جاري التحميل...
جاري التحميل...
٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
تكشف وثائق الحلقة 446 من برنامج «الخاتمة»، وعنوانها «صولة القمر»، أن التحريف الذي أصاب كتب القدماء لم يكن دائمًا بإتلاف الكتاب كله، بل وقع بصورة انتقائية في المواضع العقدية والعبادية والمالية المهمة. فالكتاب يبقى متداولًا ومحفوظ الاسم، لكن نصوصًا بعينها تُحذف أو تُبدّل أو تُنقل بعبارات مضطربة، ثم تتحول النسخة المتأخرة إلى مرجع تُبنى عليه العقيدة والفتوى.
رتّب الشيخ عبد الحليم الغزي شواهد الحلقة في مثالين كبيرين. بدأ بتوقيع إسحاق بن يعقوب، وبيّن كيف وصل إلى الشيعة من طريق محمد بن يعقوب الكليني، ثم سأل: لماذا لا نجده في كتاب الكافي المتداول؟ وبعد ذلك انتقل إلى كتاب «من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق، فتتبع نسبة سهو النبي إليه، واضطراب عبارة «مصنف هذا الكتاب»، ونصوص الأذان والشهادة الثالثة والتشهد، ثم تحريف الزيارة الجامعة الكبيرة. وهذا البحث يلتزم ترتيب الملخص نفسه، حتى تتجمع القرائن كما عرضها الشيخ وتظهر النتيجة التي ختم بها الحلقة.
المراد بالتحريف الانتقائي أن تؤخذ الكتب المهمة التي لا يمكن إخفاؤها كاملة، فيقع العبث في أجزاء محددة منها: حذفًا، أو تغييرًا، أو تضييعًا، أو إعادة ترتيب. ويجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار أن المخطوطات الأصلية لكتب القدماء ليست بين أيدينا، وأن كتبًا شيعية أُحرقت وأُتلفت ثم أُعيد نسخها وترتيبها، ولذلك لا تكفي شهرة اسم الكتاب لإثبات أن كل ما في نسخته المتداولة هو النص الذي تركه مؤلفه.
توقيع إسحاق بن يعقوب جواب عن رسالة اشتملت على مسائل وُجّهت إلى الناحية المقدسة، فجاء الجواب عن طريق السفير الثاني محمد بن عثمان العمري. وكان التوقيع في دائرة السر بين الناحية المقدسة والسفير الثاني وإسحاق بن يعقوب، ثم خرج إلى دائرة العلن ووصل إلى الأوساط الشيعية من طريق محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي.
أقدم مصدر باقٍ بين أيدينا يشتمل على التوقيع هو كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، المتوفى سنة 381 للهجرة، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي، قم، صفحة 510، الحديث الرابع. وقد رواه الصدوق بهذا الطريق:
«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِصَامٍ الْكُلَيْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ».
فمحمد بن محمد بن عصام الكليني من مشايخ الصدوق، وقد أخذ التوقيع عن محمد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي، والكليني نقله عن إسحاق بن يعقوب. وبذلك خرج التوقيع من دائرة السر إلى دائرة العلن عن طريق صاحب الكافي، ثم رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين.
المصدر الثاني هو كتاب الغيبة للشيخ محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة 460 للهجرة، طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت، صفحة 189. وقد أورد الطوسي طريقًا آخر ينتهي هو أيضًا إلى محمد بن يعقوب الكليني:
«وَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ، وَأَبِي غَالِبٍ الزُّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: سَأَلْتُ».
فالطريق الأول نقله الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام الكليني، والطريق الثاني نقله الطوسي عن جماعة منهم جعفر بن محمد بن قولويه وأبو غالب الزراري، لكن الطريقين يلتقيان عند محمد بن يعقوب الكليني، ومنه إلى إسحاق بن يعقوب. وهذا يثبت أن صاحب الكافي كان حامل التوقيع ومصدره للذين رووه بعده.
هنا يبرز السؤال الأساس: إذا كان الصدوق قد أخذ التوقيع بطريق ينتهي إلى محمد بن يعقوب الكليني، وإذا كان الطوسي قد أخذه بطريق آخر يلتقي عند الكليني نفسه، فلماذا لا نجد هذا التوقيع المهم في كتاب الكافي المتداول؟
تزداد قوة السؤال حين نرجع إلى مقدمة الكافي، طبعة دار الأسوة، طهران، صفحة 23 بحسب الطبعة المعروضة في الحلقة؛ فالكليني يخاطب الشخص الذي طلب منه تأليف الكتاب بقوله:
«وَقُلْتَ إِنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ كِتَابٌ كَافٍ يَجْمَعُ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ فُنُونِ عِلْمِ الدِّينِ».
ومع أن التوقيع وصل إلى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي من طريق صاحب الكافي، فإننا لا نجده في النسخة المتداولة من الكافي. ويلاحظ أيضًا أن الكليني لا يتحدث في مجموع كتابه عن السفيرين الثالث والرابع، وأن ما ورد في صفحة 369، في باب تسمية من رآه، يشتمل على مدح للسفيرين الأول والثاني.
وهذا التوقيع من أهم التوقيعات الصادرة عن الناحية المقدسة، لأنه يتناول مسائل مهمة، ومنها الخمس وصلة الإمام. ومن نصه:
«وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا، وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا، لِتَطِيبَ وِلَادَتُهُمْ وَلَا تَخْبُثَ».
فالتوقيع يثبت إباحة الخمس للشيعة إلى وقت الظهور الشريف، ويتحدث عن صلة الإمام بوصفها عبادة مالية كانت جارية في زمن الغيبة الأولى. ومع ذلك لا نجد نص التوقيع في الكافي، كما أن ترتيب أبواب الخمس في النسخة المتداولة منه جاء مضطربًا؛ فذُكر الخمس في قسم الاعتقادات ولم يظهر في أبواب الرسالة العملية بالصورة المتوقعة، بينما تقدّم ذكر صلة الإمام في التوقيع ثلاث مرات.
والقرائن تجتمع على أن التوقيع كان معروفًا عند الكليني: فهو الراوي الوحيد الذي انتشر التوقيع من طريقه، والصدوق والطوسي يرويانه عنه بطريقين، ثم يغيب النص من كتابه المتداول. وهذه هي صورة التحريف الانتقائي: لم يكن ممكنًا إتلاف كتاب الكافي المشهور إتلافًا كاملًا، فوقع العبث في المواضع المهمة بالحذف والتغيير والتضييع.
بعد المثال الأول ننتقل إلى كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق. والصدوق توفي سنة 381 للهجرة، أما الكليني فتوفي سنة 328 للهجرة. وفي الجزء الأول من الفقيه، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي، قم، تبدأ الفقرة المنسوبة إلى الصدوق في صفحة 358 وتنتهي في صفحة 360، ومنها شاع القول إن الشيخ الصدوق يعتقد بسهو النبي صلى الله عليه وآله.
ولا يبدأ الاستدلال من هذه الفقرة المضطربة، بل يجب الرجوع أولًا إلى كتب الصدوق التي دوّن فيها عقيدته صراحة، ثم المقارنة بينها وبين الكلام الموجود في الفقيه.
في كتاب الهداية في الأصول والفروع، طبعة مؤسسة الإمام الهادي صلوات الله عليه، الطبعة الثانية، قم، صفحة 30، يتحدث الصدوق عن الأنبياء، ثم ينتقل في صفحة 31 إلى الأئمة صلوات الله عليهم فيقول:
«وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ، وَأَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ، وَأَنَّهُمْ أَبْوَابُ اللَّهِ وَالسَّبِيلُ إِلَيْهِ وَالدُّلَّاءُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ عَيْبَةُ عِلْمِهِ وَتَرَاجِمَةُ وَحْيِهِ وَأَرْكَانُ تَوْحِيدِهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَإِ وَالزَّلَلِ، وَأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَأَنَّ لَهُمُ الْمُعْجِزَاتِ وَالدَّلَائِلَ، وَأَنَّهُمْ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ، وَأَنَّ مَثَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ وَكَبَابِ حِطَّةٍ، وَأَنَّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ الْمُكْرَمُونَ الَّذِينَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ».
هذه عقيدة الصدوق الموجزة: تنزيه النبي والأئمة عن كل خطأ وزلل ونقص، ولا يوجد في كتاب الهداية ذكر للسهو والنسيان مطلقًا.
وفي كتاب الاعتقادات، طبعة مؤسسة الإمام الهادي صلوات الله عليه، الطبعة الأولى، قم، صفحة 304، باب الاعتقاد في العصمة، يقرر الصدوق:
«اعْتِقَادُنَا فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَأَنَّهُمْ لَا يُذْنِبُونَ ذَنْبًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا، وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَمَنْ نَفَى عَنْهُمُ الْعِصْمَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فَقَدْ جَهِلَهُمْ، وَاعْتِقَادُنَا فِيهِمْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكَمَالِ وَالتَّمَامِ وَالْعِلْمِ مِنْ أَوَائِلِ أُمُورِهِمْ إِلَى أَوَاخِرِهَا، لَا يُوصَفُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِنَقْصٍ وَلَا عِصْيَانٍ وَلَا جَهْلٍ».
فهذا نص آخر صريح في عقيدة الصدوق، ولا ينسجم مع نسبة سهو النبي إليه.
أما كتاب النبوة المنسوب إلى الصدوق، فالنسخة الأصلية منه غير موجودة بين أيدينا. وقد جمعت مؤسسة شمس الضحى الثقافية ما نُقل في الكتب الشيعية عن كتاب النبوة وطبعت تلك النقول تحت عنوان «كتاب النبوة». وفي الباب العشرين، صفحة 347، لا يوجد تصريح ولا تلميح يدل على أن الصدوق كان يعتقد بسهو النبي أو نسيانه.
وفي الكتاب المطبوع بعنوان تفسير القرآن للشيخ الصدوق، الجزء الثاني، طبعة مؤسسة شمس الضحى الثقافية، صفحة 164، وردت الآية الثامنة والستون من سورة الأنعام:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام 68).
لكن الصدوق لم يذكر عند هذه الآية سهو المعصوم أو نسيانه، ولم يشر إلى هذا المعنى من قريب أو بعيد. وإنما جاء الكلام عن سهو محمد وآل محمد في تفسير الشيخ الطوسي، كما ورد عند الطبرسي في مجمع البيان، لا في كلام ثابت عن الشيخ الصدوق.
النص الموجود في الفقيه ينقل عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، أستاذ الصدوق، قوله:
«وَكَانَ شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: أَوَّلُ دَرَجَةٍ فِي الْغُلُوِّ نَفْيُ السَّهْوِ عَنِ النَّبِيِّ».
الشيخ المفيد، وهو من تلامذة الصدوق، توفي سنة 413 للهجرة. وحين ناقش عقائد الصدوق لم ينقل عنه هذا القول، مع أنه لو كان ثابتًا في أهم كتبه الفقهية لكان موضعًا مباشرًا للمناقشة. وفي كتاب تصحيح اعتقادات الإمامية، طبعة دار المحجة البيضاء، صفحة 113، نقل المفيد حكاية عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد بصيغة التمريض، ثم قال:
«فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ فَهُوَ مُقَصِّرٌ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْقُمِّيِّينَ وَمَشَايِخِهِمْ».
فالمفيد لم ينسب القول إلى الصدوق، ولم يقطع بثبوت الحكاية عن ابن الوليد، بل علّق الحكم على صحتها. أما النص الموجود في الفقيه فجاء جازمًا قاطعًا، ونسب العبارة إلى أستاذ الصدوق. وهذا الفرق قرينة أخرى على اضطراب النص.
والصدوق نفسه قال في مقدمة الفقيه إنه لا يورد فيه إلا ما يفتي به ويحكم بصحته ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربه. ثم أضاف، بحسب الكلام الموجود في النسخة المتداولة، أنه عزم على تصنيف كتاب مستقل في إثبات سهو النبي والرد على منكريه، لكن هذا الكتاب لم يصل إلينا ولا ذُكر ضمن الكتب التي وصلت أو حتى ضمن أسماء كتبه الأخرى.
النص الموجود في الفقيه لا يستقر على معنى واحد؛ يبدأ بالسهو ثم ينتقل إلى الإسهاء. والسهو حالة تقع من الإنسان، أما الإسهاء ففعل يُنسب إلى الله وحكمته. والعبارة المنقولة تقول إن النبي لا يسهو كسهو الناس، وإنما أسهاه الله ليُعلم أنه بشر مخلوق فلا يُتخذ ربًا معبودًا من دونه.
لكن الانتقال من السهو إلى الإسهاء لا يزيل التناقض؛ فإذا قيل إن الله أسهاه لأجل حكمة، فهذا يعني أن الخلل لم يقع من النبي ابتداءً، ولا يصح بعد ذلك أن يُجعل الكلام دليلًا على أن المعصوم يسهو. كما أن النص يعود مرة إلى السهو، ومرة إلى الإسهاء، ثم إلى كلام ابن الوليد، ثم إلى كتاب موعود لم يصل. وهذا الاضطراب نفسه شاهد على أن الفقرة لم تبق على صورتها الأولى.
إن التركيز المتكرر على هذه الفقرة المضطربة جعل القول بسهو النبي ينتشر في المجالس والكتب، مع أن الصدوق لم يذكره في كتبه العقدية، وأن الشيخ المفيد لم ينسبه إليه. وهكذا يثبت في الأذهان قول «الصدوق يقول بسهو النبي»، ثم يُغفل أن النص نفسه يتحدث عن الإسهاء، وأن عقيدة الصدوق الصريحة تناقض هذه النسبة.
فالقول القبيح عند الطوسي يُذكر حين يكون الحديث عن الصدوق وسهو المعصوم، ثم يتحول بمرور الزمن إلى عقيدة شائعة لا تُفحص أصولها. ومن هنا يجب جمع القرائن من كتب الصدوق ومن كلام الشيخ المفيد، حتى لا تبقى العبارة المحرّفة أقوى من النصوص العقدية الصريحة.
عقيدة الصدوق التي دوّنها في الهداية والاعتقادات تنزه النبي والأئمة عن الخطأ والزلل والنقص. ولو كان يعتقد بسهو المعصوم لذكر ذلك في كتبه العقدية، ولناقشه تلميذه الشيخ المفيد في هذا القول، ولظهر الكتاب الذي وعد بتصنيفه. أما أن تنتشر النسبة من فقرة مضطربة في نسخة متأخرة، مع غياب الأصل والكتاب الموعود، فلا يجعلها عقيدة ثابتة للشيخ الصدوق.
تزداد احتمالات التحريف حين نقرأ في الفقيه، صفحة 359 بحسب الطبعة المعروضة، العبارة:
«قَالَ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ رَحِمَهُ اللَّهُ».
فالصدوق هو مصنف الكتاب، والمصنف لا يخاطب نفسه في كتابه بهذه الطريقة، ولا يقول عن نفسه «مصنف هذا الكتاب»، ثم يترحم على نفسه بقوله «رحمه الله». هذه صيغة ناقل يتحدث عن مؤلف غائب، وهي دليل على أن الكلام أُثبت في الكتاب بعد وفاة الصدوق، أو أن النسخة التي وصلت إلينا كُتبت بعد وفاته.
ثم يأتي بعدها كلام عن الغلاة والمفوضة، ثم يعود النص إلى الإسهاء، فتارة يكون الكلام عن السهو وتارة عن الإسهاء، ثم ينتقل إلى كلام ابن الوليد وإلى كتاب موعود. فالكاتب مضطرب، والعبارة نفسها تشهد بأن شخصًا آخر يتحدث عن المصنف.
بعد قضية السهو يأتي نص الأذان والإقامة والشهادة الثالثة. وجاء في النسخة المتداولة:
«وَقَالَ مُصَنِّفُ هَذَا الْكِتَابِ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا هُوَ الْأَذَانُ الصَّحِيحُ، لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَالْمُفَوِّضَةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ قَدْ وَضَعُوا أَخْبَارًا وَزَادُوا فِي الْأَذَانِ مُحَمَّدٌ وَآلُ مُحَمَّدٍ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمْ بَعْدَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ: أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا وَلِيُّ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى بَدَلَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا مَرَّتَيْنِ».
وهنا يتكرر لحن «وقال مصنف هذا الكتاب رحمه الله»، وهو اللسان نفسه الذي ظهر في كلام سهو المعصوم. ثم يخلط النص بين الأذان والإقامة؛ فيذكر «حي على خير العمل» و«الصلاة خير من النوم» ضمن ترتيب لا ينسجم مع الفارق المعروف بينهما، ويعامل الإقامة كأنها الأذان مع أن عدد التكبير والتهليل وفصول الإقامة مختلفة. فالكلام مضطرب في قائله وفي موضوعه، ولا يصح أن يتحول إلى حجة على عقيدة الصدوق.
وردت صيغة التشهد في النسخة المتداولة من الفقيه، صفحة 319 بحسب الملخص، هكذا:
«وَأَشْهَدُ أَنَّ رَبِّي نِعْمَ الرَّبُّ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا نِعْمَ الرَّسُولُ».
ثم انقطع الكلام. ولا نجد في هذه الصيغة صلاة على محمد وآل محمد ولا ذكرًا لولاية أمير المؤمنين. وفي فقه الرضا، طبعة مؤسسة النشر الإسلامي، قم، صفحة 49، يرد بعد تشهد الصلاة:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى، وَعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى، وَفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَعَلَى الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ مِنْ آلِ طه وَيَاسِين. أَشْهَدُ أَنَّكَ نِعْمَ الرَّبُّ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا نِعْمَ الرَّسُولُ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ نِعْمَ الْمَوْلَى».
الصيغة الثانية تشبه صيغة الفقيه، لكنها لا تنقطع عند «نعم الرسول»، بل تتم بذكر أمير المؤمنين. والتحريف هنا واضح في التشهد؛ فليس لازمًا أن نعرف صورة النص الأول حرفًا حرفًا، لكن النسخة المتداولة قطعت الكلام وحذفت ما يميز الصلاة الشيعية من الصلاة على محمد وآل محمد وذكر ولاية علي.
بعد الأذان والتشهد جاء المثال الأخير في الحلقة 446 من برنامج الخاتمة للشيخ الاستاذ عبدالحليم الغزي: الزيارة الجامعة الكبيرة.
ففي الجزء الثاني من من لا يحضره الفقيه، طبعة مؤسسة الإمام الهادي صلوات الله عليه، الطبعة الثانية، قم، 1426 هجري قمري، ورد:
«مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ».
لكن الصدوق نفسه يروي الزيارة في عيون أخبار الرضا، الجزء الثاني، طبعة مؤسسة الأعلمي، بيروت، صفحة 308، بالنص:
«مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ».
الفارق بين «توجّه بكم» و«توجّه إليكم» ليس فرقًا أسلوبيًا؛ فصيغة «إليكم» تجعلهم الجهة التي يتوجه إليها القاصد إلى الله، لأنهم وجه الله الذي منه يؤتى. وهي تنسجم مع قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة 115).
وتنسجم مع ما جاء في دعاء الندبة:
«أَيْنَ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْأَوْلِيَاءُ».
وقد نقل المحدّث الشافعي إبراهيم بن محمد الجويني الخراساني، من أعلام القرنين السابع والثامن، الزيارة في فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذريتهم، طبعة دار الحبيب، الجزء الثاني، تحقيق محمد باقر المحمودي، صفحة 183، عن عيون أخبار الرضا بالنص:
«وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ».
وتكشف مقارنة طبعات عيون أخبار الرضا اختلافًا آخر؛ ففي طبعة مؤسسة الأعلمي جاءت «إليكم»، بينما ظهرت «بكم» في طبعة مؤسسة شمس الضحى، صفحة 498. وهذا اختلاف يغير المعنى والمضمون، ولا يجوز دفنه أو توحيد ألفاظه من غير بيان.
في تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، الجزء السادس، طبعة مكتبة صدوق، طهران، صفحة 112، وردت صيغة:
«مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ».
وتقود المقارنة إلى أن الشيخ الطوسي هو مصدر هذا التحريف في الصيغة التي نُقلت على وفق نص التهذيب، وأن كتاب الفقيه نُسّق بصورة تنسجم مع هذا الاتجاه. ولم يكن من نقل الزيارة من عيون أخبار الرضا لينتبه إلى أن صيغة «إليكم» محفوظة في كتاب آخر للصدوق، لأن عيون أخبار الرضا لم يكن مشهورًا كشهرة الفقيه.
بعد توقيع إسحاق بن يعقوب وغيابه من الكافي، ثم سهو النبي في الفقيه، فالشهادة الثالثة، فالتشهد، فالزيارة الجامعة الكبيرة، تجتمع هذه المواضع في نتيجة واحدة:
«فَمِثْلَمَا حَرَّفُوا هُنَا حَرَّفُوا فِي مَوْضُوعِ السَّهْوِ، وَحَرَّفُوا فِي مَوْضُوعِ الشَّهَادَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَحَرَّفُوا فِي مَوْضُوعِ التَّشَهُّدِ الْوُسْطِيِّ، بِحَيْثُ حُذِفَتِ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ الْمِيزَةُ الْوَاضِحَةُ فِي الصَّلَاةِ الشِّيعِيَّةِ. هَذِهِ أَمْثِلَةٌ مِنْ كِتَابَيْنِ فَقَطْ: مِنْ كِتَابِ الْكَافِي لِلْكُلَيْنِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ الْفَقِيهِ لِلصَّدُوقِ».
فالنتيجة هي وقوع التحريف في كتب القدماء على أيدي شيعية. وهذه المواضع أمثلة من كتابين فقط: كتاب الكافي للكليني وكتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق.