جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 447
تاريخ البث : يوم الأربعاء 18 ذي القعدة 1444هـ الموافق 7 / 6 / 2023م
تأتي هذه الحلقة استكمالًا وتتمةً لما بدأه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة الماضية من برنامج الخاتمة ضمن الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، حيث يواصل الحديث في السلسلة التحريفية تحت عنوان جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، ليكمل ما توقف عنده في الجانب الأول المتمثل بـ التحريف الانتقائي الذي طال أهم الكتب الحديثية الشيعية، موضحًا الشواهد والأمثلة التوضيحية التي تكشف عملية الاقتطاع والتزييف التي جرت بعد انتقال الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف وتأسيس مذهبه وحوزته.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول بيان شقي الجريمة المزدوجة للمذهب الطوسي، إذ يُبيّن الشيخ أن الشق الأول يتجسد في التحريف الديني والتزييف العقائدي بشقيه التحريف الانتقائي والتحريف العلمي التأسيسي، بينما يتجسد الشق الثاني في محاربة برنامج العترة المسمى هندسة العترة لحفظ الدين؛ فيسلط الضوء في هذه الحلقة على استكمال أمثلة التحريف الانتقائي في كتب الشيخ الصدوق والشيخ المفيد، ثم ينتقل للحديث عن التحريف العلمي التأسيسي المتمثل بـ عملية الاجتهاد والمنظومة الحوزوية المتفرعة عنها.
في المحور الأول التفصيلي، يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مثالًا جليًا على التحريف الانتقائي من كتاب الخصال لـ الشيخ الصدوق في باب الاثنين، عند إيراده حديث الإمام السجاد علي بن الحسين صلوات الله عليه في فضل عمه العباس بن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث نص الشيخ الصدوق على أنه اقتطع مقطعًا من حديث طويل أخرجه بتمامه في كتابه مقتل الحسين بن علي؛ وعند البحث في التراث الموجود لـ الشيخ الصدوق ولا سيما المجلسين الثلاثين والحادي والثلاثين من كتاب الأمالي (المعروف بـ مجالس الصدوق) اللذين يتناولان مقتل الإمام الحسين صلوات الله عليه، يظهر بوضوح خلو المقتل تمامًا من ذكر اسم العباس صلوات الله عليه أو فضائله حتى في حادثة جلب الماء، مما يؤكد وقوع عملية حذف وتغييب متعمدة لذكر قمر بني هاشم وأحاديثه الشريفة من قبل الطوسيين.
ينتقل الشيخ إلى استعراض مثال آخر على التحريف الانتقائي يتعلق بـ كتاب المقنعة لـ الشيخ المفيد، وهو الرسالة العملية التي كان يعمل بها الشيعة، والتي تصدى الشيخ الطوسي لشرحها في كتابه تهذيب الأحكام متعهدًا في مقدمته بشرح مسائلها مسألة مسألة والالتزام بنصوصها؛ إلا أن الشيخ الطوسي عمد إلى حذف وتغليق نصوص محورية أوردها الشيخ المفيد، ومنها دعاء التوجه في الصلاة الواجبة المشتمل على صريح ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه بصيغة: «عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِ مُحَمَّدٍ وَوِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»، واستبداله بنص خلو من ذكر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكذلك ما فعله في صيغة التسليم بحذف «السلام على الأئمة الراشدين» الواردة في كتاب المقنعة.
يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن مسلك الشيخ الطوسي في التغييب والتحريف تكرر في كتابه الاستبصار ورسائله الفقهية المتعددة؛ فبينما أورد دعاء التوجه والتسليم المشتمل على ذكر الأئمة صلوات الله عليهم في رسالته العملية الموجهة للعامة النهاية في مجرد الفقه والفتوى لموافقته ما اعتاده الشيعة حينها، اقتصر في رسالته للنخبة الاقتصاد فيما يجب على العباد على التشهد الشافعي، وقدم في كتابه الفقهي الاستدلالي المبسوط في فقه الإمامية صيغة دعاء التوجه المنقولة حرفيًا من كتب الشوافع ولا سيما كتاب الأم لـ الشافعي (الذي كان يسمى أصلًا المبسوط في الفقه) عبر السنن الكبرى لـ البيهقي، مما يكشف عن اعتماد نصوص المدرسة الشافعية وإقصاء نصوص أهل البيت صلوات الله عليهم.
يدخل الشيخ في العنوان الرئيسي الثاني من شق الجريمة الأول، وهو التحريف العلمي التأسيسي المتمثل بـ عملية الاجتهاد، موضحًا أن هذه العملية بُنيت بكامل تفاصيلها على منظومة طوسية حوزوية تتكون من ثلاثة أركان هي علم الرجال وعلم الكلام وعلم أصول الفقه؛ حيث يصف علم الرجال بأنه ظنون واحتمالات واستنتاجات فارغة، وعلم الكلام بأنه جدل وسفاهة يتعارض مع القرآن الكريم وحديث العترة الطاهرة، وعلم أصول الفقه بأنه النتاج المتولد عنهما، مؤكدًا أن هذه المنظومة هي منظومة شيطانية تلقتها الحوزة الطوسية عن بيئة سقيفة بني ساعدة بعد انتهاء الغيبة الصغرى ورسختها بدءًا من سنة 448 هجرية.
يُبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه المنظومة الشيطانية سُلّطت على حديث أهل البيت صلوات الله عليهم بعد أن حصر المؤسسون الحوزويون تراث العترة الطاهرة في الكتب الأربعة وهي الكافي ومن لا يحضره الفقيه وتهذيب الأحكام والاستبصار؛ ويرى الشيخ أن هذا الحصر يمثل تحريفًا منهجيًا أدى إلى إسقاط وسحق معظم أحاديث المعارف والعقائد والأسرار وتفسير القرآن التي تزخر بها الكتب الحديثية الأخرى، فضلاً عن تقطيع وتجزئة الكتب الأربعة نفسها وإسقاط مضامينها بإعمال قواعد علم الرجال وعلم الكلام وعلم أصول الفقه.
يتناول الشيخ الإبطال القرآني لـ عملية الاجتهاد القائمة على القواعد الظنية والأصول العملية، مستدلًا بالآيات القرآنية الصريحة التي تحرم اعتماد الظنون والآراء في دين الله؛ حيث يستشهد بقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ موضحًا أن الألف واللام في الظن هي ألف ولام الحقيقة التي تنفي نافعية مطلق الظن، كما يستشهد بقوله تعالى في سورة النجم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهدَىٰ﴾ ليبين أن المصطلحات الحوزوية المخترعة تماثل الأسماء التي اخترعها أهل الجاهلية، وأن الدين لا يُؤخذ إلا من الهدَى المتمثل بـ رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم في حديث الثقلين وبيعة الغدير.
يؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن منهج القرآن الكريم يوجب أخذ الأحكام الشرعية والفتاوى من العلم الإلهي المباشر لا من الظنون والاستحسانات، مستدلًا بقوله تعالى في ختام آية الدين من سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ للربط بين التقوى والتلقي عن التعليم الإلهي، وبقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾؛ موضحًا أن التلقي عن المعصوم هو السبيل الوحيد للخروج من الضلال المبين المتمثل بالعمل بالظنون والأهواء.
يقدم الشيخ برهانًا قرآنيًا دقيقًا من سورة المائدة ينقض عملية الاجتهاد الحوزوية، وذلك عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ حيث يشير الشيخ إلى أن القرآن الكريم اشترط ليكون صيد الكلاب السلوقية حلالًا أن يكون صيدها قائمًا على عِلْمٍ متلقًى من تعليم الله، فيتساءل بكيفية جواز بناء الفتاوى العقائدية والفقهية للبشر في الرسائل العملية على الظنون والقواعد المأخوذة من سقيفة بني ساعدة.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالـ خلاصة والرسالة العملية، مؤكدًا الرفض القطعي لـ عملية الاجتهاد في المنظور القرآني، ومعدًا المتابعين بأنه سيثبت في الحلقة القادمة بالآيات الصريحة بطلان الاجتهاد مطلقًا حتى وإن كان اجتهادًا نبويًا أو إبراهيميًا قد رده القرآن الكريم، فكيف باجتهادات أرباب المذاهب والمراجع الطوسيين؛ موجهًا خطابه الختامي إلى إخوته وأبنائه المتمسكين بـ دين العترة الطاهرة بضرورة التمسك بـ العلم الإلهي المأخوذ من الكتاب والعترة والابتعاد عن الظنون والافتراءات الحوزوية.