جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 448
تاريخ البث : يوم الخميس 19 ذي القعدة 1444هـ الموافق 8 / 6 / 2023م
تُمثّل هذه الحلقة استكمالاً ومتابعةً وتتمةً للشق الأول من الجريمة المزدوجة للمذهب الطوسي بحق دين العترة الطاهرة، وهو التحريف الديني والتزييف العقائدي، وتحديداً ضمن العنوان الثاني الذي ابتدأه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة السابقة تحت اسم التحريف العلمي التأسيسي المتمثل بـ عملية الاجتهاد؛ حيث يواصل الشيخ في هذه الحلقة تقديم الأدلة القرآنية القاطعة على إبطال عملية الاجتهاد وكشف حقيقتها القائمة على الظنون والأهواء، رابطاً إياها بما تُمثله من هدم لمعالم دين العترة الطاهرة وتأسيس لـ دين طوسي بديل.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول البرهنة القرآنية والشواهد النبوية والولائية على بطلان عملية الاجتهاد وكافة العلوم المنظومة في فلكها كـ علم أصول الفقه وعلم الرجال وعلم الحديث وعلم الكلام؛ إذ يبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن القرآن الكريم يفرض كون الدين علمياً يستند حصراً إلى العلم القطعي الصادر عن عالم معصوم وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه والأئمة صلوات الله عليهم، بينما تُنتج عملية الاجتهاد ديناً ظنياً مصطنعاً مأخوذاً من قواعد مدرسة سقيفة بني ساعدة ليتحول الدين عند رجال الدين إلى حرفة ووسيلة عيش وارتزاق.
ينطلق الشيخ في استدلاله القرآني من سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾، موضحاً أنه إذا كان القرآن تبياناً لكل شيء فلا موضوعية لـ القياس ولا الاستحسان ولا الرأي ولا لما يُسمّى بـ الأحكام الظاهرية والأحكام الواقعية في علم الأصول؛ ثم يشفعه ببيان حصرية التبيين في العالم المعصوم بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقاطعية الحصر الاستثنائي في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، متسائلاً: كيف يُعقل أن يُحصر بيان الدين بـ رسول الله صلى الله عليه وآله في زمن قلة المسلمين وبساطة الحياة، ثم يُترك بيان الدين مع اتساع الأمة وتعقد الحياة لأهواء ورغبات مجتهدي الطوسيين ورجال الدين الذين اتخذوا الدين مهنة؟
يتناول الشيخ عبدالحليم الغزي نموذجاً قرآنياً شديد الصراحة من سورة هود لكشف بطلان عملية الاجتهاد والتقييم الرجالي، وهو موقف نبي الله نوح صلوات الله عليه حينما نادى ربه قائلاً: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾، متأولاً النص الإلهي العام: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾؛ حيث أجرى نوح صلوات الله عليه تطبيقاً اجتهادياً وحكماً حدسياً ظاهرياً بحق ابنه بحسب ما بدا له، فجاءه النهج الإلهي الحاسِم والزجر القاطع: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، مؤكداً أن الاستنباط القائم على الحدس والظن هو جهل بنص القرآن.
يستكمل الشيخ القراءة التدبرية لقصة نوح صلوات الله عليه وعودته إلى الاستعاذة والتوبة الإلهية بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾، مبيناً أن شيخ المرسلين مع طول خبرته وجهاده المخلص قد عدّ اجتهاده الذي لم يكن لتأسيس دين أو تشريع أحكام بل لمجرد مقدمة دعاء وشأن أسري جهلاً يحتاج لغفران الله ورحمته، فكيف بمن يؤسس ديناً كاملاً للناس قائم على الاجتهاد وعلم الرجال؟ ويشبّه الشيخ موقف مجتهدي النجف وكربلاء بموقف ابن نوح الذي قال: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ عندما رفضوا الركوب في سفينة النجاة المتمثلة بـ إمام زماننا صلوات الله عليه واعتصموا بـ المذهب الطوسي وزلات الرجال، فكان عاقبتهم الغرق في العيون الكدرة.
يُورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي شاهداً قرآنياً آخر على بطلان الحكم بالظواهر والظنون من سورة صاد في قصة نبي الله داوود صلوات الله عليه عند دخول الخصم المحراب: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، وقول أحدهما: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾، فبادر داوود صلوات الله عليه بالحكم بناءً على ظاهر الدعوى وسماع طرف واحد: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾، وسرعان ما انتبه إلى أن اعتماده على الظواهر والظنون فتنة واختبار: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾، فتلقى التوجيه القيادي الإلهي: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، مستنتجاً أن الحكم بالظنون هو عين اتباع الهوى المُضل عن سبيل الله.
يربط الشيخ بين آية سورة صاد والرواية الشريفة المروية في تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه في باب التقليد: «فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ، حَافِظاً لِدِينِهِ، مُخَالِفاً لِهَوَاهُ، مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلَاهُ، فَلِلْعَوَامِ أَنْ يُقَلِّدُوهُ»، شارحاً أن مخالفة الهوى في أرفع مستوياتها تعني عدم العمل بـ الظنون والاجتهادات القائمة على علم الأصول وعلم الرجال؛ موضحاً أن علم الرجال هو مجرد تراكم للظنون الحدسية، حيث يجزم رجل مثل النجاشي المتوفى سنة 450 هـ بأحوال رجال عاشوا في القرنين الأول والثاني الهجريين بناءً على ظنون وتقييمات لا تمنح علماً ولا قطعاً.
يُقدّم الشيخ عبدالحليم الغزي البديل القرآني الحقيقي الذي ينسخ علم الرجال وعلم الأصول وتقسيمات الحديث، والمتمثل في قاعدة التبين الواردة في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾؛ موضحاً أن الآية لم تأمر برد خبر الفاسق ولا بالبحث عن ثقة الناقل، بل أمرت بالتحقيق في ذات الخبر والمنقول؛ لأن المعلومة الحقيقية تحمل قيمتها الصادقة في نفسها بغض النظر عن ناقلها، والخبر بعد التبين والثبوت يصبح علماً قطعياً يرفع الجهالة، وهو المنطق العقلاني السليم المعمول به في دوائر التحقيق والمحاكم العالمية، خلافاً لما يدعيه الأصوليون من حجية خبر الثقة الظني.
يشرح الشيخ أن كيفية التبين والتفتيش عن حقائق الدين لا تكون بـ العلوم الناصبية المأخوذة من سقيفة بني ساعدة، بل تتم باكتساب علوم الكتاب والعترة والاعتصام بـ منطق علي صلوات الله عليه المستفاد من مواثيق بيعة الغدير، واعتماد منهج لحن القول ومنهج المعاريض؛ مستشهداً بقول الإمام الباقر صلوات الله عليه في رده على الحسن البصري: «فَلْيُشَرِّقِ الْحَسَنُ الْبَصَرِيُّ وَلْيُغَرِّبْ، فَوَاللَّهِ لَا يُوجَدُ الْعِلْمُ إِلَّا هَاهُنَا» وأشار إلى صدره الشريف، مؤكداً أن الحق والجوهر يدوران مدار محمد وآل محمد صلوات الله عليهم ولا يطرق العلم الصحيح إلا من أبوابهم.
يعلن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي براءته الصريحة والتامة أمام الله ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم من علم أصول الفقه وعلم الكلام وعلم الحديث وعلم الرجال، ومن كل عملية اجتهادية تبتني على الظنون والأهواء، مجدداً لعنه ورفضه لـ المذهب الطوسي ومؤسساته الحوزوية التي استبدلت دين الغدير بالنظريات المأخوذة من مخالفيهم، ومشدداً على أن رجال الدين في الواقع الحوزوي جعلوا الدين أداة ارتزاق ومصدر عيش على حساب الحقائق العقائدية الناصعة.
يختتم الشيخ الحلقة بالخلاصة والرسالة العملية الموجهة للباحثين عن الحقيقة وطلاب العلوم الدينية، داعياً إياهم إلى نفض غبار التقديس الأعمى وتقاليد الآباء والأجداد، والتخلي عن العلوم الظنية التي أودت بالأمة إلى الضلال، والعودة المباشرة إلى ينابيع الكتاب والعترة عبر قراءة القرآن والأحاديث الشريفة بـ المنطق العلوي الأصيل تحت رعاية وتسديد صاحب الأمر إمام زماننا صلوات الله عليه؛ لكونه الطريق الوحيد والآمن لتحصيل العلم الديني اليقيني والنجاة من فتن آخر الزمان.