جاري التحميل...
جاري التحميل...
٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
هذا البحث مستوحاة من برنامج الخاتمة التي عرضها الشيخ عبد الحليم الغزي في الحلقات 455-460 ضمن ملف الكتاب والعترة وحلقات «صولة القمر». ومحوره بيان التحريف الذي تعرّض له حديث الثَّقَلَيْنِ في السقيفتين: سقيفة بني ساعدة التي عبثت بألفاظ الحديث ومعانيه منذ البدايات، وسقيفة بني طوسي التي ورثت جانبًا من ذلك التحريف وأضافت إليه تحريفًا معنويًا أخطر في فهم منزلة العترة وعلاقتها بالكتاب.
الاسم الصحيح هو «حديث الثَّقَلَيْنِ» بفتح الثاء والقاف: ثَقَل، وثَقَلان. والثَّقَل هو الشيء العزيز النفيس العظيم الذي يعسر تقدير ثمنه؛ وهذا هو اللفظ الملائم لقوله صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم»، لأن الكلام عن تركة سيد الكائنات للعالمين.
أمّا «الثِّقْل» بكسر الثاء وسكون القاف فهو الوزن، و«الثِّقَل» بكسر الثاء وفتح القاف حالة تقابل الخفة. ولهذا لا يصح أن تترك الفروق اللغوية ثم يقال إن الألفاظ مترادفة بلا دليل لغوي أو صرفي. فالمعنى المقصود ليس وزن شيئين، ولا وصفهما بالثقل في مقابل الخفة، بل وصفهما بالنفاسة والعزة.
ويؤيد ذلك ما أثبته ابن منظور في «لسان العرب»، دار صادر، بيروت، المجلد الثاني المشتمل على الجزأين 3 و4، في مادة «ثقل»، ص30، حين أورد الحديث بلفظ: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي»». وأورده الفيروزآبادي في «القاموس المحيط»، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص895، في المادة نفسها: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي»». ففتح الثاء ليس زينة صوتية، بل مفتاح المعنى.
يبدأ البحث من المصادر السابقة للبخاري ومسلم، ثم ينتقل إلى الصحاح والمسانيد والمستدركات والتفاسير والمعاجم. وهذه المقابلة تكشف أن صيغة «وعترتي أهل بيتي» ثابتة في مصادر سقيفة بني ساعدة نفسها، وليست نصًا استحدثته المكتبة الشيعية!
أورد محمد بن سعد بن منيع الزهري، المتوفى سنة 230هـ، في «الطبقات الكبرى»، دار إحياء التراث العربي، المجلد الأول المشتمل على الجزأين 1 و2، ص347، بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله:
««إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي. كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»».
وأورد ابن أبي شيبة، المتوفى سنة 235هـ، في «المصنف»، دار الحديث، القاهرة، ج9، ص408، الحديث 32337، عن زيد بن ثابت:
««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِي: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
وفي «مسند أحمد بن حنبل»، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج6، ص232، الحديث 21068، عن زيد بن ثابت:
««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
لم يورد البخاري حديث الثَّقَلَيْنِ!! لكن مسلمًا أورده في «صحيحه»، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى 2004م، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، ص909-910، الحديث 6251، عن زيد بن أرقم:
««قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»»، ثم قال: ««وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»».
استدرك الحاكم النيسابوري، المتوفى سنة 405هـ، ما لم يخرجه الشيخان. ففي «المستدرك على الصحيحين»، دار الكتب العلمية، بيروت، ج3، ص160-161، الحديث 4711، أورد حديث زيد بن أرقم ثم قال: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه». وفي الموضع نفسه وردت شواهد أخرى: ص131، الحديث 4617؛ ص133، الحديث 4624، عن أبي ذر؛ ص134، الحديث 4628، عن أبي ثابت مولى أبي ذر؛ وص137، الحديث 4637، عن ابن عباس، مع أحكام الحاكم بصحة الإسناد وعدم إخراج الشيخين.
في «سنن الترمذي»، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص991-992، وردت ثلاثة نصوص متجاورة ذات دلالة:
• الحديث 3794 عن جابر بن عبد الله، وفيه أصل الوصية بالكتاب والعترة.
• الحديث 3796 عن عمر بن أبي سلمة في آية التطهير، وفيه جمع النبي عليًا وفاطمة والحسن والحسين تحت الكساء، وقوله: ««اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»». ولما قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: ««أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ»».
• الحديث 3797 عن زيد بن أرقم: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا»». وتعبير «أحدهما أعظم من الآخر» سيأتي بوصفه من مواضع الزيادة التي غيرت ميزان الحديث.
أورد البيهقي الحديث في «السنن الكبرى»، مؤسسة الفاروق الحديثة، ج2، ص148، في كتاب الصلاة، باب بيان أهل بيته الذين هم آله، بصيغة مسلم: ««وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَخُذُوا بِهِ»»، ثم: ««وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»». وفي هذه الطبعة جاء التذكير مرة، بينما في صحيح مسلم جاء ثلاثًا.
وفي ص149 أورد حديث عائشة في دخول علي وفاطمة والحسن والحسين تحت المرط، وتلاوة آية التطهير. كما أورد حديث الثَّقَلَيْنِ في ج7، ص30، وفي ج10، ص114.
في «كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال» للمتقي الهندي، المتوفى سنة 975هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، المجلد الأول المشتمل على الجزأين 1 و2، وردت صيغ عديدة في ص100-106، منها الأحاديث 868 و869 و939-954. ومن أوضحها الحديث 868:
««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
وفي الحديث 946 عن زيد بن أرقم: ««أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَأَهْلَ بَيْتِي عِتْرَتِي»»، ثم يقرنه بحديث الولاية: ««أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»».
أورد فخر الدين الرازي، المتوفى سنة 604هـ، في «التفسير الكبير» المعروف بمفاتيح الغيب، المكتبة التوفيقية، القاهرة، المجلد الرابع، ج8، ص151، عن أبي سعيد الخدري: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي»».
وأورد جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة 911هـ، في «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص269، في تفسير قوله تعالى: ﴿﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾﴾ [آل عمران: 103]، عن زيد بن ثابت: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
وفي «تاريخ اليعقوبي»، شركة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى 2010م، ج2، ص118، نقل من خطبة أمير المؤمنين في الكوفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ««إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»».
بل إن ابن حجر الهيتمي أورد الحديث في كتابه الجدلي «الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة»، دار الكتب العلمية، بيروت، ص224، وقال: ««وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَالَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي»».
وفي العصر الحديث أورد ناصر الدين الألباني الحديث في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، مكتبة المعارف، الرياض، ج4، ص355، الحديث 1761: ««يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»»، وحكم بصحته.
فبعد هذا الانتشار في الطبقات والمصنف والمسند والصحيح والمستدرك والسنن والتفسير والتاريخ والمعجم وكتب الرد والحديث المعاصر، لا يبقى معنى للقول إن صيغة «وعترتي» حديث شيعي لا وجود له في كتب السنة.
في «كتاب سليم بن قيس»، تحقيق محمد باقر الأنصاري، مؤسسة نشر الهادي، قم، الطبعة الثانية 1416هـ، ج2، ص763، يروي أمير المؤمنين آخر خطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله:
««يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
ولما سئل: أكل أهل بيتك؟ جاء الجواب: ««لَا، وَلَكِنْ أَوْصِيَائِي»»، ثم عدّ عليًا والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين، آخرهم محمد بن الحسن مهدي الأمة، وختم: ««شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَحُجَجُهُ عَلَى خَلْقِهِ، مَنْ أَطَاعَهُمْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَاهُمْ عَصَى اللَّهَ»».
في «الكافي» للكليني، دار الأسوة، طهران، ج1، ص317، باب ما نص الله ورسوله على الأئمة واحدًا فواحدًا، الحديث الأول، عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير آية الطاعة:
««وَنَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي عَلِيٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، وَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَهْلِ بَيْتِي، فَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُورِدَهُمَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَعْطَانِي ذَلِكَ»». ثم قال: ««لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، وَإِنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى، وَلَنْ يُدْخِلُوكُمْ فِي بَابِ ضَلَالَةٍ»».
في «كمال الدين وتمام النعمة» للصدوق، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ص273، الحديث 64، يروي عن أمير المؤمنين جواب السؤال: من العترة؟
««أَنَا وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالْأَئِمَّةُ التِّسْعَةُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ، تَاسِعُهُمْ مَهْدِيُّهُمْ وَقَائِمُهُمْ، لَا يُفَارِقُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ حَوْضَهُ»».
قال الحر العاملي، المتوفى سنة 1104هـ، في «وسائل الشيعة»، مؤسسة آل البيت، قم، ج27، ص33، الحديث 33144:
««وَقَدْ تَوَاتَرَ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَأَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
وجمع هاشم البحراني، المتوفى سنة 1107هـ، وقيل 1109هـ، في «غاية المرام وحجة الخصام»، مؤسسة التاريخ العربي، ج2، الباب 28، ص304-320، تسعة وثلاثين حديثًا من طريق العامة؛ ثم جمع في الباب 29، ص321-367، اثنين وثمانين حديثًا من طريق الخاصة. كما جمعت نصوص الحديث موسوعة «عبقات الأنوار» لمير حامد حسين الهندي، وموسوعة «إحقاق الحق» للقاضي نور الله المرعشي مع ملحقات شهاب الدين المرعشي النجفي، وقدم هاشم البحراني بابًا جامعًا له في مقدمات «تفسير البرهان».
تحويل «الثَّقَلَيْنِ» إلى «الثِّقْلَيْنِ» أو «الثِّقَلَيْنِ» يخرج اللفظ من معنى النفاسة والعزة إلى معنى الوزن أو الثقل المقابل للخفة. وقد تقدم الدليل اللغوي والنصي، ولذلك سنلتزم في هذا البحث اللفظ الصحيح: الثَّقَلَيْنِ.
هذا تحريف نفسي لا يحتاج إلى حذف حرف. يكفي أن يكرر الخطيب والمدرس في أجواء سقيفة بني ساعدة أن الصيغة المعتمدة هي «وسنتي»، وأن «وعترتي» من أدبيات الرافضة. لكن المصادر التي تقدمت تهدم هذا الإيحاء؛ بل الألباني نفسه صحح صيغة العترة. فإذا ثبت النص في كتب تلك السقيفة، صار السؤال الحقيقي: لماذا غُيّب عن جمهور أتباعها؟ ولماذا قُدِّم لهم نص أضعف أو مبتور بدلًا منه؟
في «مصنف ابن أبي شيبة»، ج9، ص110، الباب 27، الحديث 30700، عن جابر، ورد:
««تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ»».
وفي المصدر نفسه، ص111، الحديث 30704، عن أبي سعيد الخدري:
««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ»».
ثم ينتهي النص بلا ذكر للثقل الآخر. وورد في «كنز العمال»، ج1، ص101، الحديث 884: ««أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا، فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَهْلِكُوا وَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»». وفي ص108، الحديث 955: ««يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا عَاشَ نِصْفَ مَا عَاشَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ: كِتَابَ اللَّهِ»».
المقارنة تكشف موضع القطع: النص الثابت يذكر كتابًا وعترة، وهنا بقي الكتاب وحده.
في «كنز العمال»، ج1، ص100، الحديثان 871 و872، وردت صيغتان متقاربتان:
««خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ»».
««تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ»».
وفي بعض الكتب والطبعات: «حتى يردا عليَّ الحوض»؛ فهذا اختلاف لفظي ينبغي إثباته. وفي ص106، الحديث 944، عن أبي هريرة: ««إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»». وفي ص107، الحديث 950، عن ابن عباس: ««يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ»». وفي الحديث 951: ««كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّتِي لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»».
المشكلة ليست في إنكار سنة النبي؛ فسنة النبي هي بيان القرآن. قال تعالى: ﴿﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾﴾ [النحل: 44]، وقال: ﴿﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾﴾ [النحل: 64]. إنما المشكلة في جعل السنة بديلًا عن العترة مع أن القرآن تبيان لكل شيء: ﴿﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾﴾ [النحل: 89]. فما بقي من حقائق هذا التبيان بعد رسول الله يحتاج إلى مبين معصوم لا يفترق عن الكتاب.
والقرآن نفسه يرشد إلى جهة رفع الاختلاف: ﴿﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾﴾ [النساء: 82]، ثم: ﴿﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾﴾ [النساء: 83]. وأولو الأمر هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب: ﴿﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾﴾ [آل عمران: 7، على قراءة الوصل المبيِّنة في روايات العترة].
وفي السياق نفسه ورد في «كنز العمال»، ج1، ص100، الحديث 870: ««أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ...»». فإن أريد بالخلفاء المهديين أئمة العترة انسجم النص مع الثَّقَلَيْنِ؛ وإن أريد بهم رجال السقيفة اصطدم بوقائع اختلاف سننهم ورفض أمير المؤمنين أن يعمل بسيرة الشيخين.
وتشهد رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر، كما نقلها المسعودي في «مروج الذهب»، دار الفكر، ج3، ص20-22، على منشأ الانقلاب؛ إذ قال معاوية: ««فَقَدْ كُنَّا وَأَبُوكَ فِينَا نَعْرِفُ فَضْلَ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ وَحَقَّهُ لَازِمًا لَنَا مَبْرُورًا عَلَيْنَا... فَكَانَ أَبُوكَ وَفَارُوقُهُ أَوَّلَ مَنِ ابْتَزَّهُ حَقَّهُ وَخَالَفَهُ عَلَى أَمْرِهِ، عَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَا وَاتَّسَقَا»»، وقال: ««أَبُوكَ مَهَّدَ مِهَادَهُ وَبَنَى لِمُلْكِهِ وِسَادَةً... وَلَوْلَا مَا فَعَلَ أَبُوكَ مِنْ قَبْلُ مَا خَالَفْنَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَلَسَلَّمْنَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّا رَأَيْنَا أَبَاكَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنْ قَبْلِنَا فَأَخَذْنَا بِمِثْلِهِ»». وأشار الطبري في «تاريخه»، دار صادر، ج3، ص876، إلى المكاتبات ثم صرح بأنه كره ذكرها لما فيها مما لا يحتمل سماعه العامة. وهذه وثيقة لا يجوز تجاوزها عند سؤال: أية سنة يراد للأمة أن تتبع؟
حذف جملة ««مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا»» أو جملة ««وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»» يضعف إحكام الدلالة، لكنه لا يبطل أصلها؛ فمجرد قوله: ««إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي»» كاف في بيان أن التركة النبوية معصومة، وأن الكتاب يحتاج إلى مفسره من العترة. ومع ذلك كرر النبي قيود «لن»، و«بعدي»، و«أبدًا»، و«حتى يردا علي الحوض» ليغلق منافذ التأويل.
لو كانت نساء النبي داخلات في العترة لاقتضى النص أنهن لا يفترقن عن الكتاب علمًا وعملًا إلى الحوض. لكن هذا لا يقوله أحد؛ لا من جهة الإحاطة بكل القرآن، ولا من جهة الوقائع العملية، ومنها خروج عائشة في الجمل.
ويؤكد حديث الكساء في الترمذي أن أم سلمة لم تدخل تحت الكساء، مع أنها إلى خير. كما أن حديث الحوأب، الذي صححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، مكتبة المعارف، الرياض، ج1، القسم الثاني، ص846، الحديث 474، يثبت قول النبي لنسائه: ««أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»». ولما سمعت عائشة نباح الكلاب قالت: ««مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَنَا: أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»». فشهد لها قوم زورًا أن المكان ليس الحوأب. اختلاف العلم والعمل عن الكتاب هنا يمنع حمل العترة على الزوجات.
ويقول الإمام الحسن عليه السلام في «أمالي الطوسي»، مؤسسة البعثة، قم، المجلس الخامس، ص121، الحديث 188:
««نَحْنُ حِزْبُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ، وَعِتْرَةُ رَسُولِهِ الْأَقْرَبُونَ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونَ، وَأَحَدُ الثَّقَلَيْنِ اللَّذَيْنِ خَلَّفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ فِي أُمَّتِهِ، وَالثَّانِي كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ، لَا نَتَظَنَّى تَأْوِيلَهُ، بَلْ نَتَيَقَّنُ حَقَائِقَهُ»».
شاعت صيغ تجعل الكتاب «الثقل الأكبر» والعترة «الثقل الأصغر»، أو تجعل الكتاب الحبل الأطول والأعظم والأفضل. وهي موجودة في كتب السنة والشيعة، لكنها ليست في أصل الصيغة المحكمة، وتناقض الإشارة النبوية المروية في كتاب سليم بن قيس، ص655، حين جمع بين المسبحة والوسطى ليبين التوافق، ثم قال إن إحداهما قدام الأخرى، وأمر بالأخذ بالعترة:
««إِنَّ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَيَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَيَوْمَ قُبِضَ، فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَأَهْلَ بَيْتِي... فَإِنَّ إِحْدَاهُمَا قُدَّامُ الْأُخْرَى، فَتَمَسَّكُوا بِهِمَا، لَا تَضِلُّوا وَلَا تَزِلُّوا، وَلَا تُقَدِّمُوهُمْ وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَنْهُمْ، وَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»».
المفسر حاكم على النص المحتاج إلى تفسير، لا العكس؛ ولذلك لا يصح أن تكون العترة أصغر رتبة من المصحف الذي لا ينطق بنفسه.
حديث الثَّقَلَيْنِ يقرر التوافق وعدم الافتراق، لا التساوي في المنزلة. فالكتاب الصامت نص مستور يحتاج إلى ترجمان، والعترة كتاب ناطق يحمل حقيقة القرآن وعلمه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة»، دار التعارف، ص129، الكلام 125: ««هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْتُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ»». وفي ص158، الخطبة 158: ««ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ؛ أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ»».
وتقرر الآيات أن الكتاب تبيان لكل شيء، وأنه يضم محكمًا ومتشابهًا: ﴿﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾﴾ [آل عمران: 7]. فالكتاب قد يجعله الزائغون أداة ضلال، أما العترة فلا تخرج المتمسك بها من هدى إلى ضلال.
وفي «الكافي»، دار الأسوة، ج1، ص227، الحديث 2، عن إسحاق بن غالب، عن الإمام الصادق عليه السلام في صفة الأئمة:
««إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْضَحَ بِأَئِمَّةِ الْهُدَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا عَنْ دِينِهِ، وَأَبْلَجَ بِهِمْ عَنْ سَبِيلِ مِنْهَاجِهِ، وَفَتَحَ بِهِمْ عَنْ بَاطِنِ يَنَابِيعِ عِلْمِهِ... وَلَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِجِهَةِ أَسْبَابِهِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَ الْعِبَادِ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ»».
حديث الثَّقَلَيْنِ حديث برزخي للمحاججة؛ يفتح للباحث باب الانتقال من دين السقيفة إلى دين العترة. ولهذا كان كثير ممن انتقلوا من التسنن إلى التشيع يدخلون من بابه. لكنه لا يقدم كل تفصيل من حقائق العترة، ولا يجعل مجرد إثبات صحته نهاية المعرفة.
الغاية هي معرفة الإمام؛ ولذلك ورد في دعاء زمان الغيبة المروي عن الناحية المقدسة في «مفاتيح الجنان»: ««اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ. اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ. اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي. اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي»».
هذا أخطر التحريفات المعنوية؛ لأنه يحول الإمام إلى «مصدر» بجوار مصادر، ثم تصبح المرجعية أو المؤسسة الدينية هي المتصرف في هذه المصادر. وتكشف وثائق هذا الاتجاه حقيقة هذا التحريف:
• «حياة الإمام البروجردي وآثاره العلمية واتجاهه في الفقه والحديث والرجال» لمحمد واعظ زاده الخراساني، المجمع العالمي للتقريب، ص91، وفيه: «يمكن فهم روايات الأئمة وأقوالهم بشكل أفضل من خلال مراجعة الروايات والفتاوى الشائعة لأهل السنة في عصر أئمة أهل البيت»، وأنه كان يقول: «فقه الشيعة على هامش فقه أهل السنة». وفي ص186 نقل عنه أن مسألة الخلافة لا جدوى فيها اليوم.
• مطبوع ملتقى علماء السنة والشيعة في النجف، الصادر عن مكتب إمام جمعة النجف، 26-27/11/2007، وفيه عن المرجع السيستاني: «الخلاف في موضوع الخلافة بعد رسول الله لم يعد له مبرر، حيث ليس هو اليوم محل الابتلاء».
• «الأنباء الثلاثة الكبرى في الدين» لمحمد باقر السيستاني، ج4، الطبعة الأولى 2018م، ص507 و509، وفيه جعل الخلاف في موقع أهل البيت لا يمس أصول العقيدة، وأنه ليس من أصول الدين باتفاق المسلمين.
• «الفتاوى الواضحة وفقًا لمذهب أهل البيت» لمحمد باقر الصدر، دار التعارف، بيروت، المقدمة، ص77 و80، وفيه تنظيم أصول الدين في المرسل والرسول والرسالة، ثم جعل الأوصياء سمة تاسعة من سمات الرسالة، والقول بأن الإسلام في الغيبة أرجع الناس إلى الفقهاء وفتح باب الاجتهاد.
في مقابل ذلك كله لا تعرض نصوص العترة الإمام بصفته عالمًا دينيًا فحسب!!وإنما بصفته أصل الدين وقبلته ووجه الله وبابه وحجته.
تقول فاتحة سورة البقرة: ﴿﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾﴾ [البقرة: 1-5].
الآيات تذكر «ذلك الكتاب» أولًا، ثم تذكر ما أنزل إلى النبي ضمن صفات المؤمنين. وفي «تفسير القمي»، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ص33، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: ««الْكِتَابُ عَلِيٌّ، لَا شَكَّ فِيهِ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ؛ قَالَ: بَيَانٌ لِشِيعَتِنَا»». فالكتاب في أصل اللغة حقيقة جامعة، وعلي هو الكتاب الناطق، والمصحف كتاب صامت داخل في حقيقة الإمام.
ويقول تعالى: ﴿﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾﴾ [يس: 12]. ويقول: ﴿﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴾ [الواقعة: 77-80]. فالمطهرون لا يملكون معلومات عن القرآن فحسب، بل يمسون حقيقته المكنونة.
وفي خاتمة سورة الرعد: ﴿﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾﴾ [الرعد: 43]. ليست العبارة «علم من الكتاب» كما في قصة آصف، بل «علم الكتاب» كله.
ورد في الروايات أن قوله تعالى: ﴿﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾﴾ [الجاثية: 29] يقرأ في مقام التفسير: «هذا كتابنا يُنْطَقُ عليكم بالحق»، أي ينطق الناطق الحقيقي عن الكتاب. وكذلك قوله: ﴿﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾﴾ [المؤمنون: 62]، يبين بالقراءة التفسيرية: «كتاب يُنْطَقُ بالحق».
في آية آل عمران تقف قراءة العترة بعد «الراسخون في العلم»، فيكون علمهم معطوفًا على علم الله بالتأويل: ﴿﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾﴾. ثم تستأنف جماعة المؤمنين بهم قولها: ﴿﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾﴾.
قال تعالى: ﴿﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾﴾ [الحجر: 9]. والحفظ ليس مجرد وجود نسخ مطبوعة، بل حفظ الحقيقة والتفسير والتأويل عند الجهة التي لا تفارق القرآن؛ أي عند العترة وإمام زماننا صلوات ربي عليهم اجمعين. ولهذا يعود معنى الحفظ إلى قوله: ﴿﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾﴾ [يس: 12].
قال تعالى: ﴿﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾﴾ [التوبة: 105]. والرؤية هنا إحاطية، لا رؤية بصرية جزئية، والمؤمنون هم الأئمة المطهرون.
وقال تعالى: ﴿﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾﴾ [البقرة: 115]. وفي «الاحتجاج» للطبرسي نقل عن أمير المؤمنين أن وجه الله هو صاحب الأمر والزمان. ويؤيده ما في دعاء الندبة: ««أَيْنَ بَابُ اللَّهِ الَّذِي مِنْهُ يُؤْتَى؟ أَيْنَ وَجْهُ اللَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْأَوْلِيَاءُ؟ أَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟»».
وفي زيارة آل ياسين: ««وَأَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ، أَنْتُمُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ»». وفي زيارة الندبة، «بحار الأنوار» للمجلسي، دار إحياء التراث العربي، ج99، ص93: ««فَمَا شَيْءٌ مِنَّا إِلَّا وَأَنْتُمُ لَهُ السَّبَبُ وَإِلَيْهِ السَّبِيلُ»». وفي الزيارة الجامعة الكبيرة: ««وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ، وَإِيَابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَيْكُمْ، وَأَمْرُهُ إِلَيْكُمْ»».
ويبين القرآن وصف الوجه: ﴿﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾﴾ [الرحمن: 26-27]؛ فجاء «ذو» مرفوعًا وصفًا للوجه. ثم قال في آخر السورة: ﴿﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾﴾ [الرحمن: 78]، فجاء «ذي» مجرورًا وصفًا للرب. ويكشف هذا التفريق النحوي أن «وجه الله» عنوان مخلوق جعله الله جهة لعباده، لا أنه ذات الله تعالى.
قال تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾﴾ [المائدة: 67]. فالآية تجعل تبليغ الولاية شرطًا لبقاء الرسالة كلها ذات قيمة.
وقد أورد السيوطي في «الدر المنثور»، دار إحياء التراث العربي، ج3، ص109، عن أبي سعيد الخدري: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»». ونقل عن ابن مسعود: ««كُنَّا نَقْرَأُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أَنَّ عَلِيًّا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ»».
وأورد عطية العوفي، المتوفى سنة 127هـ، في «تفسير القرآن الكريم»، مؤسسة دليلنا، قم، الطبعة الأولى 1431هـ، ج1، ص481، الحديث 514، عن أبي سعيد الخدري: ««نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ»». وقد اعتمد أحمد بن حنبل على عطية في سبعة وسبعين حديثًا، وروى له الترمذي اثنين وثلاثين حديثًا، وابن ماجة خمسة وعشرين، وأبو داود تسعة أحاديث؛ فلا يصح إسقاط خبره هنا مع الاعتماد عليه في غيره بلا معيار ثابت.
ويكتمل السياق بقوله تعالى: ﴿﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾﴾ [المائدة: 3]. الإكمال ليس بإطلاق اجتهاد يخطئ أصحابه ثم يؤجرون؛ الإكمال بتعيين الجهة المعصومة التي تحمل البيان بعد النبي.
ويؤكد معنى الإمامة قوله تعالى لإبراهيم: ﴿﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾﴾ [البقرة: 124]. ويبين حديث المنزلة اشتراك علي في الأمر بمنزلة هارون من موسى، مع استثناء النبوة؛ وفي دعاء موسى: ﴿﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾﴾ [طه: 25-32].
قال تعالى: ﴿﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾﴾ [النساء: 64-65].
القراءة التفسيرية الواردة عن الباقر والصادق في «الكافي» و«تفسير القمي» تجعل المخاطب في «جاؤوك» و«يحكموك» عليًا؛ لأن الآية تذكر بعد المجيء «واستغفر لهم الرسول» بصيغة الغائب. فلو كان المخاطب هو الرسول نفسه لقيل: «واستغفرت لهم».
ومن هنا جاء في «تفسير العياشي»، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ج1، ص24، الحديث الأول، عن الإمام الصادق عليه السلام: ««مَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَمْرَنَا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَتَنَكَّبِ الْفِتَنَ»».
وقال أمير المؤمنين في «نهج البلاغة»، دار التعارف، ص78، الخطبة 87: ««فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، وَالْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ وَالْآيَاتُ وَاضِحَةٌ وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ؟ فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ، وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَأَعْلَامُ الدِّينِ وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ؟ فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ»».
قال رسول الله صلى الله عليه وآله في «الكافي»، دار الأسوة، ج2، ص72، الحديث الثاني، عن الإمام الصادق عليه السلام:
««الْإِسْلَامُ عُرْيَانٌ، فَلِبَاسُهُ الْحَيَاءُ، وَزِينَتُهُ الْوَقَارُ، وَمُرُوءَتُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَعِمَادُهُ الْوَرَعُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ أَسَاسٌ، وَأَسَاسُ الْإِسْلَامِ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ»».
وفي «الكافي»، ج1، ص224، عن الإمام الرضا عليه السلام: ««إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ، إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ وَخِلَافَةُ الرَّسُولِ وَمَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِيرَاثُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ. إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَفَرْعُهُ السَّامِي»».
وفي ج1، ص208، باب فرض طاعة الأئمة، عن الإمام الباقر عليه السلام: ««ذُرْوَةُ الْأَمْرِ وَسَنَامُهُ، وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ الْأَشْيَاءِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: الطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ»».
وفي «علل الشرائع» للصدوق، المتوفى سنة 381هـ، الباب 9، الحديث الأول، عن الإمام الصادق، عن الحسين عليه السلام: ««أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ مَا خَلَقَ الْعِبَادَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ، فَإِذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ، فَإِذَا عَبَدُوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ عَنْ عِبَادَةِ مَنْ سِوَاهُ»». فقيل: فما معرفة الله؟ قال: ««مَعْرِفَةُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ إِمَامَهُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ»».
وفي «بصائر الدرجات الكبرى» لمحمد بن الحسن الصفار، مؤسسة النعمان، بيروت، من رسالة الإمام الصادق إلى المفضل بن عمر: ««ثُمَّ إِنِّي أُخْبِرُكَ أَنَّ الدِّينَ وَأَصْلَ الدِّينِ هُوَ رَجُلٌ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ الْيَقِينُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ، وَهُوَ إِمَامُ أُمَّتِهِ وَأَهْلِ زَمَانِهِ؛ فَمَنْ عَرَفَهُ عَرَفَ اللَّهَ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ أَنْكَرَ اللَّهَ وَدِينَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ جَهِلَ اللَّهَ وَدِينَهُ وَحُدُودَهُ وَشَرَائِعَهُ»». وفي ص46، الحديث 8، عن أبي حمزة الثمالي، عن الإمام الباقر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: ««يَا عَلِيُّ، أَنْتَ أَصْلُ الدِّينِ، وَمَنَارُ الْإِيمَانِ، وَغَايَةُ الْهُدَى»».
وفي الخطبة القاصعة من «نهج البلاغة»، ص219، الخطبة 192، يقول أمير المؤمنين:
««وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ... وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»».
هذه النصوص لا تقدم العترة بوصفها هيئة إفتاء أو أئمة في باب محدود من العلم، بل تقدمها أصل الدين وموضع معرفته وبابه ووجهه.
لا يكفي بعد انكشاف هذه الوثائق أن ينتقل الإنسان من اسم مذهب إلى اسم مذهب؛ فقد ينتقل من مذهب عباسي إلى مذهب تشكل بأدوات المدرسة العباسية نفسها، ويبقى بعيدًا عن دين العترة. فسقيفة بني طوسي لم تكتف بوراثة نصوص سقيفة بني ساعدة، بل أعادت إنتاجها في مناهجها الرجالية والأصولية والفقهية، ثم أبقت اسم العترة وأفرغته من مضمونه. والبداية الصحيحة هي القرآن، لكن القرآن بتفسير علي وآل علي، والتوفيق من صاحب الأمر صلوات ربي عليه.
حديث الثَّقَلَيْنِ لا يقول لك: اجمع كتبًا أكثر فحسب؛ بل يقول لك: اعرف الجهة التي لا تفارق القرآن. ولا يقول لك: اجعل العترة مصدرًا تاريخيًا بين مصادر؛ بل يقول: ««لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»». ولا يقول: قارن بين كتاب صامت وإمام ناطق في رتبة واحدة؛ بل يبين أن حقائق الكتاب داخلة في حقيقة الإمام، وأن التمسك بالكتاب لا يتحقق إلا من طريق مفسره المعصوم.
ومن هنا تتجمع النتيجة:
1. اللفظ الصحيح هو «حديث الثَّقَلَيْنِ» بفتح الثاء.
2. الصيغة الثابتة في مصادر المسلمين هي «كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
3. صيغ الاقتصار على الكتاب أو استبدال العترة بالسنة أو حذف ضمان عدم الضلال هي وجوه تحريف نصي.
4. إدخال الزوجات في العترة، وجعل الكتاب أكبر والعترة أصغر، أو مساواتهما في المنزلة، أو جعل الحديث نهاية العقيدة، أو حصر الأئمة في وظيفة العلم الديني؛ وجوه تحريف معنوي.
5. القرآن يرد الناس إلى الراسخين في العلم، والكتاب الناطق، والإمام المبين، ووجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء.
6. بيعة الغدير تعين جهة البيان بعد النبي، ولذلك كان عدم تبليغها مساويًا لعدم تبليغ الرسالة.
7. حديث الثَّقَلَيْنِ بوابة البحث، وغاية الطريق معرفة إمام الزمان والمرابطة في فناء بابه.
لم تستطع الأيدي التي خاصمت العترة حذف حديث الثَّقَلَيْنِ؛ لأنه منتشر في طبقات الرواية وكتب الفريقين، فلجأت إلى تفكيكه: مرة بتغيير عنوانه، ومرة بصرف العامة عنه، ومرة بحذف العترة أو استبدال السنة بها، ومرة بإدخال غير العترة فيها، ثم جاءت أخطر مرحلة حين بقيت ألفاظ الحديث وحُرِّف معناه في الأذهان.
التحريف اللفظي ظاهر يمكن كشفه بالمقابلة بين النصوص، أما التحريف المعنوي فأخطر؛ لأنه يترك الكلمات في مكانها ثم يسلبها نتيجتها. والنتيجة التي تقود إليها الآيات والروايات والوثائق المعروضة ليست أن العترة ملحق بالكتاب، ولا أنها مدرسة فقهية إلى جانب المدارس، بل أن الدين رجل، وأن معرفة الله في طريق الهداية العملية هي معرفة إمام كل زمان الذي تجب طاعته، وأن الكتاب الصامت لا يهدي منفصلًا عن الكتاب الناطق.
فالطريق المختصر للباحث عن الحقيقة هو: القرآن أولًا، ولكن بتفسير العترة؛ وحديث الثَّقَلَيْنِ بوابة، ولكن بعد تخليصه من التحريف اللفظي والمعنوي؛ والغاية إمام زماننا صلوات الله عليه، لأن إمامك دينك ودينك إمامك. ««مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»».
1790155152197-____-_______-457-____-_____.pdf
ملف PDF • اضغط للفتح