جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 449
تاريخ البث : يوم الجمعة 20 ذي القعدة 1444هـ الموافق 9 / 6 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة التاسعة والأربعون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة) والتي تحمل عنوان صولة القمر، استكمالاً وتتمّة لما تقدّم في الحلقة الماضية تحت العنوان الأوّل التحريف الانتقائي والعنوان الثاني التحريف العلمي التأسيسي المتمثل بعملية الاجتهاد، حيث ينقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحديث إلى عنوان فرعيّ متفرّع عنهما يقدّم فيه نماذج من التحريف الصارخ في الواقع الديني الشيعي.
تدور الفكرة العامة للحلقة حول تقديم نموذج تطبيقي وعملي للتحريف الصارخ عبر إجراء مقارنة لغوية وعقائدية لنص زيارة عاشوراء الشريفة بين كتاب كامل الزيارات لـ ابن قولويه وكتاب مصباح المتهجد لـ الشيخ الطوسي، لإثبات تفوّق نص المصباح بلاغةً وتطابقاً مع ثقافة العترة الطاهرة وألفاظ أحاديثهم، وتوضيح المنهج القرآني في التعامل مع الناقل والحديث وفق مفهوم هندسة العترة لحفظ الدين.
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بتناول النموذج الأوّل للتحريف الصارخ المتمثل بنص زيارة عاشوراء الشريفة المشتمل على اللعن المائوي والسلام المائوي، من خلال أقدم مصادرها المتاحة وهما كتاب كامل الزيارات لـ ابن قولويه المتوفى سنة 368 هـ وكتاب مصباح المتهجد لـ الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 هـ. ويقايس الشيخ بين النصين مبيناً وجود خلل وعبث واضحين في نص كامل الزيارات يُرجّح وقوع الحذف فيه، بينما يتميز نص مصباح المتهجد بعلوّ الأدب ودقة الإيقاع البلاغي، كما في قوله: «فَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي أَكْرَمَ مَقَامَكَ وَأَكْرَمَنِي بِكَ» بدلاً من عبارة أَنْ يُكْرِمَنِي بِكَ، وعبارة: «وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِي» المعبّرة عن صيرورة ثار الحسين ثاراً للزائر نفسه، وعبارة: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ» المناسبة لسياق بيان فظائع بني أمية لا مجرد عاقبة أمرهم.
يمضي الشيخ في المقارنة التفصيلية ليصل إلى صيغة اللعن المائوي، مؤكداً أنّ نص مصباح المتهجد جاء بأعلى درجات المتانة والتنسيق والموسيقى اللفظية التي تتوافق مع الترتيب والمنطق العقائدي، حيث يصرّح باللعن الممنهج المرتب: «اللَّهُمَّ خُصَّ أَنْتَ أَوَّلَ ظَالِمٍ بِاللَّعْنِ مِنِّي وَابْدَأْ بِهِ أَوَّلاً ثُمَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ اللَّهُمَّ الْعَنْ يَزِيدَ خَامِساً» مع التنصيص على عمر بن سعد وشمر وآل أبي سفيان وآل زياد وآل مروان، خلافا لنص كامل الزيارات الذي جاء فيه اللعن قاصراً عن هذا التفصيل والتمييز والتشخيص الصريح لرموز أعداء العترة الطاهرة، وخالياً من لعن عمر بن سعد المباشر لقتل الحسين صلوات الله عليه.
يقيم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المقايسة الثانية القائمة على مطابقة النصين لمضامين ثقافة العترة الطاهرة، حيث يستشهد برواية الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في تفسير قوله تعالى: «مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ» بأنها نزلت في أصحاب الصحيفة الملعونة الذين كتبوا الكتاب وتوافقوا في السقيفة، مبيناً قول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «إِذَا كُتِبَ الكِتَابُ قُتِلَ الحُسَيْنُ»، ممّا يعني أنّ القتلة الحقيقيين هم الذين أسسوا السقيفة. ويدعم الشيخ هذا المعنى بمواقف العترة الطاهرة وشيعتهم، كقول زيد الشهيد حين استقبل دمه بيده وقال: «هُمَا وَاللهِ شَرِيكَانِ فِي هَذَا الدَّمِ»، وقول الحسين صلوات الله عليه حين لطّخ رأسه ولحيته بالدم: «قَتَلَنِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ»، ونداء العقيلة زينب صلوات الله عليها: «بِأَبِي مَنْ عَسْكَرُهُ فِي يَوْمِ الاِثْنَيْنِ نَهْباً»، وقول القاضي ابن قريع: «وَأَرَتْكُمْ أَنَّ الحُسَيْنَ أُصِيبَ فِي يَوْمِ السَّقِيفَةِ».
يجري الشيخ المقايسة الثالثة بالاستناد إلى مطابقة النص مع ألفاظ أحاديث العترة الطاهرة، مبيناً انسجام نص مصباح المتهجد مع الروايات الواردة في تفسير العياشي عن الإمام الباقر صلوات الله عليه وفي تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه اللتين تشخصان الأوثان الأربعة بالأسماء والكنايات (أبو الفصيل، رمع، نعثل، معاوية). ويؤكد الشيخ أنّ النص الوارد في مصباح المتهجد والمشتمل على اللعن الصريح الممنهج لـ الأول والثاني والثالث والرابع هو المتطابق لفظاً ومعنىً مع أحاديث أهل البيت، وهو النص عينه الذي اعتمد عليه المحدث القمي في كتاب مفاتيح الجنان.
يجيب الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عن الإشكال المثار حول اعتماده النص الموجود في كتاب الشيخ الطوسي رغم نقده للمذهب الطوسي، موضحاً أنه لا يعبأ بالناقل سواء كان ابن قولويه أو الشيخ الطوسي، وإنما يعتمد على المتن والحقيقة وفق القاعدة القرآنية في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا». ويستشهد الشيخ بما جاء في كتاب المحاسن للبرقي عن الإمام الباقر والإمام الصادق صلوات الله عليهما: «لَا تُكَذِّبُوا الحَدِيثَ إِذَا أَتَاكُمْ بِهِ مُرْجِئِيٌّ وَلَا قَدَرِيٌّ وَلَا حَرُورِيٌّ يَنْسُبُهُ إِلَيْنَا، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الحَقِّ فَتُكَذِّبُوا اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ»، مشيراً إلى أنّ المنهج القرآني في التثبت والتبين يسقط قواعد علم الرجال وعلم الحديث وعلم أصول الفقه والاجتهاد الحوزوي بتمامه.
يسلط الشيخ الضوء على هندسة العترة لحفظ الدين القائمة على برنامج المكر الإلهي المذكور في قوله تعالى: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»، مستدلاً برواية جابر الجعفي في كتاب أصل زيد الزراد عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «إِنَّ لَنَا أَوْعِيَةً نَمْلَأُهَا عِلْماً وَحِكْمَةً وَلَيْسَتْ لَهَا بِأَهْلٍ، فَمَا نَمْلَأُهَا إِلَّا لِتُنْقَلَ إِلَى شِيعَتِنَا، فَانْظُرُوا إِلَى مَا فِي الأَوْعِيَةِ فَخُذُوهَا ثُمَّ صَفُّوهَا مِنَ الكَدُورَةِ تَأْخُذُوا مِنْهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً صَافِيَةً، وَإِيَّاكُمْ وَالأَوْعِيَةَ فَإِنَّهَا وِعَاءُ سُوءٍ فَتَنَكَّبُوهَا». ويشرح الشيخ أنّ أهل البيت أودعت علومها في أوعية سوء لنقلها إلى الشيعة، وأمرت بأخذ المضمون الصافي وتجاوز الأوعية الفاسدة.
يردّ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على المقولة المتداولة في بعض الأوساط الشيعية التي تزعم أنّ المراد بـ الأول والثاني والثالث والرابع في زيارة عاشوراء هم: قابيل، وقيدار، وقاتل يحيى بن زكريا، وعبد الرحمن بن ملجم، مؤكداً خلوّ مصادر حديث العترة الطاهرة من هذا الكلام تماماً. ويبيّن الشيخ أنّ أصل هذه الحكاية ورد في كتاب لؤلؤة البحرين لـ يوسف البحراني وكتاب الفوائد الرجالية لـ مهدي بحر العلوم كاعتذار من الشيخ الطوسي للخليفة العباسي القائم بأمر الله بلسان التقية، مؤكداً أنها إما تقية أو فبركة ضمن مؤامرة صياغة المذهب الطوسي، وأنّ التقديس المزيف والتقليد الأعمى هو الذي مرّر هذا التحريف العقائدي.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان أنّ التحريف اللغوي والمعنوي الممارس ضد زيارة عاشوراء مستمر ومتشعب في كتب ومواضع أخرى سيكشفها في الحلقات القادمة. ويقدم الشيخ رسالته العملية وإرشاده للمتابعين بالصبر ومتابعة الإعادات وتدوين الملاحظات لتشكيل الصورة الكاملة لـ الجريمة الكبرى للمذهب الطوسي بحق دين العترة الطاهرة، داعياً إلى اعتماد منهج العقل والحكمة والتمسك بـ القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت ورفض المناهج الحوزوية الدخيلة.