جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 446
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 17 ذي القعدة 1444هـ الموافق 6 / 6 / 2023م
تأتي هذه المحاضرة بصفة استكمال وتتمة لما شَرَع فيه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة السابقة تحت العنوان المنهجي الكبير: جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، ضمن برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة). ويُبيّن الشيخ أن هذه الجريمة يُلخِّصها شَقّان رئيسان؛ الشق الأول وهو التحريف الديني والتزييف العقائدي مع الإصرار عليهما نظريًا وعمليًا، والشق الثاني وهو محاربة برنامج العترة الموسوم بـ هندسة العترة لحفظ الدين. وتُمثّل هذه الحلقة انتقالاً تفصيلياً لمتابعة مجريات الشق الأول عبر حزمة من العناوين الاستراتيجية الكاشفة لآليات التحريف والإقصاء.
تتحدد الفكرة العامة للحلقة في إرساء خريطة طريق موضوعية تفضح أبعاد التحريف الديني والتزييف العقائدي الذي مارسته المؤسسة الطوسية عبر عشرة عناوين كليّة، يقف الشيخ في هذه الحلقة عند أولها وهو التحريف الانتقائي (التحريف الجزئي لأهم كتب الحديث) كمدخل لتغييب معالم التراث الشيعي الأصيل. وتكتمل الصورة العامة باستعراض بقية العناوين التي تشمل: التحريف العلمي التأسيسي المتمثل في عملية الاجتهاد البتري، وتدمير المنظومة التفسيرية، ومشاريع التدمير والتزييف على المستوى المرجعي، وإسقاط وتضعيف كتب الحديث، واستبدال القدوات المعصومة بالقدوات المزيفة، والإعراض عن منظومة الأدعية والزيارات، وتلقيح الأخلاق والسلوك بالفكر الناصبي، وثقافة التقريب وتزييف التاريخ، وتطويع الدين لخدمة السياسة وفق الثقافة القطبية.
يستعرض الشيخ التطبيق الأول لعنوان التحريف الانتقائي من خلال البحث في توقيع إسحاق بن يعقوب الصادر عن الناحية المقدسة بوساطة السفير الثاني محمد بن عثمان العمري. ويؤكد الشيخ أن المصدرين الأقدم للرواية وهما كتاب كمال الدين وتمام النعمة لـ الشيخ الصدوق وكتاب الغيبة لـ الشيخ الطوسي يُسندان التوقيع الشريف حصريًا إلى محمد بن يعقوب الكليني صاحب كتاب الكافي. ويرى الشيخ أنه بالرغم من أن التوقيع الشريف لم يخرج إلى العلن الشيعي إلا عبر الشيخ الكليني، إلا أن البحث المتأمل في النسخ الحالية لكتاب الكافي يكشف عن خلوها التام من هذا النص المفصلي، مما يقطع بوقوع حذفه عمدًا ضمن عمليات التحريف الانتقائي التي طالت أمهات الكتب الشيعية عقب تحريق المكتبات وتأسيس الحوزة الطوسية.
يُحلِّل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التبويب الداخلي لكتاب الكافي ليثبت أن الشيخ الكليني صنف كتابه وفق المضمون الفقهي والعقائدي لـ توقيع إسحاق بن يعقوب؛ حيث عقد بابًا لـ صلة الإمام وقدمه في الجزء الأول على موضوع الخمس، بينما خلت أجزاء الفقه والرسالة العملية (من الجزء الثالث إلى السابع) خلوًا تامًا من أبواب الخمس. ويُوضّح الشيخ أن نصوص الخمس إنما أوردها الشيخ الكليني في الجزء الأول وفي كتاب روضة الكافي (الجزء الثامن) في سياق شؤون الإمامة وظلامة أهل البيت وإباحة الأئمة لحقوقهم المالية لشيعتهم زمان الغيبة لطهارة المولد وفق الصياغة الشريفة: «وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبِيحَ لِشِيعَتِنَا وَجُعِلُوا مِنْهُ فِي حِلٍّ إِلَى وَقْتِ ظُهُورِ أَمْرِنَا»، مما يشهد بأن التوقيع كان مثبتًا بالأصل في الكافي وقُطِع بفعل العبث الطوسي.
ينتقل الشيخ إلى الشاهد الثاني للتحريف والافتراء، والمتمثل في نسبة القول بـ سهو المعصوم أو سهو النبي إلى الشيخ الصدوق بناءً على المطبوع من كتاب من لا يحضره الفقيه. ويفند الشيخ هذه النسبة الباطلة بالاستناد إلى النصوص الصريحة الصادرة عن الشيخ الصدوق في رسالته العملية الهداية في الأصول والفروع وكتاب الاعتقادات؛ حيث أعلن عقيدته الجازمة بأن النبي والأئمة صلوات الله عليهم «مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ» و**«مَوْصُوفُونَ بِالْكَمَالِ وَالتَّمَامِ وَالْعِلْمِ مِنْ أَوَائِلِ أُمُورِهِمْ إِلَى أَوَاخِرِهَا، لا يُوَصَفُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِنَقْصٍ وَلا عِصْيَانٍ وَلا جَهْلٍ». كما يؤكد الشيخ أن المتبقي من كتابي النبؤة وتفسير القرآن** للصدوق خلوهما التام من هذه المقالة الفاسدة.
يناقش الشيخ رد الشيخ المفيد في كتابه تصحيح الاعتقاد محددًا الموقف العلمي بدقة؛ إذ يُبيّن أن المفيد لم ينسب مقولة السهو لتلميذه الشيخ الصدوق إطلاقًا، بل ناقش نقلًا ظنيًا غير مجزوم به عن أستاذ الصدوق محمد بن الحسن بن الوليد معلقًا بقوله: «فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ فَهُوَ مُقَصِّرٌ». ويستدل الشيخ بأنه لو كانت المقالة المنسوبة للصدوق ثابتة في كتاب من لا يحضره الفقيه في ذلك العصر لما غفل عنها المفيد في مقام المآخذ العقائدية، مما يبرهن على إقحام العبارة زُورًا في كتاب الفقيه بعد وفاة الصدوق. ويُنبّه الشيخ إلى أن النص المقحم ذاته يتحدث عن الإسهاء الإلهي لحكمة تعليمية وليس عن السهو الذاتي الناشئ عن النقص البشري، لكن التزييف الطوسي عمد إلى تعميم المفهوم وتغليفه.
يكشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عن المؤامرة المنهجية التي مارستها المدرسة الطوسية عبر تسليط الضوء على فرية سهو الصدوق المزعومة للتغطية على العقيدة الشنيعة الصريحة التي قررها الشيخ الطوسي في تفسيره التبيان في تفسير القرآن عند الآية الشريفة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]. حيث جَوَّز الشيخ الطوسي وقوع السهو والنسيان على النبي والأئمة صلوات الله عليهم في كل الأمور التصرفية والحياتية والماضية خارج نطاق تبليغ الأحكام الشرعية، وهو قول قبيح جرى التغاضي عنه عمدًا وإمرار مقولة السهو عبر اسم الصدوق.
يواصل الشيخ تقديم الأدلة الشاخصة على التلاعب الطوسي في كتاب من لا يحضره الفقيه؛ مستعرضًا الاضطراب المتهافت في باب الأذان والإقامة؛ إذ جُعلت فصول الإقامة كالأذان سواسيًا، وأُقحمت فيها عبارة الصلاة خير من النوم بداعي التقية مع الاقتران بذكر حي على خير العمل، وهو جمع متناقض يمتنع صدوره عن فقيه محقق كـ الشيخ الصدوق. ويمتد التحريف إلى إسقاط الصلاة على محمد وآل محمد من صيغة التشهد المذكورة في الفقيه، وهو خرق لضرورات المذهب يباين ما أثبته الصدوق ووالده بالاعتماد على الفقه الرضوي المتضمن للصلاة الكاملة والشهادة بالولاية لأمير المؤمنين والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم.
يستدل الشيخ على جريمة التحريف اللفظي والمعنوي بمقارنة نص الزيارة الجامعة الكبيرة بين كتابي الصدوق؛ فبينما وردت في النسخ المحرفة من كتاب من لا يحضره الفقيه بعبارة: «وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ»، يثبت النص الأصلي الشريف في كتاب عيون أخبار الرضا للصدوق ومصادر أقدم كـ فرائد السمطين بالصياغة الدقيقة: «وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ». ويؤكد الشيخ أن التوجه إلى أهل البيت ينسجم تمامًا مع النسق القرآني في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 115]، كونهم صلوات الله عليهم وجه الله الذي يُتوجَّه إليه، بينما اعتمد الشيخ الطوسي اللفظ المحرف في كتاب التهذيب وجرى التلاعب بالفقيه لشرعنة تحريفه.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بالتأكيد على أن المصاديق المعروضة تُشكِّل نماذج توضيحية لكشف عمق التحريف الانتقائي الصادر عن النهج الطوسي بحق التراث الشريف. ويوجه الشيخ رسالته العملية للجمهور بالدعوة إلى الصبر والتدقيق الشديد والرؤية الاستراتيجية الشاملة للحقائق والوثائق مترابطةً دون الاقتصار على جزئيات عابرة؛ حتى تتشكل الصورة الكاملة للشقين. ويشدد الشيخ على أن قوة الحق وسيف الحقيقة كفيلان بقطع حبل الزيف والتضضل، مشيرًا إلى استكمال كشف مجريات الجريمة المزدوجة في الحلقات القادمة لحماية العقيدة النقية لدين العترة الطاهرة.