العودة للبحوثات

خمسون دليلًا على إمامة سيّدة نساء العالمين صلوات ربي عليها

مولاتي فاطمة الزهراءرد بعض الشبهاتالثقافة الزهرائيةتصحيح المفاهيم وفقا للثقافة الزهرائية

٢٦ يوليو ٢٠٢٦

فاطمة الزهراء صلواتُ ربي عليها

لم تكن مولاتنا الزهراء الزاهرة صلواتُ ربي عليها امرأةً عظيمةً تحيط بها الفضائل فحسب، ولا مجرّد حلقةٍ تصل بين النبي الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة من ذريتها صلواتُ اللهِ عليهم؛ بل تكشف نصوص العترة الطاهرة عن مقامٍ أوسع وأعمق، تتجلّى فيه الحجّية، وفرض الطاعة، والعلم، والولاية، والارتباط بعالم التكوين، والموقع الخاص في منظومة الهداية الإلهية.

وتتوزع الأدلة على هذا المقام في كتب الحديث، والزيارات، والأدعية، والخطب، والمصادر العقائدية، حتى تجتمع منها صورةٌ لا يمكن اختزالها في عنوان «أمّ الأئمة» بالمعنى النسبي وحده؛ فهي أمّهم، وحجّةٌ عليهم، وأسوةٌ لإمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه، وصاحبة المصحف الذي صار من مواريث الإمامة، والمفروضة طاعتها على جميع خلق الله. وقد جمع بحث «خمسون دليلًا على إمامة الزهراء» هذه الشواهد في سياق واحد، مستفيدًا من مضامين برامج قناة القمر الفضائية.  (بحث "خمسون دليلا على إمامة الزهراء" موجود في المرفقات أسفل الصفحة)

〰〰〰〰〰

ليست الفضيلة هي موضع البحث

حين نتحدث عن علم مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها، أو عصمتها، أو رضا الله لرضاها وغضبه لغضبها، فنحن لا نعدد مناقب منفصلةً لا رابط بينها. هذه الخصائص تلتقي في مقامٍ واحد؛ لأنَّ الطاعة المطلقة، والحجّية على الخلق، وامتلاك مواريث العلم، والاقتران بحجج الله في الأدعية والزيارات، لا تكون مجرد تكريمٍ عاطفي أو منزلةٍ اجتماعية.

إنَّها معالم موقعٍ إلهي واضح، ولكنَّ هذا الموقع بقي غائبًا عن مساحة واسعة من الخطاب الشيعي، مع أنَّ عباراته موزعة في أشهر الكتب والمصادر.

وأول ما يفتح باب هذه الحقيقة ما نُقل عن الإمام الباقر صلواتُ اللهِ عليه:

«وَلَقَدْ كَانَتْ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهَا طَاعَتُهَا مَفْرُوضَةً عَلَى جَمِيعِ مَنْ خَلَقَ اللهُ، مِنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالطَّيْرِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَلَائِكَةِ».
(
دلائل الإمامة للطبري الشيعي)

ليست الطاعة هنا مقصورةً على جماعةٍ أو زمن، ولا على المؤمنين من البشر وحدهم؛ بل تشمل جميع من خلق الله، وتدخل فيها الأنبياء والملائكة. وفرض الطاعة بهذا الامتداد يكشف عن مقامٍ لا يمكن وضعه في إطار الفضيلة المجردة.

〰〰〰〰〰

حجّة الله على حججه

يتّضح هذا المقام بأصرح عبارةٍ في النص المنقول عن الإمام الحسن العسكري صلواتُ اللهِ عليه:

«نَحْنُ حُجَجُ اللهِ عَلَى الْخَلَائِقِ، وَأُمُّنَا فَاطِمَةُ حُجَّةُ اللهِ عَلَيْنَا».

الأئمة صلواتُ اللهِ عليهم حجج الله على الخلق، ومولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها حجّة عليهم. وليس معنى الحجّية هنا مجرد الأمومة، فالأمومة النسبية وحدها لا تجعل الإنسان حجّةً على حجج الله. إنَّها أمومةٌ مقترنة بمقامٍ إلهي يعلو حتى تكون حجّيتها ثابتةً على الذين أقامهم الله حججًا على العالمين.

ومن هذا الباب يُفهم قول إمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه:

«وَفِي ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لِي أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ».
(
بحار الأنوار، باب التوقيعات)

فإمام الزمان صلواتُ اللهِ عليه يجعلها أسوته. والأسوة ليست معلومةً تُروى عن الماضي، بل هي مرجعٌ كامل يُقتدى به. فإذا كانت مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها أسوةً للحجّة القائم صلواتُ اللهِ عليه، فإنَّ مقامها لا يُفهم بوصفها شخصيةً تأتي بعد الأئمة في مراتب الهداية، بل بوصفها أصلًا عظيمًا يرجعون إليه.

〰〰〰〰〰

طاعتها من طاعة الله

في الخطبة الفدكية قالت مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها:

«وَطَاعَتَنَا نِظَامًا لِلْمِلَّةِ، وَإِمَامَتَنَا أَمَانًا مِنَ الْفُرْقَةِ».

لم تقل: طاعة عليٍّ أو إمامة عليٍّ وحده، وإنما قالت: «طاعتنا» و**«إمامتنا»**. والخطاب صادرٌ منها وهي داخلة في هذا الجمع؛ لأنَّها من أهل البيت الذين جعل الله طاعتهم نظامًا للدين، وإمامتهم أمانًا من التشتت والانحراف.

ويأتي هذا المعنى من جهةٍ أخرى في قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لها:

«يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ، وَيَرْضَى لِرِضَاكِ».
(
الاحتجاج للطبرسي)

فغضبها ليس حالةً شخصيةً قد تصيب الحق أو تخطئه، ورضاها ليس ميلًا بشريًّا منفصلًا عن ميزان الله؛ إذ ارتبط غضب الله بغضبها ورضاه برضاها. ولا يتحقق هذا الترابط المطلق إلا مع العصمة الكاملة، ومع كون موقفها هو موقف الله، ورضاها هو علامة رضاه، وغضبها هو علامة غضبه.

ومن هنا لم تكن ظلامتها حدثًا تاريخيًّا منفصلًا عن العقيدة، ولم يكن موقف الناس منها شأنًا سياسيًّا عابرًا؛ لأنَّ الذي أغضبها قد عرّض نفسه لغضب الله، والذي ردّ قولها لم يردّ كلام امرأةٍ تطالب بحقّها فقط، بل واجه حجّةً من حجج الله.

〰〰〰〰〰

القَيِّمة على الدِّين

ورد عن الإمام الباقر صلواتُ اللهِ عليه في تفسير قوله تعالى:

﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

أنَّه قال:

«هِيَ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ».
(
تأويل الآيات، وجامع كنز الفوائد)

إنَّها «القَيِّمة» التي يرتبط الدين بها. وليس الدين هنا مجموعة عبادات وأحكام منفصلة عن حجج الله، بل هو منظومةٌ تتمحور حول الإمام المعصوم. ولذلك يخاطب الشيعة الإمام الحسين صلواتُ اللهِ عليه:

«لَقَدْ قَتَلُوا بِقَتْلِكَ الْإِسْلَامَ».

فإذا كانت مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها هي «القَيِّمة»، فإنَّ لها قَيُّوميّةً على الدين، ولا يصح النظر إليها بوصفها شخصيةً تقع خارج منظومة الإمامة، بينما هي التي ينتسب إليها الدين بهذا التعبير.

〰〰〰〰〰

مصحف فاطمة من مواريث الإمامة

احتلَّ مصحف مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها موقعًا واضحًا في أحاديث الأئمة صلواتُ اللهِ عليهم. فقد كان عندها علم ما يكون، ثم صار المصحف إلى مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه، ثم إلى الإمام الحسن، ثم إلى الإمام الحسين، ثم بقي عند الأئمة من ذريتها حتى يُدفع إلى صاحب هذا الأمر صلواتُ اللهِ عليه.

وهذا الانتقال ليس انتقال كتابٍ عائلي بين الأبناء، بل هو انتقال ميراثٍ من مواريث الحجّة إلى الحجّة.

وقد ورد في الحديث أنَّها حين مضى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله دخل عليها من الحزن ما لا يعلمه إلا الله، فكان الملَك يأتيها ويسلّيها ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه يكتب ذلك، فكان منه مصحف فاطمة.

كما ورد عن الإمام الصادق صلواتُ اللهِ عليه:

«وَإِنَّ عِنْدَنَا لَمُصْحَفَ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَمَا يُدْرِيهِمْ مَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ؟... فِيهِ مِثْلُ قُرْآنِكُمْ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاللهِ مَا فِيهِ مِنْ قُرْآنِكُمْ حَرْفٌ وَاحِدٌ».

فهذا المصحف علمٌ خاص ارتبط بها، وحفظه الأئمة صلواتُ اللهِ عليهم ضمن خزائن الإمامة. وحين يكون كتابها من العلامات التي تثبت عند الإمام، ومن المواريث التي تنتقل مع السلاح والجامعة والجفر، فإنَّ ذلك يكشف عن أنَّها أصلٌ في سلسلة العلم الإلهي، لا مجرّد ناقلةٍ لحديث أو راويةٍ بين الرواة.

〰〰〰〰〰

اللوح في يدها وأسماء الأوصياء من ولدها

رأى جابر بن عبد الله الأنصاري في يد مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها لوحًا أخضر، فيه أسماء الأوصياء من ذريتها. وقالت له:

«هَذَا اللَّوْحُ أَهْدَاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فِيهِ اسْمُ أَبِي، وَاسْمُ بَعْلِي، وَاسْمُ ابْنَيَّ، وَأَسْمَاءُ الْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِي، فَأَعْطَانِيهِ أَبِي لِيَسُرَّنِي بِذَلِكَ».

وقد حفظته، وأطلعَت جابرًا عليه، ثم صار مضمون اللوح من النصوص التي تعرّف بالأئمة واحدًا بعد واحد.

إنَّ وجود لوح الأوصياء في يدها، وعلمها بأسمائهم، وكونه هديةً إلهيةً وصلت إليها عن طريق النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، يكشف عن موقعها في قلب سلسلة الحجج. فهي ليست خارج السلسلة لتُخبر بها من بعيد؛ بل الأئمة أوصياءٌ «من ولدها»، واللوح عندها، والعلم بأسمائهم لديها، وميراثها ينتقل إليهم.

〰〰〰〰〰

مقامها في الأدعية والزيارات

حين نقرأ الأدعية المأثورة لا نجد اسم مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها منفصلًا عن سلسلة الحجج، بل يأتي في ترتيبهم نفسه.

في دعاء التوسل نخاطبها:

«يَا فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا قُرَّةَ عَيْنِ الرَّسُولِ، يَا سَيِّدَتَنَا وَمَوْلَاتَنَا، إِنَّا تَوَجَّهْنَا وَاسْتَشْفَعْنَا وَتَوَسَّلْنَا بِكِ إِلَى اللهِ، وَقَدَّمْنَاكِ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَاتِنَا، يَا وَجِيهَةً عِنْدَ اللهِ، اشْفَعِي لَنَا عِنْدَ اللهِ».

وفي دعاء رفع المصاحف في ليالي شهر رمضان يأتي التوسل بها بعد النبي الأعظم ومولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليهما، وقبل الإمامين الحسن والحسين وبقية الأئمة صلواتُ اللهِ عليهم:

«بِمُحَمَّدٍ... بِعَلِيٍّ... بِفَاطِمَةَ... بِالْحَسَنِ... بِالْحُسَيْنِ...»

وكذلك في أدعية قضاء الحوائج، حيث تُذكر ضمن سلسلة الأربعة عشر صلواتُ اللهِ عليهم، بالترتيب نفسه الذي تُذكر به الحجج.

ليس وجودها في هذا الترتيب إضافةً للتبرك أو لمراعاة قرابتها، بل هو خطابٌ عقائدي يضعها في منظومة الحجج الذين يتوجه الخلق إلى الله بهم.

أما الزيارة الجامعة الكبيرة فتبدأ بقولنا:

«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ».

ثم تصف المخاطَبين بأنَّهم:

«أَئِمَّةُ الْهُدَى»،
«
وَحُجَجُ اللهِ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأُولَى»،
«
وَالْأَئِمَّةُ الدُّعَاةُ وَالْقَادَةُ الْهُدَاةُ»،
«
وَخُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ وَحُجَجُهُ عَلَى بَرِيَّتِهِ».

ومولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها في أصل أهل بيت النبوة، ولا يجوز إدخالها في أول الخطاب ثم إخراجها من الصفات التي تتابع بعده بلا دليل.

〰〰〰〰〰

نورها قبل الخلق

تتحدث الروايات عن وجود نور مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها قبل وجود البشر، وعن موقع هذا النور في عالم الخلق.

فقد ورد أنَّ الله سبحانه خلق محمدًا وعليًّا وفاطمة، ثم خلق جميع الأشياء، وأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفوّض أمورها إليهم بإذنه:

«ثُمَّ خَلَقَ مُحَمَّدًا وَعَلِيًّا وَفَاطِمَةَ، فَمَكَثُوا أَلْفَ دَهْرٍ، ثُمَّ خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، فَأَشْهَدَهُمْ خَلْقَهَا، وَأَجْرَى طَاعَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَفَوَّضَ أُمُورَهَا إِلَيْهِمْ».

وفي روايةٍ أخرى خُلق نورها كالقنديل، وعُلّق في قرط العرش، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع، ومن أجل ذلك سُمّيت فاطمة الزهراء.

إنَّها ليست نورًا ضمن الأنوار بالمعنى الوصفي فقط، بل نورٌ تتعلق به السماوات والأرض، وتجري طاعته على الخلق، وتسبّح الملائكة بسبب ظهوره.

ولهذا ورد في زواجها أنَّ الملَك قال للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله:

«بَعَثَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أُزَوِّجَ النُّورَ مِنَ النُّورِ».

فسأل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله:

«مَنْ مِنْ مَنْ؟»

فقال:

«فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ».

فزواجها ليس اقترانًا عائليًّا عاديًّا، بل اقتران نورٍ بنور، تترتب عليه ولادة أنوار الأئمة صلواتُ اللهِ عليهم.

〰〰〰〰〰

الأنبياء ومقام مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها

تتكرر في الأدلة صورٌ يتوجه فيها الأنبياء إلى الله بمولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها، أو يتعلمون مقامها.

فقد أُمر آدم صلواتُ اللهِ عليه أن يتوسل بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلواتُ اللهِ عليهم عند الشدائد والنوازل.

كما رأى آدم أسماءهم على ساق العرش، وقيل له:

«هُمْ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ جَمِيعِ خَلْقِي، وَلَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ، وَلَا خَلَقْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ».

وتحدّثت الروايات عن نظر حواء إلى مقام مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها، مثلما نظر آدم إلى مقام الحجج.

كما جاء في خبر تزويجها أنَّه لو لم يُخلق مولانا أمير المؤمنين صلواتُ اللهِ عليه لما كان لها كفؤٌ على وجه الأرض من آدم فمن دونه.

فهذه النصوص لا تضعها في مرتبة من جاءت بعد الأنبياء لتأخذ عنهم، بل تجعلهم يعرفون مقامها، ويتوسلون بها، ويعلمون أنَّها من الخلق الذين قامت بهم علة الوجود والهداية.

〰〰〰〰〰

ليلة القدر فاطمة

ورد عن الإمام الصادق صلواتُ اللهِ عليه في تأويل سورة القدر:

«﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾؛ اللَّيْلَةُ فَاطِمَةُ، وَالْقَدْرُ اللهُ، فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ لِأَنَّ الْخَلْقَ فُطِمُوا عَنْ مَعْرِفَتِهَا».

كلما ازداد الإنسان معرفةً بليلة القدر أدرك أنَّها ليست ليلةً عاديةً في نظام الزمن؛ فيها يتنزّل الأمر، ويُفرق كل أمر حكيم، وترتبط بها مقادير الخلق. وحين يكون تأويل الليلة هو فاطمة، فإنَّ الحديث يدخل بنا إلى مقامها في عالم الأمر والقدر.

ولهذا فُطم الخلق عن معرفتها؛ لأنَّ حقيقتها لا تُدرك بمقاييس السيرة الظاهرة أو القرابة أو الأدوار الاجتماعية.

〰〰〰〰〰

حضورها عند الموت وفي المحشر

لا ينتهي ارتباط المؤمن بمولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها بانتهاء حياته الدنيوية.

ورد عن الإمام الصادق صلواتُ اللهِ عليه أنَّه إذا بلغت نفس المؤمن قيل له:

«أَمَّا مَا كُنْتَ تَحْزَنُ مِنْ هَمِّ الدُّنْيَا وَحُزْنِهَا فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْهُ، وَيُقَالُ لَهُ: أَمَامَكَ رَسُولُ اللهِ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ».

وفي روايات المحشر يظهر مقامها في الشفاعة، ويُنادى في الخلائق أن يغضّوا أبصارهم حتى تجوز فاطمة الصديقة بنت محمد صلى الله عليه وآله، ثم تقف للمطالبة بحق مولانا الحسين صلواتُ اللهِ عليه وحق شيعتها وشيعة ولدها.

وتصل الرواية إلى قول الله سبحانه لها:

«انْطَلِقِي، فَمَنْ اعْتَصَمَ بِكِ فَهُوَ مَعَكِ فِي الْجَنَّةِ».

وعند ذلك:

«يَوَدُّ الْخَلَائِقُ أَنَّهُمْ كَانُوا فَاطِمِيِّينَ».

فالاعتصام بها ليس حالةً وجدانية، بل نجاةٌ يوم القيامة، والانتماء إليها ليس مجرد محبةٍ في القلب، بل اعتقادٌ وطاعةٌ وولاية.

〰〰〰〰〰

من أمّ الأئمة إلى إمام الأئمة من ولدها

تتكامل الأدلة الخمسون في اتجاهٍ واحد؛ فلا يقف واحدٌ منها منفردًا، بل يفسّر بعضها بعضًا:

  • طاعتها مفروضة على الخلق.

  • حجّيتها ثابتة على حجج الله.

  • إمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه يتخذها أسوةً.

  • رضا الله وغضبه مرتبطان برضاها وغضبها.

  • مصحفها من مواريث الإمامة.

  • علم الأوصياء وأسماؤهم في لوحها.

  • اسمها يأتي ضمن سلسلة الحجج في الدعاء والزيارة.

  • نورها سابقٌ على الخلق، وطاعتها جاريةٌ على الأشياء.

  • الأنبياء يعرفون مقامها ويتوسلون بها.

  • تأويل ليلة القدر يرتبط بمعرفتها.

  • حضورها ثابت عند الموت وفي مشاهد القيامة.

  • الاعتصام بها طريقٌ إلى الجنة.

ولذلك لا يعود وصفها بأنَّها إمام الأئمة من ولدها عبارةً عاطفيةً أو مبالغةً إنشائية، بل خلاصةً تتجمع من شبكة واسعة من النصوص.

إنَّ مولاتنا الزهراء صلواتُ ربي عليها ليست واسطةً نسبيةً بين النبي والأئمة فحسب، بل هي قطبٌ من أقطاب منظومة الهداية، وحجّةٌ على الحجج، والقَيِّمة على الدين، ومصدرٌ من مصادر علم الأئمة ومواريثهم، والأسوة الحسنة لإمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه.

ومعرفتها ليست فضيلةً زائدةً يمكن للمؤمن أن يأخذ بها أو يتركها، لأنَّ من فُطم عن معرفتها فاته بابٌ عظيم من معرفة محمد وآل محمد صلواتُ اللهِ عليهم، ومن عرفها في مقامها عرف جانبًا من حقيقة الإمامة التي غُيّبت عن الشيعة قرونًا.

فالسؤال لا ينبغي أن يبقى: هل كانت الزهراء صلواتُ ربي عليها إمامًا؟

بل السؤال الذي تضعنا أمامه هذه الأدلة هو:

كيف يمكن أن تكون طاعتها مفروضةً على الأنبياء والملائكة، وحجّيتها ثابتةً على الأئمة، ومصحفها من مواريثهم، وإمام زماننا صلواتُ اللهِ عليه يتخذها أسوةً، ثم لا تكون إمام الأئمة من ولدها؟