هل عُرسُ القاسمِ بنِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه صحيحٌ أم لا؟
٢٣ يوليو ٢٠٢٦
السؤال:
هل واقعةُ عُرسِ مولانا القاسمِ بنِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه في كربلاء صحيحةٌ أم لا؟
الجواب:
قبل أن نُجيبَ عن هذا السؤال، هناك ملاحظاتٌ لا بدّ من ذكرها؛ لأنّنا لا نملك دليلًا قطعيًّا على إثباتِ الواقعة، كما أنّ المنكرين لها لا يملكون دليلًا قطعيًّا على نفيها. وما يمكننا فعله هو جمعُ القرائنِ والملابسات، والتدبّرُ فيها، للوصول إلى تشخيصٍ مناسبٍ بحدود ما وصل إلينا من معلومات.
〰〰〰〰〰
الملاحظةُ الأولى: لا طريقَ حسّيًّا إلى الإمام، ولا ناطقَ رسميًّا عنه، ولا نعلمُ الغيب
ليس لنا طريقٌ حسّيٌّ مباشرٌ إلى إمامِ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه، لكي نذهبَ إليه ونسألَه عن الواقعةِ وملابساتها وظروفها.
كما أنّ إمامَ زمانِنا صلواتُ اللهِ عليه لم يعيّن لنا في الغيبةِ الكبرى شخصًا يكونُ ناطقًا رسميًّا عنه، كما كان السفراءُ الأربعةُ في زمنِ الغيبةِ الصغرى.
ونحن لا نعلمُ الغيب، وفي الأجواءِ الدينيّة لا نعلمُ غيبَ الحقائق؛ ولذلك لا نستطيعُ أن نجزمَ بما لا دليلَ قطعيًّا عليه.
〰〰〰〰〰
الملاحظةُ الثانية: لا المثبتون يملكون دليلًا قطعيًّا، ولا المنكرون
المثبتون لحكايةِ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه لا يملكون دليلًا قطعيًّا على إثباتها، والمنكرون للحكاية لا يملكون دليلًا قطعيًّا على نفيها.
إذا رجعنا إلى كتبِنا القديمة التي كُتبت في زمانِ الأئمّةِ صلواتُ اللهِ عليهم، أو في زمانِ الغيبةِ الصغرى، أو في بداياتِ الغيبةِ الكبرى، من كتبِ الأحاديثِ والرواياتِ والمقاتلِ والسِّيَر، فإنّنا لا نجدُ فيها ذكرًا لهذه الواقعة.
ولكن يجب أن نعرفَ أنّ ليس كلُّ الكتب قد وصلت إلينا؛ فكثيرٌ من الكتب، وكثيرٌ من الرواياتِ والأحاديثِ والمعلوماتِ التاريخيّة، قد ضاع ولم يصل إلى أيدينا.
ولهذا فإنّ عدمَ وجودِ الحكايةِ في كتبِنا القديمة ليس دليلًا قطعيًّا على عدمِ حدوثها.
ولو كنّا متيقّنين من أنّ كلَّ ما كُتب في زمانِ الأئمّةِ صلواتُ اللهِ عليهم، وفي الغيبةِ الصغرى والكبرى، قد وصل إلينا، ثم لم نجد الحكاية، لأمكننا أن نقولَ إنّها لم تحدث؛ ولكنّ هذا ليس هو الواقع.
〰〰〰〰〰
الملاحظةُ الثالثة: ماذا نصنعُ في غيابِ الأدلّةِ القطعيّة؟
إذا لم تكن هناك دلائلُ قطعيّةٌ في إثباتِ الحكاية، ولا دلائلُ قطعيّةٌ في نفيها، فكيف نُشخّصُ موقفَنا منها؟
نذهبُ إلى القرائنِ والملابسات المحيطةِ بها، ونجمعُها، ونتدبّرُ فيها، ونمحّصُها، حتّى نصلَ إلى تشخيصٍ مناسب.
فالقرينةُ الواحدةُ لا تشكّلُ دليلًا قاطعًا، ولكن باجتماعِ القرائنِ والظروفِ المحيطةِ بها يمكن أن نصلَ إلى نتيجةٍ واضحة، قد يقبلُها البعضُ وقد يرفضُها البعضُ الآخر، وهذا راجعٌ إلى قناعاتِ الناس.
وفي واقعةِ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه توجدُ قرائنُ إيجابيّةٌ وسلبيّة:
القرائنُ الإيجابيّةُ تثبتُ أمرًا يكون عاملَ تأكيدٍ على إمكان وقوعِ الحادثة.
والقرائنُ السلبيّةُ تنفي مانعًا، فيكونُ نفيُ ذلك المانعِ معينًا على إثباتِ إمكانِ الواقعة.
〰〰〰〰〰
القرينةُ الأولى: عدمُ المانع
لا مانعَ عقليًّا
ليس هناك مانعٌ عقليٌّ يمنعُ وقوعَ الحادثة.
ومراسمُ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه، بحسبِ الحكاية، ليست عرسًا تقليديًّا حقيقيًّا بالمعنى المتعارف، وإنّما هي زواجٌ رمزيٌّ له دلالتُه في مشروعِ كربلاء.
لا مانعَ شرعيًّا
ليس هناك مانعٌ شرعيٌّ يمنعُ وقوعَ الزواجِ في كربلاء، ولا يوجدُ في الشرعِ ما يمنعُ أصلَ العقدِ أو الزواجِ في تلك الظروف.
لا مانعَ عمليًّا
ليس هناك مانعٌ عمليٌّ يمنعُ وقوعَ الأمر:
فالقاسمُ صلواتُ اللهِ عليه كان موجودًا في اليومِ العاشرِ في كربلاء.
وسيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه كان معه أهلُه وبناتُه.
وقد صحب عائلتَه ونساءَه وبناتِه إلى كربلاء.
وعدمُ المانعِ أمرٌ مهمٌّ جدًّا، خصوصًا حين لا نملكُ دليلًا قطعيًّا على الإثباتِ أو النفي؛ فهو قرينةٌ قويّةٌ في توضيحِ الصورة.
〰〰〰〰〰
القرينةُ الثانية: لا نملكُ قاعدةَ معلوماتٍ كاملةً عن كربلاء
نحن لا نملكُ معلوماتٍ كاملةً عن مشروعِ كربلاء، ولا عن كلِّ ما وقع قبل كربلاء وأثناءها وبعدها؛ وإنّما نملكُ معلوماتٍ مجتزأة.
وعلى هذا الأساس يُقال للمنكرين للواقعة:
على أيِّ أساسٍ تنكرونها، مع عدمِ وجودِ دليلٍ قطعيٍّ على نفيها، ومع عدمِ امتلاكِكم المعلوماتِ الكاملة؟
فليس كلُّ ما جرى في كربلاء قد وصل إلينا، وهناك أحداثٌ وردت في زيارةِ الناحيةِ المقدّسة لم تُذكر في كتبِ المقاتلِ والسِّيَر.
〰〰〰〰〰
الخيولُ داست جسدَ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه قبل شهادتِه
ورد في زيارةِ الناحيةِ المقدّسة:
«حتّى نكسوكَ عن جوادِك، فهويتَ إلى الأرضِ جريحًا، تطؤُك الخيولُ بحوافرِها، أو تعلوكَ الطغاةُ ببواترِها».
فهذه العبارةُ تشيرُ إلى أنّ الخيولَ قد داست جسدَ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه وهو جريحٌ قبل شهادتِه، وهذه التفصيلة لم تذكرها كتبُ المقاتلِ والسِّيَر على هذا النحو.
〰〰〰〰〰
سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه تعرّض للنحرِ والذبح
تتحدّث كتبُ السِّيَر والمقاتلِ عن ذبحِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، وقد تستعملُ النحرَ بمعنى الذبح، ولكنّ زيارةَ الناحيةِ تُفرّقُ بينهما.
فنقرأ:
«السلامُ على المنحورِ في الورى».
ثم نقرأ:
«السلامُ على المقطوعِ الوتين».
والوتينُ هو الشريانُ الأكبر، وقطعُه يكونُ في عمليّةِ الذبحِ عند الحلق.
أمّا النحرُ فهو الطعنُ في الموضعِ الواقع بين نهايةِ الرقبةِ وبدايةِ الصدر.
وبذلك يكونُ سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه قد تعرّضَ للنحرِ أوّلًا، ثم للذبحِ ثانيًا، وهي من التفاصيلِ التي لم تفصّلها كتبُ المقاتل كما فصّلتها الزيارة.
〰〰〰〰〰
الطوافُ بسبايا آلِ محمّدٍ صلواتُ اللهِ عليهم في الأسواق
وتعرضُ زيارةُ الناحيةِ صورةً أخرى لم تتعرّض لها كتبُ المقاتلِ والسِّيَر بالتفصيل:
«وسُبيَ أهلُكَ كالعبيد، وصُفّدوا في الحديد، فوقَ أقتابِ المطيّات، تلفحُ وجوهَهم حرُّ الهاجرات، يُساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولةٌ إلى الأعناق، يُطافُ بهم في الأسواق».
والمرادُ بالأسواق لا يقتصرُ على الأسواقِ داخلَ المدن، كسوقِ الكوفةِ مثلًا؛ بل كانت هناك أسواقٌ ومهرجاناتٌ تُقامُ عند المناهلِ والمناقلِ خارجَ المدن، حيثُ تلتقي القوافلُ التجاريّة، ويجتمعُ الناسُ من مختلفِ القبائلِ والقرى والمدن.
وقد تعمّد الأمويّون أخذَ السبايا إلى هذه الأماكن، ولو لم تكن على الطريق:
لينشروا خبرَ ما صنعوه.
وليُهينوا العترةَ الطاهرةَ صلواتُ اللهِ عليهم.
وليُخيفوا الناس.
وليقولوا لهم: هذه عترةُ محمّدٍ صلى الله عليه وآله، وقد فعلنا بها ما فعلنا، فإيّاكم أن تعارضونا.
وقد أشارت مولاتُنا العقيلةُ زينبُ صلواتُ ربي عليها إلى ذلك في خطابِها ليزيد:
«أمِن العدلِ يا ابنَ الطلقاءِ تخديرُكَ حرائرَكَ وإماءَكَ، وسوقُكَ بناتِ رسولِ الله، قد هُتكت ستورُهنّ، وأُبديت وجوهُهنّ، تحدو بهنّ الأعداءُ من بلدٍ إلى بلد، ويستشرفُهنّ أهلُ المناهلِ والمناقل؟»
فهذه الأمثلةُ تؤكّدُ أنّ هناك كثيرًا من تفاصيلِ كربلاء لم تصل إلينا في كتبِ المقاتلِ والسِّيَر.
وعليه، لا يصحُّ أن نجعلَ عدمَ ذكرِ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه في الكتبِ القديمة دليلًا قطعيًّا على نفيِه.
〰〰〰〰〰
كيف يُقامُ عرسٌ في يومِ الحربِ والقتالِ والجزع؟
قد يقول قائل:
في أيِّ حالٍ كانوا حتّى يقيموا عرسًا للقاسم؟ أليس اليومُ يومَ حربٍ وقتالٍ وجزع؟
هذا الكلامُ صحيحٌ إذا كان الحديثُ عن عرسٍ تقليديٍّ في الظروفِ الاعتياديّة.
وما يقومُ به بعضُ الشيعةِ من احتفالٍ في الليلةِ الثامنةِ هو اقتراحٌ منهم وتنظيمٌ خاصٌّ بهم، وليس هو بالضرورةِ الصورةَ التي وقعت في كربلاء.
أمّا ما وقع في كربلاء، بحسبِ الحكاية، فكان زواجًا رمزيًّا له دلالتُه في مشروعِ الله، وفي مشروعِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه.
وهناك أمرانِ واضحانِ في مشروعِ كربلاء:
1. تجييش العواطف وربط القلوب بالحسين صلواتُ اللهِ عليه.
2. ترسيخ المظلومية وتأكيدها في الوجدان الإنساني.
〰〰〰〰〰
تجييشُ العواطفِ في مشروعِ كربلاء
سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه لم يجيّش العواطفَ في سنةِ إحدى وستين للهجرة فقط، وإنّما يمتدُّ هذا التجييشُ عبر القرون.
فعواطفُ الناسِ شتّى:
هناك مَن يتأثّرُ بمظلوميّةِ الأطفال.
وهناك مَن يتأثّرُ بمظلوميّةِ النساء.
وهناك مَن يتأثّرُ بمظلوميّةِ الشباب؛ ذلك الشابِّ الذي هو أجملُ من القمر، ولم يرتكب ذنبًا، وإنّما خرج للدفاعِ عن أهلِه وعمِّه وإمامِه.
وهناك مَن يتأثّرُ بمن تابَ من الطريقِ الظالم، وكيف قابلَه سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه بالقبول.
بل إنّ الإنسانَ نفسَه قد يتأثّرُ بصورةٍ مختلفةٍ من كربلاء في كلِّ مرحلةٍ من مراحلِ عمرِه؛ حين يكونُ طفلًا، أو شابًّا، أو زوجًا، أو أبًا، أو جدًّا له أحفاد.
وهذا هو السرُّ الذي يكمنُ في مشروعِ كربلاء؛ فليس الشيعةُ وحدَهم مَن ينجذبون إلى الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، بل كلُّ مَن يمرُّ على كربلاء يجدُ صورةً من صورها تخاطبُ عقلَه وقلبَه ووجدانَه.
〰〰〰〰〰
سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه كان يتابعُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرة
لا توجدُ تفصيلةٌ في كربلاء وقعت عبثًا؛ فقد كان سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه يتابعُ كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ في مشروعِه الأعظم.
ومن ذلك ما جرى مع محمّدِ بنِ بشيرٍ الحضرمي، حين وصلَه خبرُ أسرِ ابنِه، في الوقتِ الذي قال فيه الإمامُ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه لأصحابِه:
«أنتم في حلٍّ من بيعتي، تفرّقوا عنّي؛ فإنّ القومَ لا يريدون إلّا قتلي».
فقال محمّدُ بنُ بشير:
«عندَ اللهِ أحتسبُه، ونفسي ما كنتُ أُحبُّ أن يُؤسرَ وأنا أبقى بعدَه».
فقال له سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه:
«رحمكَ الله، أنتَ في حلٍّ من بيعتي، فاعمل في فكاكِ ابنِك».
فقال:
«أكلتني السباعُ حيًّا إن فارقتُك».
فأعطاه الإمامُ خمسةَ أثوابٍ برود، قيمتُها ألفُ دينار، ليستعينَ بها في فداءِ ابنِه.
فهذه الحادثةُ تُظهرُ أنّ الإمامَ صلواتُ اللهِ عليه كان يتابعُ أسرَ ولدٍ من أولادِ أصحابِه، ويهيّئُ المالَ لفدائِه، ويأذنُ لوالدِه أو أخيه بالانصرافِ من كربلاءِ لإنقاذِه.
〰〰〰〰〰
رفضَ التبّانَ لأنّه من ثيابِ الذلّة
كان سيّدُ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه يراعي حتّى ثيابَه وكيف سيظهرُ أمامَ أعدائِه.
وفي اللحظاتِ الأخيرة طلب ثوبًا عتيقًا يلبسُه تحتَ ثيابِه، حتّى لا يطمعَ الأعداءُ فيه بعدَ شهادتِه.
فجاءوه بتُبّان، فرفضَه؛ لأنّه من ثيابِ الذلّة.
والتُبّانُ هو ما يُشبهُ في زمانِنا السروالَ القصير، وهو لباسٌ إذا انفرد على بدنِ الرجل أظهرَه في هيئةِ المستذلِّ المسلوب، لا في هيئةِ الرجلِ الكريمِ الموقّر.
فطلب ثوبًا عتيقًا قديمًا، وخرقَه تحتَ ثيابِه الفاخرةِ الجميلةِ الغاليةِ الثمن، حتّى لا يطمعَ فيه الأعداء.
فإذا كان صلواتُ اللهِ عليه يراعي هذه التفاصيل، حتّى كيف ينظرُ إليه أعداؤه، فلا يُستبعدُ أن يكونَ في أمرِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه تفصيلٌ رمزيٌّ مقصود.
〰〰〰〰〰
هل كان لسيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه بنتٌ مناسبةٌ للزواج؟
تقولُ الحكاية:
«زوّجه الحسينُ البنتَ التي كانت مسمّاةً له».
وهذا شأنٌ أُسريٌّ لسيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه؛ فقد يكونُ قد سمّى بنتًا من بناتِه للزواجِ من القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه.
ويقولُ بعضُ المنكرين: إنّه لم تكن لسيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه بنتٌ عمرُها مناسبٌ للزواج.
ولكنّنا في الأصل لا نعرفُ على وجهِ الدقّة كم بنتًا كان لسيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، ولم تصل إلينا جميعُ المعطيات.
ولهذا لا يكونُ إنكارُ الواقعةِ على أساسِ عددِ بناتِ الإمامِ أو أعمارِهنّ إنكارًا قائمًا على دليلٍ قطعي؛ لأنّ المعطياتِ التاريخيّةَ نفسَها ناقصة.
〰〰〰〰〰
مصادرُ حكايةِ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه
وردت الحكايةُ في عددٍ من الكتب، منها:
إكسيرُ العباداتِ في أسرارِ الشهادات
للأغا الدربندي، المتوفّى سنة 1285هـ، وهو من علماءِ الشيعةِ المعروفين، وقد ذكر حكايةَ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه، ونقلها من كتبٍ كُتبت قبلَه.
مدينةُ المعاجز
للمحدّث هاشم البحراني، صاحبِ تفسيرِ البرهان، المتوفّى سنة 1107هـ، وقد نقل الحكايةَ من المصدرِ نفسِه الذي نقل عنه الأغا الدربندي، وهو كتابُ المنتخب.
المنتخب
لفخرِ الدينِ الطريحي، المتوفّى سنة 1085هـ، وقد ذكر الحكاية، لكنّه لم يذكر اسمَ المصدرِ الذي نقلها منه.
روضةُ الشهداء
للمُلّا حسينِ الكاشفي، المتوفّى سنة 910هـ، وهو كتابٌ كُتب أصلًا باللغةِ الفارسيّة.
ولم يُشِر الكاشفيُّ أيضًا إلى اسمِ المصدرِ الذي نقل منه الحكاية، ولكنّها كانت موجودةً في مصادرَ تحتَ يدِه، ومنها نقلها.
وبيننا وبين الكاشفي أكثرُ من خمسمائةِ سنة، فالحكايةُ ليست حديثةً، وإنّما هي حكايةٌ قديمة، وإن لم يصل إلينا سندُها الأوّل.
〰〰〰〰〰
حكايةُ العُوذةِ وطلبِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه للبراز
جاء في المنتخب للطريحي أنّ القاسمَ بنَ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه، لمّا قُتل أصحابُ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه، ووقعت النوبةُ على أولادِ أخيه، جاء إلى عمِّه الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه وقال:
يا عمّ، الإجازةَ لأمضيَ إلى هؤلاءِ الكفرة.
فقال له الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه:
يا ابنَ الأخ، أنتَ من أخي علامة، وأريدُ أن تبقى لأتسلّى بك.
فلم يُعطِه الإجازةَ للبراز.
فجلس القاسمُ صلواتُ اللهِ عليه مهمومًا مغمومًا، باكيَ العينِ حزينَ القلب، وقد أُجيزَ إخوتُه للبراز واستُشهدوا، وهو لم يُؤذن له.
ثم تذكّر أنّ أباه الإمامَ الحسنَ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه قد ربط له عُوذةً في كتفِه الأيمن، وقال له:
إذا أصابكَ ألمٌ وهمٌّ، فعليكَ بحلِّ العُوذةِ وقراءتِها وفهمِ معناها، واعملْ بكلِّ ما تراه مكتوبًا فيها.
فقال القاسمُ في نفسِه: مضت سنونٌ ولم يُصبني مثلُ هذا الألم.
فحلَّ العُوذةَ ونظرَ إلى كتابتِها، وإذا فيها وصيّةٌ له بألّا يتركَ عمَّه الحسينَ صلواتُ اللهِ عليه في كربلاء، إذا أحاطت به الأعداء، وألّا يبخلَ عليه بروحِه.
لكن يجبُ الالتفاتُ إلى أنّ التعابيرَ المنقولةَ في وصيّةِ العُوذة هي أقربُ إلى تعابيرِ المؤلّف، وليست بلحنِ الأئمّةِ المعصومين صلواتُ اللهِ عليهم.
وهناك احتمالاتٌ في طريقِ نقلِها:
ربّما ترجمها الطريحي عن روضة الشهداء.
وربّما نقلها عن مصدرٍ عربيٍّ آخر.
وربّما نقل الكاشفيُّ أصلَها من مصدرٍ عربيٍّ وترجمها إلى الفارسيّة.
وربّما كانت الحكايةُ قد حُكيت للطريحي، فصاغها بتعبيرِه وأسلوبِه.
ولهذا يجبُ التفريقُ بين أصلِ الحكاية وبين الألفاظِ والتعابيرِ التي صاغها الناقلون.
〰〰〰〰〰
الوصيّةُ الأخرى والزواجُ الرمزي
قام القاسمُ صلواتُ اللهِ عليه من ساعتِه، وأتى إلى الإمامِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، وعرض عليه ما كُتب في العُوذة.
فلمّا قرأ الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه العُوذةَ بكى بكاءً شديدًا، ونادى بالويلِ والثبور، وتنفّس الصعداء، وقال:
يا ابنَ الأخ، هذه الوصيّةُ لك من أبيكَ، وعندي وصيّةٌ أخرى منه لك، ولا بدّ من إنفاذِها.
فأمسك الحسينُ صلواتُ اللهِ عليه بيدِ القاسمِ وأدخلَه الخيمة، وطلب عونًا والعبّاسَ صلواتُ اللهِ عليهما.
ثم سأل أمَّ القاسم:
أليس للقاسمِ ثيابٌ جُدد؟
فقالت: لا.
فقال لأختِه مولاتِنا زينب صلواتُ ربي عليها:
ائتيني بالصندوق.
فأتته به، فوُضع بين يدي الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه، ففتحَه، وأخرج منه قباءَ الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، وألبسَه القاسم، ولفَّ على رأسِه عمامةَ الإمامِ الحسنِ صلواتُ اللهِ عليه.
ثم أمسكَ بيدِ ابنتِه التي كانت مسمّاةً للقاسم ـ ولم يُذكر اسمُها ـ فعقد له عليها، وأفرد له خيمةً، وأخذ بيدِ البنت ووضعها بيدِ القاسم، وخرج عنهما.
〰〰〰〰〰
عُرسُنا أخّرناه إلى الآخرة
عاد القاسمُ صلواتُ اللهِ عليه ينظرُ إلى ابنةِ عمِّه ويبكي، إلى أن سمعَ الأعداءَ يقولون:
هل من مبارز؟
فترك يدَ زوجتِه وأراد الخروج.
فقالت له:
ما الذي يخطرُ ببالِك؟ وما الذي تريدُ أن تفعلَه؟
فقال:
أريدُ ملاقاةَ الأعداء؛ فإنّهم يطلبون البراز، وأنا أريدُ ملاقاتَهم.
فتعلّقت ابنةُ عمِّه بأذيالِ قبائِه، فقال لها:
خلّي ذيلي؛ فإنّ عُرسَنا أخّرناه إلى الآخرة.
فصاحت وناحت، ودموعُها جاريةٌ على خدّيها، وقالت:
يا قاسم، أنتَ تقولُ إنّ عرسَنا أخّرناه إلى الآخرة، وفي القيامةِ بأيِّ شيءٍ أعرفُك، وفي أيِّ مكانٍ أراك؟
وفي روضة الشهداء زيادةٌ في الكلام، من أنّها ستجدُه عند أبيه وجدِّه.
ثم قطعَ القاسمُ صلواتُ اللهِ عليه رِدنًا من ردنِ ثوبِه، وقال لها:
يا ابنةَ العم، اعرفيني بهذه الردنِ المقطوعة.
فانفجع أهلُ البيتِ صلواتُ اللهِ عليهم بالبكاء، وبكوا بكاءً شديدًا، ونادوا بالويلِ والثبور.
وبهذا تنتهي الحكايةُ كما جاءت في المنتخب، ونقلها هاشمُ البحراني في مدينة المعاجز، والأغا الدربندي في إكسير العبادات، وهي موجودةٌ أيضًا في روضة الشهداء باللغةِ الفارسيّة، مع اختلافٍ قليلٍ في آخرِ الحكاية.
〰〰〰〰〰
عُوذةُ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه من رموزِ كربلاء
في دينِنا كثيرٌ من الرموز:
الكعبةُ ترمزُ إلى البيتِ المعمورِ في السماءِ الرابعة.
والبيتُ المعمورُ يرمزُ إلى العرش.
والعرشُ يرمزُ إلى الحقيقةِ المحمّديّةِ العظمى.
وعُوذةُ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه تذكّرنا بقميصِ يوسفَ عليه السلام، الذي أُلقيَ على وجهِ أبيه يعقوبَ عليه السلام فارتدَّ بصيرًا.
وكان ذلك القميصُ هو قميصَ إبراهيمَ عليه السلام، الذي جاء به جبرئيلُ من الجنّة، فألبسَه إبراهيمَ فلم يضرَّه حرٌّ ولا برد.
فلمّا حضر إبراهيمَ عليه السلام الموت، جعل القميصَ تميمةً وعلّقها في عضدِ إسحاق، ثم علّقها إسحاقُ في عضدِ يعقوب، ثم علّقها يعقوبُ في عضدِ يوسف، وكان ما كان من أمرِ يوسفَ عليه السلام.
فهذه رموز، وعُوذةُ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه تشيرُ إلى مولانا الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، الذي كان حاضرًا في كربلاء بهذا الرمز، وهو الذي كانت له المنزلةُ الكبرى في التمهيدِ لكربلاءِ سيّدِ الشهداءِ صلواتُ اللهِ عليه.
〰〰〰〰〰
القاسمُ صلواتُ اللهِ عليه رمزُ الإمامِ الحسنِ المجتبى في كربلاء
استُشهد عددٌ من أولادِ الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه في كربلاء، ولكنّ الإمامَ الحسنَ صلواتُ اللهِ عليه اختار القاسمَ ـ بحسبِ هذه القراءةِ الرمزيّة ـ ليكونَ رمزًا له.
ولهذا كانت لمولانا القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه هذه الخصوصيّة، ومن هنا خُصَّ في زيارةِ الناحيةِ المقدّسة بزيارةٍ مفصّلةٍ قياسًا ببقيّةِ إخوتِه.
فقد جاء:
«السلامُ على أبي بكرِ بنِ الحسنِ الزكيِّ الولي، المرميِّ بالسهمِ الردي، لعن اللهُ قاتلَه عبدَ الله بنَ عقبةَ الغنوي».
وجاء:
«السلامُ على عبدِ الله بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ الزكي، لعن اللهُ قاتلَه وراميَه حرملةَ بنَ كاهلٍ الأسدي».
ثم جاء في القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه بيانٌ مفصّل:
«السلامُ على القاسمِ بنِ الحسنِ بنِ عليّ، المضروبِ هامتُه، المسلوبِ لامتُه، حين نادى الحسينَ عمَّه، فجلى عليه عمُّه كالصقر، وهو يفحصُ برجله التراب، والحسينُ يقول: بُعدًا لقومٍ قتلوك، ومَن خصمُهم يومَ القيامةِ جدُّك وأبوك.
ثم قال: عزَّ واللهِ على عمِّك أن تدعوَه فلا يجيبُك، أو يجيبَك وأنت قتيلٌ جديلٌ فلا ينفعُك. هذا واللهِ يومٌ كثر واترُه، وقلَّ ناصرُه. جعلني اللهُ معكما يومَ جمعِكما، وبوّأني مبوّأكما، ولعن اللهُ قاتلَك عمروَ بنَ سعدِ بنِ نفيلٍ الأزدي، وأصلاه جحيمًا، وأعدَّ له عذابًا أليمًا».
وهذه الزيارةُ المفصّلةُ للقاسمِ صلواتُ اللهِ عليه تنسجمُ مع خصوصيّتِه، ومع كونه رمزًا لمولانا الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه في كربلاء.
〰〰〰〰〰
الخلاصة
لا نملكُ دليلًا قطعيًّا على إثباتِ واقعةِ عُرسِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه، كما أنّ المنكرين لا يملكون دليلًا قطعيًّا على نفيِها.
ولكن بين أيدينا جملةٌ من القرائن:
لا يوجدُ مانعٌ عقليٌّ أو شرعيٌّ أو عمليّ.
لا نملكُ معلوماتٍ كاملةً عن أحداثِ كربلاء.
هناك كثيرٌ من التفاصيلِ لم تُذكر في المقاتلِ والسِّيَر، ووصلت إلينا من الزياراتِ وغيرها.
الحكايةُ قديمةٌ، وليست من اختراعاتِ العصورِ القريبة.
وردت في روضة الشهداء والمنتخب ومدينة المعاجز وإكسير العبادات.
أصلُ الحكايةِ شيء، وصياغةُ المؤلّفينَ وتعابيرُهم شيءٌ آخر.
الزواجُ المذكورُ ليس عرسًا تقليديًّا، وإنّما هو حكايةٌ رمزيّةٌ من رموزِ كربلاء.
وعُوذةُ القاسمِ ولباسُه قباءَ أبيه وعمامتَه تشيرُ إلى حضورِ الإمامِ الحسنِ المجتبى صلواتُ اللهِ عليه في كربلاء عبرَ القاسم.
وعليه، فلا يصحُّ الجزمُ القطعيُّ بنفيِ الواقعة، كما لا يصحُّ الادّعاءُ بأنّها ثابتةٌ بدليلٍ قطعي.
وإنّما يمكنُ القول:
واقعةُ زواجِ القاسمِ صلواتُ اللهِ عليه حكايةٌ رمزيّةٌ قديمةٌ من رموزِ وأسرارِ كربلاء، تحيطُ بها قرائنُ وملابساتٌ تستحقُّ التدبّر، ولا يملكُ المثبتون ولا المنكرون دليلًا قطعيًّا يحسمُها.
#عرس_القاسم
#القاسم_بن_الحسن
#الإمام_الحسن_المجتبى
#الإمام_الحسين
#أسرار_كربلاء
#رموز_كربلاء
#زيارة_الناحية
#الثقافة_الزهرائية
_____________________________________________
*مستوحاة من برنامج “ويسألونك عن الطفوف وأسرارها” حلقة 35 و 36
