العودة للبحوثات

المَعْلَم الأوّل للمذهب الطوسي: نقضُ بيعة الغدير بأسلوبٍ شيطاني

تفسير القرآنتحريف القرآنمن برامج قناة القمرفساد المرجعية والدين الطوسيالتحريف في المذهب الطوسي

١١ أغسطس ٢٠٢٦

كيف أُفرغ عهد الغدير من مضمونه في تفسير «التبيان»؟

〰〰〰〰〰

الغدير ليس مناسبة عاطفية

بيعة الغدير ليست إعلاناً لمحبّة أمير المؤمنين صلوات الله عليه فحسب، وليست مناسبةً موسميةً تتحقق بإقامة الاحتفالات ورفع الشعارات؛ بل هي عهدٌ أخذه رسول الله صلّى الله عليه وآله على الأمّة بأن يكون عليٌّ وآل عليّ صلوات الله عليهم المرجع في فهم القرآن ومعرفة الدين.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في خطبة الغدير:

«مَعاشِرَ النَّاس، تَدَبَّرُوا القُرآنَ، وَافْهَمُوا آياتِهِ، وَانْظُرُوا إِلَى مُحْكَماتِهِ، وَلا تَتَّبِعُوا مُتَشابِهَهُ، فَوَاللهِ لَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ زَواجِرَهُ، وَلا يُوضِحَ لَكُمْ تَفْسِيرَهُ، إِلَّا الَّذِي أَنا آخِذٌ بِيَدِهِ».

ورسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي أعلن أنَّ القرآن والعترة لا يفترقان:

«إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ».

وعليه، فإنّ نقض بيعة الغدير لا يقتصر على إنكار الحادثة أو إنكار إمامة أمير المؤمنين لفظاً؛ بل يتحقق أيضاً عندما تُؤخذ قواعد فهم القرآن وتفسيره من غير عليّ وآل عليّ، وعندما يوضع كلام العترة الطاهرة إلى جانب أقوال المفسرين المخالفين وكأنه رأيٌ من الآراء.

إنَّ الاعتراف بالغدير مع أخذ تفسير القرآن من غير أمير المؤمنين هو نقضٌ عملي لبيعة الغدير؛ لأنَّ النبي صلّى الله عليه وآله لم يأخذ البيعة لعليّ بوصفه عنواناً عاطفياً، وإنما نصبه مرجعاً وإماماً ومبيّناً للقرآن بعده.

وهذا المعنى موضحٌ في حديث قناة القمر عن بيعة الغدير.

〰〰〰〰〰

البداية المعلنة في مقدمة «التبيان»

يفتتح الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 460هـ، تفسيره «التبيان» بالحديث عن المفسرين الذين سبقوه، فيذكر الطبري والزجاج والفرّاء ومفضّل بن سلمة وأبا علي الجبّائي والبلخي، ثم يقول عن أبي مسلم الأصفهاني وعلي بن عيسى الرماني:

«وأصلحُ من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً، محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني، وعلي بن عيسى الرماني».

لقد اختار الشيخ الطوسي منهجه التفسيري من مناهج رجال لم يأخذوا تفسير القرآن عن العترة الطاهرة، ومدح مسلكهم، وجعل كتبهم من أصلح ما صُنّف في التفسير.

ثم يعترف الطوسي بأنَّ أخبار أصحابنا ظاهرةٌ في أنَّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح عن رسول الله والأئمة صلوات الله عليهم، وينقل حديث الثقلين، لكنه ينتهي بعد ذلك إلى قوله:

«وكلُّ ذلك يدلّ على أنَّ ظاهر هذه الأخبار متروك».

وبعد أن يعلن ترك ظاهر الأخبار، يذكر ابن عباس والحسن البصري وقتادة ومجاهداً ويقول:

«مِن المفسرين مَن حُمِدت طرائقُه، ومُدِحت مذاهبُه».

هنا يتجلى الأسلوب الذي نُقضت به بيعة الغدير: يُذكر حديث الثقلين في المقدمة، ويُعترف بحجية النبي والأئمة، ثم يُعلن أنَّ ظاهر الأخبار التي تحصر التفسير بهم متروك، وتُفتح أبواب التفسير لمناهج المفسرين واللغويين والمتكلمين المخالفين للعترة.

فالشيخ الطوسي لم يحذف حديث الثقلين من كتابه، وإنما أفرغه من مضمونه العملي. ذكره في المقدمة، ثم أسّس منهجاً تفسيرياً لا تكون فيه العترة الطاهرة المرجع الوحيد الحاكم على جميع الأقوال.

ويمكن مراجعة هذه النصوص في مقدمة التبيان في تفسير القرآن.

〰〰〰〰〰

الصراط المستقيم: أمير المؤمنين أم مجموعة احتمالات؟

يقول الله تعالى:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

عند تفسير الآية، يورد الشيخ الطوسي مجموعةً من الأقوال؛ منها أنَّ الصراط هو كتاب الله، أو الإسلام، أو دين الله، أو النبي والأئمة، ثم يحمل الآية على معنى عام.

أمّا العترة الطاهرة فقد عرّفت الصراط المستقيم تعريفا واضحاً لا غموض فيه. قال الإمام الصادق صلوات الله عليه:

«الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَمَعْرِفَتُهُ».

وجاء في الزيارة:

«السَّلَامُ عَلَى صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيم».

وفي الزيارة الغديرية المروية عن الإمام الهادي صلوات الله عليه:

«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا دِينَ اللهِ القَوِيمَ وَصِرَاطَهُ المُسْتَقِيم».

وفي دعاء الندبة:

«أَيْنَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ؟ أَيْنَ ابْنُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيم؟»

الصراط المستقيم في تفسير العترة هو أمير المؤمنين ومعرفته، لكن هذا المعنى الواضح تحوّل في «التبيان» إلى احتمالٍ موضوع إلى جانب احتمالات المفسرين، ثم ذاب في معنى عام.

وهنا وقع نقض الغدير؛ لأنَّ كلام الإمام المعصوم لم يعد هو الأصل الحاكم، بل أصبح قولاً إلى جانب أقوال رجال أخذوا ثقافتهم بعيداً عن عليّ وآل عليّ.

〰〰〰〰〰

«ذلك الكتاب»: حين يُقدَّم الإعراب على حديث العترة

يقول الله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

ينشغل تفسير «التبيان» ببيان موقع كلمة «ذلك»، ودلالة الإشارة، والاحتمالات اللغوية والإعرابية.

لكن الإمام الصادق صلوات الله عليه يبيّن حقيقة الآية:

«الْكِتَابُ عَلِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ: بَيَانٌ لِشِيعَتِنَا».

الآية في تفسير العترة تتحدث عن أمير المؤمنين وشيعته، لكن المنهج الطوسي نقلها من هذا المضمون العقائدي إلى البحث في اللغة والإشارة والإعراب.

ويمكن مراجعة الرواية في تفسير القمّي.

ويتكرر الأسلوب نفسه في تفسير الأسماء التي علّمها الله لآدم، والكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه، والكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم، ومعنى «حطّة»، و«وجه الله»، و«الإمام المبين».

هذه العناوين تفسرها أحاديث العترة بمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم، لكن منهج «التبيان» يذهب إلى أقوال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري والسدي والجبّائي والرماني، ويغرق في اللغة والنحو والاحتمالات.

〰〰〰〰〰

أسماء محمد وآل محمد هي الكلمات

يقول الله تعالى:

﴿وَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.

الكلمات التي تلقّاها آدم هي توسله بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم.

ويقول تعالى في شأن إبراهيم:

﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.

وقد جاء عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنَّ الكلمات هي أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ثم الأئمة التسعة من ذرية الحسين صلوات الله عليهم.

لكن «التبيان» يورد أقوالاً في الختان، وسنن النظافة، ومناسك الحج، وغيرها من الأقوال المأخوذة من المفسرين.

وبذلك تُبعد أسماء محمد وآل محمد عن الآيات التي فسرتها العترة بهم، ويُستبدل التفسير المروي عن الأئمة بتفسيرات لغوية وفقهية مأخوذة من ثقافة المخالفين.

〰〰〰〰〰

النبأ العظيم الذي غاب عن «التبيان»

يقول الله تعالى:

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ۝ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ۝ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.

ويقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

«مَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ آيَةٌ هِيَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَلَا لِلَّهِ مِنْ نَبَإٍ أَعْظَمُ مِنِّي».

وجاء في الزيارة:

«السَّلَامُ عَلَى النَّبَإِ العَظِيمِ، السَّلَامُ عَلَى صِرَاطِ اللهِ المُسْتَقِيم».

النبأ العظيم هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه، لكن الشيخ الطوسي يذكر عند تفسير سورة النبأ التوحيد والقرآن والبعث والقيامة، ولا يورد تفسير النبأ العظيم بعلي.

ويتكرر الأمر في قوله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ۝ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾.

فالنبأ العظيم في حديث العترة هو أمير المؤمنين، بينما يذهب «التبيان» إلى القرآن أو يوم القيامة.

يمكن مراجعة رواية الإمام الباقر صلوات الله عليه في باب النبأ العظيم.

〰〰〰〰〰

آية التبليغ: الفضيحة التفسيرية الكبرى

يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.

هذه آية بيعة الغدير، وقد نزلت حين أُمر رسول الله صلّى الله عليه وآله بإعلان ولاية أمير المؤمنين وأخذ البيعة له.

لكن الشيخ الطوسي ينقل في الجزء الثالث من «التبيان» أربعة أقوال في سبب نزولها:

1.    إنَّ أعرابياً همَّ بقتل النبي صلّى الله عليه وآله.

2.    إنَّ النبي كان يخشى قريشاً.

3.    ما نُقل عن عائشة من أنَّ الآية تنفي أن يكون النبي قد كتم شيئاً من الوحي.

4.    قول الإمامين الباقر والصادق صلوات الله عليهما إنَّ الله أوحى إلى النبي أن يستخلف علياً، فخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت الآية تشجيعاً له على تبليغ ما أُمر به.

وينقل الشيخ الطوسي عن الإمامين:

«إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْحَى إِلَى النَّبِيِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلِيّاً، كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَشْجِيعاً لَهُ عَلَى القِيَامِ بِمَا أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ».

لم يجهل الشيخ الطوسي رواية الإمامين، ولم تكن الرواية غائبةً عن كتابه؛ بل عرفها وأوردها، لكنه وضعها في المرتبة الرابعة بعد أقوال المخالفين، وجعلها قولاً من أربعة أقوال.

وهنا تكمن الفضيحة: كلام الإمامين المعصومين لا يأتي حاكماً على أقوال المفسرين، وإنما يوضع في قائمتهم، وبعد الروايات المأخوذة من ثقافة المخالفين.

فهل هذا هو الالتزام ببيعة الغدير التي جعلت تفسير القرآن عند عليّ وآل عليّ؟ أم إنَّه تعطيلٌ لبيعة الغدير من داخل كتاب شيعي يحمل اسم «التبيان»؟

النص موجود في «التبيان»، الجزء الثالث، الصفحة 588، ويمكن مراجعته ضمن النقول المباشرة من تفسير الطوسي.

〰〰〰〰〰

كتب المخالفين حفظت ما همّشه «التبيان»

ذكر فخر الدين الرازي، المتوفّى سنة 606هـ، في «التفسير الكبير» أنَّ آية التبليغ نزلت في فضل علي بن أبي طالب، وأنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أخذ بيده وقال:

«مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».

كما أورد جلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة 911هـ، في «الدر المنثور» عن أبي سعيد الخدري أنَّ الآية نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب.

وأورد عن ابن مسعود أنّهم كانوا يقرؤون في عهد رسول الله:

«يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، إِنَّ عَلِيّاً مَوْلَى المُؤْمِنِينَ».

وهكذا حفظت بعض كتب المخالفين ارتباط الآية بالغدير بعبارة صريحة، بينما وضع الشيخ الطوسي رواية الإمامين الباقر والصادق في المرتبة الرابعة بعد أقوالهم.

يمكن مراجعة نص السيوطي في الدر المنثور عند تفسير الآية 67 من سورة المائدة، وما نُقل عن الرازي في مصادر تفسير آية التبليغ.

〰〰〰〰〰

آية إكمال الدين: تفكيك وحدة الغدير

بعد إعلان ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه نزل قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾.

يذكر الشيخ الطوسي أقوالاً متعددة في معنى إكمال الدين؛ منها إكمال الفرائض والأحكام، وقوة المسلمين، وأنَّ اليوم هو يوم عرفة أو يوم الجمعة.

ويذكر رواية الأئمة عند جزء من الآية، لكنه لا يجعل جميع فقراتها وحدةً واحدة مرتبطة ببيعة الغدير.

أمّا حديث العترة فهو واضح: آخر فريضة نزلت هي الولاية، وبعد إقامتها نزل:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.

فاليأس من الدين، وإكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الله بالإسلام ديناً؛ كلها حقائق ارتبطت بولاية أمير المؤمنين وبيعة الغدير.

وبدلاً من أن تكون هذه الحقيقة هي الأصل الحاكم على تفسير الآية، فككها المنهج الطوسي ووزعها بين أقوال المفسرين واحتمالاتهم.

يمكن مراجعة عرض آيتي التبليغ وإكمال الدين في موقع قناة القمر.

〰〰〰〰〰

إضعاف مقام النبي لتمرير منهج المخالفين

لم يتوقف أثر هذا المنهج عند إبعاد أسماء أهل البيت عن الآيات؛ بل امتد إلى مقام رسول الله والأنبياء صلوات الله عليهم.

عند قوله تعالى:

﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

يجيز الشيخ الطوسي وقوع النسيان من النبي والأئمة في غير ما يتصل بتبليغ الدين.

وعند قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

يورد «التبيان» قصة الغرانيق وما نُسب فيها إلى رسول الله، بينما القراءة الواردة عن العترة:

«وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ».

وعند قوله تعالى:

﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾

يفسر «التبيان» الأمّي بأنه الذي لا يقرأ ولا يكتب، بينما كذّبت روايات العترة هذا المعنى، وبيّنت أنَّ رسول الله سُمّي أمياً لانتسابه إلى أم القرى.

فالمنهج الذي ترك تفسير العترة لم يكتفِ بإخفاء دلالات الولاية، وإنما فتح الباب لدخول تصورات المخالفين عن الأنبياء إلى الثقافة الشيعية.

〰〰〰〰〰

من أمير المؤمنين إلى الحسين صلوات الله عليهما

المنهج الذي أبعد أمير المؤمنين عن آيات القرآن أبعد الحسين صلوات الله عليه عن الآيات المرتبطة به.

كهيعص

يقول الله تعالى:

﴿كهيعص﴾.

ينقل الشيخ الطوسي أقوال الحسن البصري وغيره، بينما جاء عن إمام زماننا صلوات الله عليه:

«فَالكَافُ اسْمُ كَرْبَلَاءَ، وَالهَاءُ هَلَاكُ العِتْرَةِ، وَاليَاءُ يَزِيدُ وَهُوَ ظَالِمُ الحُسَيْنِ، وَالعَيْنُ عَطَشُهُ، وَالصَّادُ صَبْرُهُ».

هذا هو تفسير العترة للحروف، وقد رواه الشيخ الصدوق في «كمال الدين وتمام النعمة». ويمكن مراجعة النص في عرض قناة القمر لرواية كهيعص.

الذبح العظيم

يقول الله تعالى:

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.

يفسر الشيخ الطوسي الذبح العظيم بالكبش، بينما يروي الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا صلوات الله عليه أنَّ الله عوّض إبراهيم عن جزعه على إسماعيل ـ لو ذبحه ـ بجزعه على الحسين:

«يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ فَدَيْتُ جَزَعَكَ عَلَى ابْنِكَ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ ذَبَحْتَهُ بِيَدِكَ، بِجَزَعِكَ عَلَى الحُسَيْنِ وَقَتْلِهِ».

الرواية موجودة في عيون أخبار الرضا، الجزء الأول، الصفحة 273.

سورة الحسين

قال الإمام الصادق صلوات الله عليه:

«اقْرَؤُوا سُورَةَ الفَجْرِ فِي فَرَائِضِكُمْ وَنَوَافِلِكُمْ، فَإِنَّهَا سُورَةُ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ».

ويقول الله تعالى:

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

وقال الإمام الصادق صلوات الله عليه:

«إِنَّمَا يَعْنِي الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَهُوَ ذُو النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ الرَّاضِيَةِ المَرْضِيَّةِ».

〰〰〰〰〰

كيف نُقضت بيعة الغدير؟

لقد نُقضت بيعة الغدير في المنهج الطوسي عبر خطوات واضحة:

1.    ذُكر حديث الثقلين في مقدمة «التبيان».

2.    أُعلن أنَّ ظاهر الأخبار الحاصرة لتفسير القرآن بالنبي والأئمة متروك.

3.    جُعلت اللغة والإعراب وعلم الكلام والإجماع والعقل أدواتٍ حاكمة على الروايات.

4.    مُدحت طرائق ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم.

5.    أُدخل تفسير العترة في قائمة الأقوال بدلاً من جعله الأصل الحاكم عليها.

6.    أُبعدت أسماء محمد وآل محمد عن آيات الصراط المستقيم، والكتاب، ووجه الله، والنبأ العظيم، والإمام المبين.

7.    وُضعت رواية الإمامين الباقر والصادق في آية التبليغ بعد أقوال المخالفين.

8.    فُككت وحدة آية إكمال الدين، وأُبعدت عن بيعة الغدير.

9.    أُدخلت إلى الثقافة الشيعية تفسيرات تنتقص من مقام النبي والأنبياء.

هذا هو الأسلوب الشيطاني في نقض الغدير: لا تُنكر البيعة صراحةً، ولا يُحذف حديث الثقلين من الكتاب؛ بل يُذكر الحديث ثم يُعطّل، ويُعلن احترام العترة ثم تُسحب منها المرجعية، وتُروى كلمات الأئمة ثم توضع إلى جانب كلمات المخالفين.

إنه نقضٌ للغدير من داخله، وتفريغٌ للعهد النبوي من مضمونه مع الإبقاء على اسمه وشعاره.

〰〰〰〰〰

النتيجة

المَعْلَم الأوّل للمذهب الطوسي هو نقض بيعة الغدير في ميدان تفسير القرآن.

الغدير جعل علياً مبيّن القرآن بعد رسول الله، وجعل الكتاب والعترة ثقلين لا يفترقان. لكن الشيخ الطوسي أعلن حديث الثقلين، ثم ترك ظاهر الأخبار، واعتمد مناهج المفسرين المخالفين، وجعل كلام العترة واحداً من احتمالات التفسير.

ليس الوفاء بالغدير أن نقول إنَّ علياً إمام، ثم نأخذ فهم القرآن وقواعد معرفة الدين من غيره. وليس التمسك بالعترة أن نضع كلام الإمام المعصوم بعد أقوال الحسن البصري وقتادة ومجاهد والجبّائي والرماني.

الوفاء بالغدير هو أن يكون عليٌّ وآل عليّ صلوات الله عليهم المرجع في القرآن والدين، وأن تكون كلماتهم حاكمةً على كل قول، لا قولاً موضوعاً إلى جانب أقوال الرجال.

وكل منهجٍ يُخرج تفسير القرآن من باب عليّ، ثم يعيده إلينا من أبواب المخالفين، هو منهجٌ ناقض لبيعة الغدير، مهما أكثر من ذكر فضائل أمير المؤمنين ومهما أعلن تمسكه بحديث الثقلين.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.

〰〰〰〰〰

أهم الكتب والمصادر

  • «التبيان في تفسير القرآن»، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، المتوفّى سنة 460هـ.

  • «تفسير القمّي»، لعلي بن إبراهيم القمّي، من أعلام القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري.

  • «الكافي»، لمحمد بن يعقوب الكليني، المتوفّى سنة 329هـ.

  • «الخصال»، و«كمال الدين وتمام النعمة»، و«عيون أخبار الرضا»، للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381هـ.

  • «التفسير الكبير»، لفخر الدين الرازي، المتوفّى سنة 606هـ.

  • «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، لجلال الدين السيوطي، المتوفّى سنة 911هـ.

  • الحلقات 24–28 من برنامج «ما بين واقعين» للشيخ عبد الحليم الغزّي على قناة القمر الفضائية.