المَعْلَم الثاني للمذهب الطوسي: نقض أصل العقيدة المحمدية العلوية
١١ أغسطس ٢٠٢٦
للعقيدة المحمدية العلوية أصلٌ واحدٌ تتفرع منه سائر المعارف، وهذا الأصل هو الإمام الذي نصبه الله حجةً على خلقه، وجعله بابًا لمعرفته ومعرفة رسوله ودينه. فلا تُعرف حقيقة التوحيد بعيدًا عن الإمام، ولا تُعرف النبوة إلا به، ولا يُفهم الكتاب إلا من طريقه، ولا يكون الإيمان بالمعاد والشفاعة والجزاء إيمانًا مستقيمًا إلا إذا أُخذ عنه.
غير أن الشيخ الطوسي، المتوفى سنة 460هـ، لم يبنِ منظومته العقدية على هذا الأصل الجامع، بل أقامها على خمسة أصول منفصلة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد. وبذلك تحولت الإمامة من الأصل الذي تُؤخذ منه العقيدة كلّها إلى أصل خامس يقف إلى جوار بقية الأصول، ضمن بناءٍ كلامي تأثر بالمناهج الأشعرية والمعتزلية.
فالأشاعرة جعلوا أصول الدين: التوحيد والنبوة والمعاد، وأضاف المعتزلة العدل إلى التوحيد، ثم جمع الشيخ الطوسي هذه الأصول وأضاف إليها الإمامة. وهكذا جرى تقديم العقيدة في قالبٍ كلامي لا ينطلق من الأصل المحمدي العلوي الذي يجعل الإمام باب الدين ومنبع أصوله وفروعه.
هذا هو المَعْلَم الثاني للمذهب الطوسي: نقض أصل العقيدة المحمدية العلوية، ثم إعادة بناء العقيدة وفق التقسيم الكلامي الموروث عن المخالفين للعترة الطاهرة.
الإمام هو أصل الدين
قال الله تعالى في آية التبليغ:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
الخطاب الإلهي واضح: إذا لم يُبلّغ رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الغدير وولاية أمير المؤمنين عليه السلام، كانت الرسالة كلّها كأنها لم تُبلَّغ. فالرسالة بما اشتملت عليه من التوحيد والنبوة والقرآن والمعاد والأحكام والأخلاق لا تتحقق غايتها من دون بيعة الغدير والإقرار بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام.
وعند تمام التبليغ في الغدير نزل قول الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
فكمال الدين وتمام النعمة ارتبطا بإعلان الولاية. وهذا يكشف أن الإمامة ليست تفصيلًا ملحقًا بأصولٍ أخرى، وإنما هي الأصل الذي به يكتمل الدين وتستقيم معارفه.
وفي الزيارة الجامعة الكبيرة نخاطب محمدًا وآل محمد صلوات الله عليهم:
«مَن أراد الله بدأ بكم، ومَن وحّده قَبِل عنكم، ومَن قصده توجّه إليكم».
ونقول لهم:
«والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم، وأنتم أهله ومعدنه».
فمعرفة الله وتوحيده وقصد وجهه لا تنفصل عن محمد وآل محمد. منهم يُؤخذ التوحيد، وعنهم يُعرف الحق، وبهم يتوجه العبد إلى الله.
وقد روى محمد بن الحسن الصفار، المتوفى سنة 290هـ، في كتابه «بصائر الدرجات» قول رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام:
«يا علي، أنت أصل الدين ومنار الإيمان وغاية الهدى وقائد الغر المحجلين، أشهد لك بذلك».
فالقول النبوي لا يجعل أمير المؤمنين عليه السلام أصلًا خامسًا من أصول الدين، وإنما يصفه بأنه أصل الدين نفسه. ومن هذا الأصل تتفرع سائر العقائد والمعارف والأحكام.
معرفة الله تبدأ بمعرفة الإمام
روى الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ، في «علل الشرائع» عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إن الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة مَن سواه».
فسُئل الإمام الحسين عليه السلام:
«يا ابن رسول الله، بأبي أنت وأمي، فما معرفة الله؟».
فقال عليه السلام:
«معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».
فمعرفة الله التي من أجلها خُلق العباد لا تتحقق بعيدًا عن معرفة الإمام المفترض الطاعة. ولم يجعل الإمام الحسين عليه السلام معرفة الإمام فرعًا متأخرًا يأتي بعد اكتمال العقيدة، وإنما جعلها حقيقة معرفة الله في كل زمان. والنص موجود في علل الشرائع للشيخ الصدوق.
وفي الحديث الشريف:
«مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية».
فالجهل بالإمام ليس نقصًا في أحد الفروع، بل رجوعٌ إلى الجاهلية وسقوطٌ لأصل الدين.
وتتجلى الحقيقة نفسها في الدعاء الوارد عن الناحية المقدسة:
«اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرّفني رسولك، فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني».
النتيجة التي ينتهي إليها الدعاء صريحة: عدم معرفة الحجة ضلالٌ عن الدين كله، لأن الحجة ليس جزءًا منفصلًا عن الدين، بل هو الطريق الذي تتكامل به معرفة الله ورسوله. ويمكن مراجعة نص الدعاء في دعاء زمن الغيبة.
بناء «الاقتصاد» على الأصول الخمسة
وضع الشيخ الطوسي كتابين اتخذا طابع الدليل العملي:
«النهاية» في الفقه والأحكام العملية.
«الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد» في العقائد والعبادات.
رتب الطوسي مباحث «الاقتصاد» على النحو الآتي: التوحيد، ثم العدل، ثم الوعد والوعيد والمعاد، ثم النبوة، ثم الإمامة، ثم العبادات. وبذلك وُضعت الإمامة داخل سلسلة من الأصول المتجاورة، بدل أن تكون الأصل الذي تُعرف من خلاله بقية الحقائق.
ويظهر أثر البناء المعتزلي في فصل العدل عن التوحيد. ولو كان التوحيد في هذا التقسيم جامعًا لمعرفة الله سبحانه، لما احتيج إلى إخراج العدل منه وجعله أصلًا مستقلًا؛ لأن الإله الذي يُوحَّد هو الإله العادل، ولا يكون التوحيد معرفةً حقيقية بالله إذا نُزع عنه العدل.
تنقيص حقيقة علم الإمام
لم يقف أثر هذا البناء عند تقسيم أصول الدين، بل ظهر في تحديد حقيقة الإمام وعلمه. قال الشيخ الطوسي في «الاقتصاد»:
«وإنما قلنا إنه يجب أن يكون أفضل فيما هو إمام فيه».
فجعل الأفضلية المطلوبة للإمام محصورةً في المجال الذي يتولى فيه الإمامة، ثم قال:
«ويجب أيضًا أن يكون الإمام عالمًا بتدبير ما هو إمام فيه».
وقال:
«ولا يلزم إذا قلنا إنه يجب أن يكون عالمًا بما أُسند إليه أن يكون عالمًا بما ليس هو إمامًا فيه، كالصنائع وغير ذلك؛ لأنه ليس هو رئيسًا فيها».
ثم قرر أنه إذا وقع اختلاف بين أصحاب الخبرة في بعض الشؤون:
«ففرضه الرجوع إلى أهل الخبرة والحكم بما يقولونه».
وقال كذلك:
«ولا يلزم أيضًا أن يكون عالمًا بصدق الشهود والمقرّين على أنفسهم؛ لأنه إنما جُعل إمامًا في الحكم بالظاهر دون الباطن».
هذه النصوص تجعل علم الإمام علمًا محدودًا بالوظيفة الظاهرة، وتجعله محتاجًا إلى أهل الخبرة في المجالات الأخرى، كما تنفي لزوم علمه بحقائق الشهود وبواطنهم.
ويبلغ هذا المنهج غايته في قوله:
«ولا يلزم أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام عالمًا بجميع الشرع في حياة النبي صلى الله عليه وآله، أو الحسن والحسين عليهما السلام في حياة أبيهما، بل إنما يأخذ المؤهل للإمامة العلم ممن قبله شيئًا بعد شيء، ليتكامل عند آخر نفس من الإمام المتقدم عليه».
هذا التصوير لا ينسجم مع حقيقة الإمام في حديث العترة الطاهرة؛ فالإمام ليس متعلمًا عاديًا تتجمع عنده أجزاء العلم شيئًا بعد شيء حتى اللحظة الأخيرة من حياة الإمام السابق. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين عليهما السلام:
«الحسن والحسين إمامان، قاما أو قعدا».
كما أن أمير المؤمنين عليه السلام هو صاحب علم الكتاب بشهادة القرآن الكريم:
﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
فلم تقل الآية إن عنده علمًا من الكتاب، وإنما أثبتت له «علم الكتاب» على نحو الإحاطة والشمول.
أمير المؤمنين هو الذي عنده علم الكتاب
ذكر الشيخ الطوسي في تفسيره «التبيان» عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
عدة أقوال، فكتب:
«حكى تعالى عن الكفار أنهم يقولون لك يا محمد إنك لست مرسلًا من جهته تعالى، فقل لهم أنت: حسبي الله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب».
ثم أورد أن المراد قد يكون مَن آمن من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما، ونقل قولًا يجعل المراد الله سبحانه.
وبعد تقديم هذه الأقوال ذكر رواية الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام:
«هم أئمة آل محمد صلى الله عليه وآله؛ لأنهم الذين عندهم علم الكتاب بجملته، لا يشذ عنهم شيء من ذلك، دون مَن ذكروه».
يمكن مراجعة الأقوال بنصها في تفسير التبيان، سورة الرعد، الآية 43.
وقد حسم الإمام الباقر عليه السلام المراد من الآية. روى الكليني، المتوفى سنة 329هـ، في «الكافي» عن بريد بن معاوية أنه سأل الإمام عن قوله تعالى:
﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.
فقال عليه السلام:
«إيّانا عنى، وعليٌّ أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله».
النص منشور في الكافي، كتاب الحجة، باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب.
فالشاهد الذي قرنه الله بشهادته هو أمير المؤمنين عليه السلام، لا أحبار اليهود والنصارى، ولا عبد الله بن سلام، ولا غيره. والتعبير القرآني لا يقول إن عند أمير المؤمنين جزءًا من علم الكتاب أو قدرًا يكفي لإقامة الشهادة، بل يثبت له علم الكتاب.
الفرق بين «علمٍ من الكتاب» و«علم الكتاب»
فرّق القرآن بين مَن عنده علمٌ جزئي من الكتاب، وبين مَن عنده علم الكتاب كله.
قال تعالى في صاحب سليمان عليه السلام:
﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾.
فآصف بن برخيا كان عنده «علمٌ من الكتاب»، أي جزء من العلم، ومع ذلك استطاع بهذا الجزء أن يأتي بعرش بلقيس قبل ارتداد الطرف.
أما أمير المؤمنين عليه السلام فقد وصفه القرآن بأنه صاحب «علم الكتاب» من دون تبعيض. وروي في تفسير علي بن إبراهيم القمي، المتوفى نحو سنة 329هـ:
«ما كان علم الذي عنده علمٌ من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض، وجميع ما فُضّل به النبيون إلى خاتم النبيين، في عترة خاتم النبيين».
يمكن مراجعة الروايات في تفسير القمي في بيان علم الكتاب.
فإذا كان الجزء اليسير من علم الكتاب يُجري ذلك التصرف في عالم التكوين، فكيف يكون مقام صاحب علم الكتاب كله؟ وكيف يُحصر علمه في القضاء الظاهري وبعض شؤون الرئاسة، ويُجعل محتاجًا إلى أهل الخبرة ليخبروه بما لا يعلم؟
وقد وصف الله القرآن بقوله:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وأمير المؤمنين عليه السلام لا يفترق عن القرآن:
«عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».
وهو لا يفترق عن الحق:
«عليٌّ مع الحق، والحق مع عليّ».
مقام الإمام ليس تفاضلًا وظيفيًّا
تناول الشيخ الطوسي في «تلخيص الشافي» مسألة أفضلية الإمام، وربطها بوجوب أن يكون أكثر ثوابًا من رعيته حتى يكون قدوةً لهم، وحتى لا ينفر الناس من طاعة مَن يساويهم أو يكون دونهم.
لكن مقام الإمام في كلمات محمد وآل محمد لا يُختزل في كونه شخصًا أكثر ثوابًا من غيره بدرجةٍ تجعله صالحًا للرئاسة. إنهم محال معرفة الله، ومساكن بركته، وأبواب الإيمان، وأمناء الرحمن، وورثة الأنبياء.
نقول في الزيارة الجامعة الكبيرة:
«السلام على محال معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سر الله».
ونقول:
«السلام على الدعاة إلى الله، والأدلاء على مرضاة الله، والمستقرين في أمر الله، والتامّين في محبة الله، والمخلصين في توحيد الله، والمظهرين لأمر الله ونهيه».
ونقول:
«اصطفاكم بعلمه، وارتضاكم لغيبه، واختاركم لسره، واجتباكم بقدرته».
ونقول:
«طأطأ كل شريف لشرفكم، وبخع كل متكبر لطاعتكم، وخضع كل جبار لفضلكم، وذل كل شيء لكم».
فهذا مقام اصطفاءٍ إلهي شامل، لا مجرد تفوق نسبي في الثواب أو القدرة على إدارة شؤون الرعية.
وقد ورد في الخطاب الشريف:
«لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك، بدؤها منك وعودها إليك، أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد وحفظة وروّاد».
كما وصفت الزيارة الجامعة الأئمة عليهم السلام:
«السلام على أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأعلام التقى، وذوي النهى، وأولي الحجى، وكهف الورى، وورثة الأنبياء، والمثل الأعلى، والدعوة الحسنى، وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى».
وقال الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
فمحمد وآل محمد هم المثل الأعلى الذي جعله الله حجةً على أهل الدنيا والآخرة والأولى.
أثر فقه المخالفين في الاستدلال العقدي
في سياق حديثه عن الأفضلية والرئاسة ضرب الشيخ الطوسي مثالًا بفقهاء المخالفين، فقال:
«وكما عُلم فقه أبي حنيفة والشافعي ومالك، وأنه لم يتقدمهم أحد».
ورود أبي حنيفة والشافعي ومالك بوصفهم نموذجًا معلومًا للتقدم الفقهي داخل بحثٍ عقدي يتناول مقام الإمام يكشف مدى حضور المرجعية السنية في بنية الاستدلال. فبدل أن تُبنى معرفة الإمام من القرآن وحديث محمد وآل محمد وزياراتهم وأدعيتهم، دخلت نماذج المخالفين ومقاييسهم في تصوير معنى الأفضلية والإمامة.
وقد جاء في الكتاب المنسوب إلى الناحية المقدسة والموجه إلى الشيخ المفيد:
«مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعًا، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون».
حصر الشفاعة في إسقاط العقوبة
ظهر التأثر بالمخالفين كذلك في تعريف الشيخ الطوسي للشفاعة. قال في «الاقتصاد»:
«ولا خلاف بين الأمة أن للنبي صلى الله عليه وآله شفاعة وأنه يشفع».
ثم عرّفها بقوله:
«والشفاعة حقيقتها في إسقاط المضار المستحقة».
وانتهى إلى أنها:
«حقيقة في إسقاط المضار دون زيادة المنافع».
يمكن مراجعة النص في فصل الشفاعة من كتاب الاقتصاد.
بهذا التعريف حصر الطوسي الشفاعة في إسقاط العقوبة، موافقًا القول الأشعري، وأخرج منها زيادة الدرجات والمنافع. كما اقتصر كلامه على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله، من دون بيان الشفاعة الشاملة لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم.
لكن القرآن الكريم يجمع بين محو السيئات وزيادة الحسنات، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
فلم يقتصر الفضل الإلهي على إسقاط السيئات، وإنما بدّلها حسنات. وهذا جمعٌ صريح بين إزالة المضار وزيادة المنافع.
شفاعة محمد وآل محمد شفاعة شاملة
نخاطب إمام زماننا صلوات الله عليه:
«وأنت الشافع الذي لا ينازع، والولي الذي لا يدافع».
ونقول:
«أشهد أن بولايتك تُقبل الأعمال، وتُزكّى الأفعال، وتُضاعف الحسنات، وتُمحى السيئات».
ونقول:
«فمن جاء بولايتك واعترف بإمامتك قُبلت أعماله، وصُدّقت أقواله، وتضاعفت حسناته، ومُحيت سيئاته».
هذه النصوص تجمع بوضوح بين محو السيئات ومضاعفة الحسنات، فلا تُحصر الشفاعة في إسقاط العقاب وحده. ويمكن مراجعتها في زيارة صاحب الأمر عليه السلام.
وفي دعاء التوسل نتوجه إلى جميع المعصومين الأربعة عشر، ونقول للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام:
«يا فاطمة الزهراء، يا بنت محمد، يا قرة عين الرسول، يا سيدتنا ومولاتنا، إنا توجهنا واستشفعنا وتوسلنا بك إلى الله، وقدمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهةً عند الله، اشفعي لنا عند الله».
وفي سجدة زيارة عاشوراء نقول:
«اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود، وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام».
طلب «قدم الصدق» مع الحسين وأصحابه طلبٌ لزيادة المنزلة والدرجة، وليس مجرد طلبٍ لإسقاط العقوبة.
وروى الشيخ الصدوق في كتاب «صفات الشيعة» عن الإمام الصادق عليه السلام:
«ليس من شيعتنا مَن أنكر أربعة أشياء: المعراج، والمساءلة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة».
النص متاح في صفات الشيعة.
وشفاعة محمد وآل محمد ليست محصورةً في يوم القيامة؛ فهي جارية في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر، والبرزخ، والحشر، والحساب، وسائر مراحل الوجود. إنهم أبواب الرحمة وأولياء النعم، وقد ورد في الزيارة الجامعة:
«وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم».
أولياء النعم وحملة السر الإلهي
من أوصاف الأئمة عليهم السلام في الزيارة الجامعة أنهم:
«أولياء النعم».
فكل نعمة تصل إلى الخلق تجري بإذن الله من طريقهم، لأنهم أبوابه ووسائط فيضه وحملة أمره. وفي الزيارة الواردة في رجب عن الناحية المقدسة:
«أنا سائلكم وآملكم فيما إليكم التفويض وعليكم التعويض».
ومعرفتهم ليست معرفة حكامٍ أو فقهاء محدودي الاختصاص، بل معرفة الحجج الذين اصطفاهم الله لعلمه وغَيبه وسره. ولذلك نقول في دعاء الفرج:
«يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، اكفياني فإنكما كافيان، وانصراني فإنكما ناصران».
إنها الكفاية المستمدة من الله، والممنوحة لمحمد وآل محمد لأنهم أبوابه وحججه وخلفاؤه في خلقه.
النتيجة
المَعْلَم الثاني للمذهب الطوسي لم يكن مجرد ترتيب اصطلاحي لأبواب علم الكلام، بل كان تحولًا في أصل النظر إلى الدين والإمام:
تحولت الإمامة من أصل الدين الجامع إلى واحد من خمسة أصول.
أُدخل التقسيم الأشعري والمعتزلي في بناء العقيدة.
حُصر علم الإمام في مجال رئاسته الظاهرة.
جُعل الإمام محتاجًا إلى أهل الخبرة في بعض الشؤون.
نُفي لزوم علمه بالبواطن.
صُوّر علم الأئمة وكأنه يتكامل بالتلقي التدريجي.
قُدّمت أقوال المخالفين في تفسير آية «علم الكتاب» على البيان الصريح الوارد عن العترة.
حُصرت الشفاعة في إسقاط العقوبة، مع تغييب شفاعة آل محمد وزيادة الدرجات والمنافع.
أما العقيدة المحمدية العلوية فتبدأ من الإمام وتنتهي إليه؛ لأنه باب معرفة الله، وأصل الدين، وصاحب علم الكتاب، والحجة على أهل الدنيا والآخرة والأولى.
التوحيد يُؤخذ عن محمد وآل محمد، والنبوة تُعرف بهم، والكتاب يُفهم منهم، والشفاعة لهم، والرجوع إلى الله لا يكون إلا من الباب الذي أمر الله بالدخول منه.
«مَن أراد الله بدأ بكم، ومَن وحّده قَبِل عنكم، ومَن قصده توجّه بكم».
ومن هنا يظهر الفرق بين دينٍ بُني على بيعة الغدير ومعرفة إمام الزمان، وبين بناءٍ كلامي دخلت فيه أصول المخالفين ومقاييسهم، فتحولت الإمامة فيه من أصل الدين إلى مسألةٍ مؤخرة بين مسائل العقيدة.
«اللهم عرّفني حجتك، فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني».
