي
منع إبادةَ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم وشيعتِهم في حربٍ خاسرة.
أبقى حقَّ الإمامة واضحًا.
لم يعترف بشرعيّةِ معاويةَ الدينيّة.
وضع شروطًا كشفت نقضَ الحكمِ الأمويِّ للعهود.
وضع العقبةَ المباشرةَ أمام توريثِ يزيد.
جعل انتهاءَ عهدِ معاوية بدايةً لمرحلةٍ سياسيّةٍ جديدة.
البُعدُ الاجتماعي
حفظ نواةَ الشيعة من الاستئصال.
كشف مقدارَ خيانةِ المجتمعِ الكوفيِّ وتقلُّبِه.
أعطى الأُمّةَ سنواتٍ ترى فيها الحكمَ الأمويَّ بعيدًا عن شعاراتِ الحرب.
جعل جرائمَ معاويةَ تتراكمُ في وعيِ المجتمع.
حفظ الجماعةَ التي ستفهمُ عاشوراءَ وتحملُ رسالتَها.
البُعدُ الثقافيُّ والعقائدي
فرَّق بين الإمامةِ الإلهيّة والحكمِ القائم.
أبقى حقَّ أهلِ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم معلنًا.
واجه سبَّ أميرِ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه والدعايةَ الأمويّة.
علَّم الشيعةَ أنَّ الإمامَ إمامٌ قام أو قعد.
بيَّن أنَّ الطاعةَ لا تكونُ في القتالِ وحده، بل تكونُ في الكفِّ أيضًا حين يأمرُ الإمامُ بالكف.
حفظ الذاكرةَ العقائديّةَ التي ستفهمُ معنى رفضِ الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه لبيعةِ يزيد.
البُعدُ الأخلاقي
نقل أهلَ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم إلى موقعِ الوفاءِ بالعهد.
وكشف بني أُميّةَ في موقعِ الغدرِ ونقضِ المواثيق.
وأظهر أنَّ أهلَ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم لا يقاتلون طلبًا للسلطان.
ومهَّد لفهمِ أنَّ الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه لم يخرج أشرًا ولا بطرًا، وإنَّما خرج لإصلاحِ أُمّةِ جدِّه صلى الله عليه وآله.
〰〰〰〰〰
خلاصةُ الطريقِ من المجتبى إلى عاشوراء
إنَّ القولَ بأنَّ مولانا الإمامَ الحسنَ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه مهَّد لعاشوراء، لا يعني أنَّ كلَّ جزئيّةٍ في حياتِه كانت تحمل عنوانًا مباشرًا اسمُه «الإعداد ليومِ العاشر من المحرّم».
وإنَّما يعني أنَّ أبرزَ مواقفِه السياسيّةِ والتاريخيّة خلال مرحلةِ إمامتِه صنعت الشروطَ التي جعلت عاشوراء:
ممكنةَ الوقوع.
محفوظةَ القربان.
واضحةَ الحُجّة.
مكشوفةَ العدو.
عظيمةَ الأثر.
لقد حفظ الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه الإمامَ الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه، وأهلَ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم، والشيعةَ المخلصين من الإبادة.
ونزع عن معاويةَ شرعيّةَ الإمامة.
ونقل الصراعَ من ميدانِ السيفِ إلى ميدانِ الحُجّة.
ووضع الشروطَ التي حوَّلت جرائمَ معاويةَ إلى نقضٍ موثَّقٍ للعهد.
ووضع العقبةَ أمام توريثِ يزيد.
وحدَّد الحدَّ الفاصلَ بين مرحلةِ الكفِّ ومرحلةِ القيام.
وبذلك كانت:
عاشوراءُ حَسنيّةً في أرضيّتِها، قبل أن تكونَ حُسينيّةً في قُربانِها.
وأقوى عبارةٍ تلخِّص العلاقةَ بين الإمامينِ صلواتُ اللهِ عليهما هي:
الإمامُ الحسنُ صلواتُ اللهِ عليه حفظ القربان، وحفظ الشهود، وكشف طبيعةَ الجلّاد، وكتب الحُجّةَ التي سيفضحُها نقضُ العهد، ووضع الحدَّ الفاصلَ بين الكفِّ والقيام؛ ثم جاء الإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه ليقدِّم القربانَ حين اكتملت الحُجّة، ولم يبقَ للتمهيدِ للمشروعِ المهدويِّ الأعظم إلّا الدم.
#الإمام_الحسن_المجتبى
#الإمام_الحسين
#عاشوراء
#الغدير
#المهادنة
#معز_المؤمنين
#المشروع_الحسيني
#المشروع_المهدوي
#الثقافة_الزهرائية
