العودة للبحوثات

هل كان الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه مِطلاقًا؟

الثقافة الزهرائيةالإمام الحسنأحاديث معرفية

٢٦ يوليو ٢٠٢٦

هل كان الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه مِطلاقًا؟

قراءةٌ في الروايات على ضوء القرآن ومحكم حديث العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم

تتكرّر الأسئلة حول بعض الروايات الواردة في كتاب الكافي الشريف، والتي يظهر منها أنَّ مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه نهى أهل الكوفة عن تزويج الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، وعلّل ذلك بأنَّه رجلٌ مِطلاق.

ولا تقف خطورة هذه الروايات عند الحديث عن كثرة الطلاق فحسب، بل تمتدّ إلى الصورة التي ترسمها عن إمامٍ معصوم، وإلى ما تنسبه إلى مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه من تحذير الناس من تزويج ولده ووصيّه والإمام من بعده.

ومن هنا لا يمكن التعامل مع هذه الروايات بمعزلٍ عن القواعد التي وضعها أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم لتمييز الحديث، وفي مقدّمتها عرض مضمونه على كتاب الله، وعلى الثابت والمحكم من حديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم.

〰〰〰〰〰

الروايتان موضع البحث

ورد في الكافي الشريف، في الجزء السادس، في الباب الأربعين المعنون بـ«باب تطليق المرأة غير الموافقة»:

عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: إنَّ عليّاً قال وهو على المنبر: لا تُزوّجوا الحَسَن فإنّهُ رجلٌ مِطلاق، فقام رجلٌ مِن همدان فقال: بلى والله لنُزوّجنّه وهو ابن رسول الله وابن أمير المؤمنين "عليه السلام" فإنْ شاء أمسك وإنْ شاء طلَّق .

وورد أيضًا:

عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: إنَّ الحسن بن علي "عليهما السلام" طلَّق خمسينَ امرأة، فقام عليٌّ بالكوفة فقال: يا معاشر أهل الكوفة لا تنكحوا الحَسَن فإنّهُ رجلٌ مِطلاق، فقام إليه رجلٌ فقال: بلى والله لنُنْكِحنَّه فإنّهُ ابن رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وآله" وابنُ فاطمة فإنْ أعجبتْهُ أمسك وإنْ كرهَ طلّق .

يظهر من هاتين الروايتين أنَّ مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه ارتقى المنبر ليحذّر الناس من تزويج الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه؛ لأنَّه كان كثير الطلاق، بل تضيف الرواية الثانية أنَّه طلّق خمسين امرأة.

وهذا المضمون يثير تساؤلات عقائدية واضحة؛ لأنَّه يصوّر تصرّف الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بصورة لا تتناسب مع مقام العصمة والإمامة، كما يصوّر مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه وكأنَّه يحذّر الناس من فعلٍ يصدر من الإمام الذي نصّبه الله حجّةً ووصيًّا.

ولذلك لا بدّ من العودة إلى القواعد التي علّمتنا إيّاها العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم في التعامل مع الأحاديث.

〰〰〰〰〰

ليس كلُّ ما ورد في كتابٍ حديثيٍّ موافقًا لمراد إمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه

كتاب الكافي من أشرف كتب الحديث، وهو يشتمل على آلاف الأحاديث المنقولة عن العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم، كما يشتمل على القواعد التي تضبط كيفية التعامل مع الروايات.

لكن لا يوجد بين أيدينا كتابٌ من كتب الحديث يمكن القول إنَّ جميع ألفاظه ومضامينه تتفق مع مراد إمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه بنسبة مئة في المئة.

فقد يقع النقص أو الاختلاف في المصادر التي نُقلت عنها الروايات، أو في عمليات النقل والنسخ والطباعة، كما قد يقع التصحيف أو التحريف، سواء أكان متعمّدًا أم غير متعمّد. وقد تُنقل الرواية بنصّها، وقد تُنقل بالمعنى، والناقلون يختلفون في الفهم والقدرة على التعبير ونقل المعنى إلى المتلقّي.

ولهذا لا يكون مجرّد وجود الرواية في كتابٍ حديثي كافيًا للتسليم بمضمونها، بل لا بدّ من عرضها على القواعد التي وضعها أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم.

〰〰〰〰〰

الميزان هو كتاب الله ومحكم حديث العترة

ورد في الكافي الشريف، في باب الأخذ بالسُنّة وشواهد الكتاب:

حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد الله "عليه السلام" عن اختلاف الحديث يرويهِ مَن نثقُ به ومنهم مَن لا نثقُ به؟ قال: إذا وردَ عليكم حديثٌ فوجدتم لهُ شاهداً مِن كتاب اللهِ أو مِن قول رسول الله وإلّا فالذي جاءكم به أولى به .

فالميزان الذي تشير إليه الرواية هو مضمون الحديث، ومدى وجود شاهدٍ له من كتاب الله أو من قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وحديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هو حديث العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم.

وعلى هذا الأساس وردت القاعدة:

ما وافقَ كتاب الله فخُذوه، وما خالف كتاب الله فهو زُخرف – أي لا قيمة له

وبناءً على هذه القاعدة، يجب عرض الروايتين المتعلقتين بالإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه على كتاب الله وعلى محكم حديث العترة، لمعرفة مدى انسجام مضمونهما مع الثقافة العقائدية التي جاء بها القرآن وأهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم.

〰〰〰〰〰

هل البُغض يعني اللعن؟

كان منشأ هذه المناقشة ما طرحه السيد كمال الحيدري في الحلقة العاشرة من برنامج «من فكر السيد الحيدري»، المعروض على قناة الفيض الفضائية؛ إذ كان في صدد الاعتراض منهج المدرسة الاخباريى وعلى بعض أحاديث الكافي الشريف وتضعيفها، فذكر أنَّه يستطيع أن يورد من روايات الكافي ما يؤدّي إلى القول بأنَّ مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه قد لعن الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه.

منشأ الخطأ في استنتاجه كان فهمه أنَّ قول الرواية: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُبغضُ كُلَّ مِطلاقٍ ذَوَّاق»  يعني اللعن! ثم تطبيق هذا المعنى على الرواية التي وصفت الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بأنَّه «رجلٌ مِطلاق».

وقد اقترن هذا الفهم بأسلوبٍ غير مناسب في الحديث عن مقام إمامنا المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، اشتمل على عبارات لا تنسجم مع الأدب الواجب في الحديث عن حجج الله وأئمة الهدى صلواتُ اللهِ عليهم.

ومن هنا لا تتناول المناقشة اعتقاد السيد الحيدري بصحة الرواية، وإنَّما تتناول خطأ الانتقال من معنى البُغض إلى معنى اللعن، وما ترتّب على ذلك من نتيجةٍ تمسّ مقام الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه.

ويرتبط الحديث عن وصف «المِطلاق» بروايات أخرى وردت في باب الطلاق، ومنها:

عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: سمعتُ أبي "عليه السلام" يقول: إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُبغضُ كُلَّ مِطلاقٍ ذَوَّاق .

وجاء النص الكامل لهذا المعنى في رواية أخرى:

عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: ما مِن شيء ممّا أحلّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ أبغضُ إليهِ مِن الطلاق، وإنَّ الله يُبغضُ المِطلاق الذوّاق .

الحديث يتناول بُغض الطلاق وبُغض المِطلاق الذوّاق، ولا يشتمل على ذكر اللعن.

فالطلاق حلٌّ شرعي شرّعه الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ كثيرًا من المشكلات الأسرية لا تجد طريقها إلى الحل إلّا به. وقد يكون الطلاق أبغض الحلول إلى الله، لكنَّ كونه مبغوضًا لا يجعله فعلًا موجبًا للّعن.

وقد ورد حديث آخر:

مرَّ رسولُ الله "صلّى اللهُ عليه وآله" برجل، فقال: ما فَعلتْ امرأتكَ؟ قَال: طلَّقتُها يا رسولَ الله، قال: مِن غير سُوء؟ قال: مِن غير سُوء. ثمَّ إنَّ الرجل تزوج، فمرَّ به النبيَّ، فقال: تزوجت؟ قال: نعم، ثمَّ مرَّ به، فقال: ما فعلتْ امرأتك؟ قال: طلّقتُها، قال: مِن غير سوء؟ قال: مِن غير سُوء. ثمّ إنّ الرجل تزوّج فمرَّ به النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله” فقال : تزوّجت؟ فقال: نعم ، ثُمَّ قال لهُ بعد ذلك: ما فعلتْ امرأتك؟ قال : طلّقتُها، قال: مِن غير سوء؟ قال: مِن غير سُوء، فقال رسول الله: إنّ الله عزَّ وجلَّ يُبغِضُ أو يلعن كُلَّ ذوَّاقٍ مِن الرجال ، وكُلَّ ذوّاقةٍ مِن النساء .

والترديد في عبارة:

إنّ الله عزَّ وجلَّ يُبغِضُ أو يلعن كُلَّ ذوَّاقٍ مِن الرجال

هو ترديدٌ من الراوي، وليس نصًّا جازمًا من النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. كما أنَّ سائر الروايات الواردة في الباب تتحدّث عن البُغض، ولا تتحدّث عن اللعن.

ومن هنا لا يصح تحويل وصف «المبغوض» إلى وصف «الملعون»، فالبُغض شيءٌ والغضب الإلهي الذي يترتب عليه اللعن شيءٌ آخر.

〰〰〰〰〰

الفرق بين البُغض والغضب في القرآن

يُظهر القرآن أنَّ اللعن يقترن بالغضب الإلهي، وليس كلُّ ما يبغضه الله سبحانه وتعالى يترتب عليه اللعن.

قال تعالى في الآية الثالثة والتسعين من سورة النساء:

( ومَن يقتل مُؤمناً مُتعمّداً فجزاؤُه جهنّم خالداً فيها وغَضِبَ اللهُ عليه ولَعَنَهُ وأعدَّ لهُ عذاباً عظيما )

وقال تعالى في الآية الستين من سورة المائدة:

( قُل هل أُنبّئكم بشرٍّ مِن ذلك مَثوبةً عند اللهِ مَن لَعَنهُ اللهُ وغَضِبَ عليه وجعل منهم القردةَ والخنازير وعبدَ الطاغوت أولئكَ شرٌّ مكاناً وأضلَّ عن سواء السبيل ).

وقال تعالى في الآية السادسة من سورة الفتح:

( ويُعذّبُ المنافقينَ والمنافقاتِ والمُشركين والمُشركاتِ الظانين باللهِ ظنَّ السوء عليهم دائرةُ السُوء وغضبَ اللهُ عليهم ولعنهم وأعدَّ لهم جهنَّم وساءتْ مَصيرا )

فالاقتران في هذه الآيات واضح بين غضب الله واللعن. وكلُّ ما يغضب الله سبحانه وتعالى يكون مبغوضًا لديه، ولكن لا توجد قاعدة تقول إنَّ كلَّ ما يبغضه الله يترتب عليه غضبه ولعنه.

ولهذا فإنَّ الطلاق، وإن كان مبغوضًا، لا يكون بذاته سببًا من أسباب اللعن، لأنَّه حلٌّ شرعي وضعه الله سبحانه وتعالى. نعم، قد يُساء استعمال هذا الحل، وقد يتحوّل الإنسان إلى ذوّاقٍ يتزوّج ويطلّق من غير سوء أو سبب، لكنَّ ذلك بحثٌ آخر، ولا يجوز أن يُنقل منه حكم اللعن إلى الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه.

〰〰〰〰〰

اختلاف الوصف بين الروايات

حتّى على فرض أنَّ رواية:

إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُبغضُ كُلَّ مِطلاقٍ ذَوَّاق

تشتمل على اللعن، مع أنَّ لفظ اللعن غير موجود فيها، فإنَّها تتحدث عن شخص اجتمع فيه وصفان:

المِطلاق، الذوّاق.

أمّا الرواية التي نُسبت إلى مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، فقد جاء فيها:

لا تُزوّجوا الحَسَن فإنّهُ رجلٌ مِطلاق

ولم تصف الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بأنَّه «ذوّاق».

فلا يصحّ تطبيق الحكم المتعلّق بـ«المِطلاق الذوّاق» على رواية لم يرد فيها إلّا لفظ «مِطلاق»، ولا يصحّ بعد ذلك استنتاج أنَّ مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه لعن الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه.

〰〰〰〰〰

عرض الروايتين على وصف الصادقين

قال الله سبحانه وتعالى في الآية التاسعة عشرة بعد المئة من سورة التوبة:

( يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين )

إنَّ الأمر بالكون مع الصادقين لا يقتصر على حالٍ دون حال، بل هو أمرٌ بالكون معهم في جميع الاتجاهات والأحوال.

وهذا هو المضمون الذي نقرؤه في زيارات أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم:

(معكم معكم لا مع عدوّكم)

فالمجموعة التي أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يكونوا معها دائمًا لا بدّ أن تكون صادقةً في نواياها وأقوالها وأفعالها.

والإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه واحدٌ من هؤلاء الصادقين. فكيف ينسجم الأمر الإلهي بالكون معه على طول الخط مع روايةٍ تصوّره بصورة رجلٍ يكثر من الطلاق إلى الحد الذي يدعو مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه إلى تحذير الناس منه على المنبر؟

إنَّ المضمون الذي تقدمه الروايتان لا ينسجم مع وصف الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بأنَّه من الصادقين الذين أمر الله سبحانه وتعالى بالكون معهم.

〰〰〰〰〰

الإمام المعصوم هو الأسوة الحسنة

قال تعالى في الآية الحادية والعشرين من سورة الأحزاب:

( لقد كان لكم في رسولِ الله أسوةٌ حسنةٌ لِمَن كان يرجو الله واليوم الآخر وذَكَر اللهَ كثيرا )

وعنوان الأسوة الحسنة ينطبق على العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم؛ فهم الامتداد الكامل للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وهم الحجج الذين أمر الله سبحانه وتعالى بطاعتهم والاقتداء بهم.

ولا يمكن إخراج الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه من هذا العنوان، أو تصويره بصورة شخصٍ يصدر منه سلوكٌ يستوجب أن يحذّر أبوه الناس من تزويجه.

فإذا كان الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه إمامًا معصومًا وأسوةً للناس، فإنَّ مضمون الروايتين يتعارض مع مقامه، ولا يمكن الجمع بين هذه الصورة وبين الصورة التي يثبتها القرآن ومحكم حديث العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم.

〰〰〰〰〰

«الحَسَنُ والحُسين إمامانِ قاما أو قعدا»

ورد الحديث المعروف:

(الحَسَنُ والحُسين إمامانِ قاما أو قعدا..)

فإمامة الحسن والحسين صلواتُ اللهِ عليهما ثابتة في حال قيامهما وفي حال قعودهما، ولا تتغير الإمامة باختلاف المواقف والظروف.

وهذا الحديث يثبت للإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه مقام الإمامة والحجية المطلقة، وهو ما يتعارض مع المضمون الذي تصوّره به روايات كثرة الطلاق، وكأنَّه يتصرّف تصرفًا لا يتناسب مع مقامه، أو يحتاج الناس إلى تحذيرٍ منه.

〰〰〰〰〰

الروايتان في ميزان الزيارة الجامعة الكبيرة

الزيارة الجامعة الكبيرة هي الدستور العقائدي الذي يبيّن مقام أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم وصفاتهم.

ونحن نخاطبهم فيها:

(ومَن اعتصمَ بكم فقد اعتصم بالله)

ونقول:

(عصمكم اللهُ مِن الزلل، وآمنكم مِن الفِتن، وطهَّركم مِن الدنس، وأذهبَ عنكم الرجس أهل البيت وطهَّركم تطهيرا)

إنَّها عصمةٌ من الزلل، وأمانٌ من الفتن، وطهارةٌ من الدنس والرجس.

وإذا عُرضت روايتا «المِطلاق» على هذا المضمون، فإنَّ التعارض يكون واضحًا؛ لأنَّ الروايتين تظهران الانتقاص من الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، في حين أنَّ الزيارة الجامعة الكبيرة تثبت له وللعترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم العصمة والطهارة المطلقة.

〰〰〰〰〰

قاعدة مخالفة ذوق المخالفين وقاعدة الاحتياط

توجد في التعامل مع الروايات قاعدتان:

القاعدة الأولى: الصواب والرشاد في خلاف المخالفين

إذا كان مضمون الرواية منسجمًا انسجامًا واضحًا مع مناهج المخالفين لأهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم، ومخالفًا في الوقت نفسه لثقافة الكتاب والعترة، فإنَّ الصواب يكون في خلافه.

وروايتا «المِطلاق» توافقان الذوق الذي ينتقص من مقام الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه، ولا تنسجمان مع ثقافة العصمة والإمامة الثابتة في القرآن وحديث العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم.

القاعدة الثانية: الوقوف عند الشبهات

ورد في حديث الإمام الصادق صلواتُ اللهِ عليه مع عمر بن حنظلة:

فقلتُ: جعلتُ فداك فإنْ وافقهما الخبران جميعا؟ قال: يُنظَر إلى ما هم إليه أميل حُكّامهم وقُضاتهم، فيُترك ويُؤخذ بالآخر. قلتُ : فإنْ وافق حكّامهم وقضاتهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان كذلك فارجهِ حتّى تلقى إمامك، فإنَّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ مِن الاقتحام في الهلكات.

وتُطبّق قاعدة الاحتياط عندما تكون الروايات موافقةً للكتاب ولحديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم، ولكن يقع التردّد في كيفية فهمها أو الترجيح بينها.

أمّا روايتا «المِطلاق» فإنَّ الإشكال في أصل مضمونهما؛ لأنَّهما تخالفان القرآن ومحكم حديث العترة وثقافة العصمة. ولذلك لا تكون المسألة مجرّد شبهةٍ نرجئها، بل يُرفض المضمون لمخالفته القواعد العقائدية الثابتة.

〰〰〰〰〰

المحكم والمتشابه في حديث العترة

الأحاديث منها محكمٌ ومنها متشابه.

فإذا وصل الحديث المتشابه، وكان ثابتًا في الجملة أنَّه ورد عن أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم، وجب ردّه إلى محكم حديثهم. فإن أمكن فهمه في ضوء المحكم حُلّ الإشكال، وإن لم يمكن ذلك وُضع الحديث جانبًا ولم يُبنَ عليه اعتقاد.

والتشابه على نوعين:

الأول: حديثٌ صدر متشابهًا من المعصوم صلواتُ اللهِ عليه لحكمةٍ من الحكم، ويمكن الرجوع في فهمه إلى محكم حديثهم.

والثاني: حديثٌ لم يكن متشابهًا حين صدر، ولكن طرأ عليه التشابه بسبب النقل؛ فقد يكون نُقل بالمعنى، أو وقع فيه نقص أو تصحيف أو تحريف.

والناس يختلفون في قدرتهم على الفهم والتعبير ونقل المعنى؛ فقد ينقل الراوي المضمون كاملًا، وقد ينقله ناقصًا، وقد تختلط بعض العبارات أو التفاصيل بين الأحاديث.

〰〰〰〰〰

هل طرأ التحريف أو التصحيف على أصل الروايتين؟

يمكن على سبيل الاحتمال أن يكون للروايتين أصلٌ ما، لكنَّ هذا الأصل لم يصل إلينا بصيغته الصحيحة.

فقد تكون عبارة «طلّق خمسين امرأة» قد أُضيفت بسبب السهو أو الاشتباه أو الخلط بين الروايات، أو بسبب تصحيفٍ أو تحريفٍ متعمّد.

كما يمكن أن يكون مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه قد قال كلامًا في مجلسٍ خاص أو في سياقٍ مختلف، ثم نُقل الكلام بصيغة أنَّه قام على المنبر وحذّر أهل الكوفة من تزويج الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه.

وتوجد في سياق الروايتين قرينةٌ تثير الاستفهام؛ فإن كان مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه جادًّا في نهيه، وقال على المنبر:

( لا تُزوّجوا الحسن فإنّهُ رجلٌ مِطلاق )

فمن المستبعد أن يقوم رجلٌ فيجيبه:

( بلى والله لنُزوّجنّه وهو ابن رسول الله وابن أمير المؤمنين فإنْ شاء أمسك وإنْ شاء طلَّق )

فهذا الجواب يبدو كأنَّه اعتراضٌ وعنادٌ لمولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، ولا يتناسب مع مقامه ولا مع جدية الموقف الذي تصفه الرواية.

ومن هنا يمكن احتمال أنَّ شيئًا قد وقع أو قيل، ولكنَّه نُقل بتعابير غير صحيحة، أو أنَّ الحديث كان في مقام المطايبة لا في مقام الجد.

غير أنَّ هذه الاحتمالات لا تعطي النص الموجود قيمةً عقائدية؛ لأنَّ الأصل الصحيح ـ على فرض وجوده ـ قد غاب، وما بين أيدينا هو النص المشوّه أو المحرّف، فلا يمكن بناء الاعتقاد عليه.

〰〰〰〰〰

الخلاصة

الروايات التي تصف الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بأنَّه كان كثير الطلاق لا يمكن قبولها لمجرّد ورودها في كتابٍ حديثي، مهما بلغت مكانة ذلك الكتاب.

فالقاعدة التي وضعها أهل البيت صلواتُ اللهِ عليهم تقتضي عرض الحديث على القرآن ومحكم حديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والعترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم.

وعند عرض هذه الروايات على تلك الموازين يتبيّن ما يأتي:

إنَّ البُغض الوارد في روايات الطلاق لا يعني اللعن، والقرآن يقرن اللعن بالغضب الإلهي، لا بمجرّد البُغض.

وإنَّ وصف «المِطلاق الذوّاق» الوارد في بعض الروايات لا ينطبق لفظًا على الرواية المنسوبة إلى مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، والتي ورد فيها وصف «المِطلاق» وحده.

كما أنَّ مضمون الروايتين يتعارض مع وصف الإمام الحسن المجتبى صلواتُ اللهِ عليه بأنَّه من الصادقين، ومع مقامه بوصفه إمامًا وأسوةً معصومة، ومع قولهم:

(الحَسَنُ والحُسين إمامانِ قاما أو قعدا..)

ويتعارض كذلك مع ما تقرره الزيارة الجامعة الكبيرة من عصمة العترة الطاهرة صلواتُ اللهِ عليهم وطهارتهم من الزلل والدنس والرجس.

وقد يكون للروايتين أصلٌ طرأ عليه التصحيف أو التحريف أو النقل الناقص، أو كان الكلام في سياق المطايبة لا الجد، لكنَّ الأصل الصحيح ـ على فرض وجوده ـ ليس بين أيدينا.

وبناءً على ذلك لا تكون هاتان الروايتان مقبولتان، ولا تصلحان لبناء صورةٍ تاريخية أو عقائدية تنتقص من مقام كريم آل الله ومعزّ المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 —————————————————

من حلقات برنامج “إطلالة على هالة القمر” - الشيخ عبدالحليم الغزي - الحلقة 14

الوسائط