جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 455
تاريخ البث : يوم الخميس 26 ذي القعدة 1444هـ الموافق 15 / 6 / 2023م
تبدأ هذه الحلقة ببيان صلتها المباشرة بما سبقها، حيث يُصرّح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بأنها تشكّل استكمالاً وتتمةً لما تقدّم في الحلقة الخامسة وخمسين بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة، وهو الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة. وتندرج هذه الحلقة تحت العنوان الكبير جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة في جزئه الحادي عشر، حيث ينقسم البحث في هذه الجريمة المزدوجة إلى شقين أساسيين: الشق الأول المتعلق بالتحريف الديني والتزييف العقائدي، والشق الثاني المتمثل في محاربة برنامج العترة الطاهرة الموسوم بـ هندسة العترة لحفظ الدين. وبعد أن أنهى الشيخ الكلام في نماذج التحريف الانتقائي والتحريف العلمي التأسيسي، واستعرض نماذج من التحريف الصارخ شملت دعاء اللعنين في آخر زيارة عاشوراء، والدعاء لأهل الثغور في الصحيفة السجادية، والتأبين العلوي لأمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد دفن الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام سراً والمذكور في نهج البلاغة، ينتقل في هذه الحلقة إلى تناول الأنموذج الرابع والأخير من نماذج التحريف الصارخ المتمثل في حديث الثقلين.
تتجلّى الفكرة العامة للحلقة في تأكيد الشيخ بناءً على بحث طويل وممتد لعقود في أمهات كتب المكتبتين السنية والشيعية، أنه لم يواجه نصاً تعرض لهذا الكم الهائل والمكثف من التحريف كما تعرض له حديث الثقلين. ويكشف الشيخ أن القائمين على السقيفتين—سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني طوس—لم يستطيعوا حذف هذا الحديث وإلغاءه بالكامل من التراث لانتشاره الواسع والمدوّن في أمهات المصادر الحديثية لدى الفريقين، مما دفع الإرادة الشيطانية للجوء إلى تحريفه وتزوير ألقابه وألفاظه ودلالاته العقائدية. ومن هذا المنطلق يقدم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي فهرسة شاملة لألوان التحريف التسعة التي استهدفت هذا الحديث الشريف، مؤكداً أن البحث يتطلب تفصيلاً ممتداً سيكمله في الحلقة القادمة لتفكيك هذه الجريمة المعرفية.
يتناول الشيخ المحور التفصيلي الأول المتعلق بـ التحريف في العنوان، وهو التحريف المتمثل في الانتقال من اللفظ الصحيح والبليغ حديث الثَقَلين بفتح القاف إلى اللفظ المحرّف حديث الثِقْلين بتسكين القاف. ويوضح الشيخ الفارق اللغوي والعقائدي الجوهري بينهما؛ إذ إن كلمة الثِقْل بالتسكين تعني مجرد مقدار الوزن الكيلوغرامي أو ثقل المادة، بينما كلمة الثَقَل بالفتح تشير في لغة العرب إلى الشيء العزيز جداً والنفيس العظيم الذي لا يُقدّر بثمن ولا يُدرك بالمال. وهذا المعنى هو الذي يتطابق تماماً مع مفهوم التركة المحمدية الشريفة التي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله للثقلين والعالمين في قوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ويرفض الشيخ كافة الترقيعات اللغوية التي تحاول المساواة بين المفردين.
يصل الشيخ إلى المحور الثاني وهو التحريف الإيحائي الشيطاني الذي مارسه علماء سقيفة بني ساعدة على عوام أهل السنة، حيث أوهموهم عبر الملازمات الكلامية والإيحاء النفسي بأن الحديث الوارد بلفظ وعترتي هو حديث رافضي شيعي تختص به الشيعة ولا صحة له في كتبهم. ويبين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن كبار علماء السنة يعلمون يقيناً أن اللفظ الصحيح والثابت عندهم هو وعترتي، وأن الحديث المروي بلفظ وسنتي إذا جُعل صحيحاً فإنما يُفهم ويُشرح كفرع وتفصيل لسنة العترة الطاهرة؛ لأن سنة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هي بعينها سنة عترته المطهّرة.
يستعرض الشيخ المحور الثالث المتمثل في صيغ التحريف اللفظي والمعنوي المنتشرة في أروقة المكتبة السنية، والتي شملت إسقاط ذِكر العترة والاقتصار على عبارة إني تارك فيكم كتاب الله فقط، أو استبدال لفظ وعترتي بلفظ وسنتي. كما يكشف الشيخ عن تحريف آخر تمثّل في حذف الجملة المفصلية ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً من كثير من المصادر التي أوردت لفظ العترة. ويُضاف إلى ذلك التحريف المعنوي الصارخ المتمثل في إصرار علماء المؤسسة السنية عند شرح الحديث على إدخال نساء النبي—ولا سيما عائشة—ضمن مفهوم العترة، وهو ما يبطله النص المروي صراحة في حادثة حديث الكساء ونزول آية التطهير.
ينتقل الشيخ إلى المحور الرابع المتعلق بـ التحريف المشترك بين السقيفتين، وهو التحريف السابع الذي حظي بقبول واحتفاء كبيرين لدى مرجعيات سقيفة بني طوس في النجف وكربلاء، والمتعلق بإدخال مصطلحي الثقل الأكبر للإشارة إلى القرآن الكريم والثقل الأصغر للإشارة إلى العترة الطاهرة. ويؤكد الشيخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أوصى بالثقلين لم يفرق بينهما ولم يضع تفاضلاً رتبياً يرفع الكتاب فوق المعصوم، غير أن المراجع والخطباء والإعلام الديني الشيعي طربوا لهذه النواصب المقيتة، وجعلوا الكتاب أعلى منزلة من الإمام المعصوم صلوات الله عليه.
يتطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى المحور الخامس الذي يشكّل خطراً عقائدياً داكناً في الفكر الطوسي، وهو التحريف الثامن المتمثل في القول بـ المساواة في المنزلة بين القرآن والعترة. ويوضح الشيخ أن علماء الشيعة ألّفوا الموسوعات الطويلة لإثبات صحة حديث محرّف، وانتهى مطافهم إما إلى جعل الكتاب أعلى من العترة أو إلى القول بالمساواة بينهما. ويبين الشيخ الحقوق العقائدية الناصعة القائمة على أن الكتاب الشريف هو مجرد شأن من شؤون الإمام المعصوم صلوات الله عليه، ولا يوجد في الوجود شيء يرتفع إلى مستوى الإمام أو يساويه.
يتناول الشيخ المحور السادس المتمثل في التحريف التاسع، وهو اعتبار حديث الثقلين يمثل نهاية المطاف في العقيدة الشيعية، بينما الحقيقة العلمية القاطعة تبين أنه حديث برزخي موضوع للمحاججة والجدل. ويشرح الشيخ أن الأحاديث البرزخية تشكّل بوهجها مرحلة انتقالية بين مرحلة التنزيل ومرحلة التأويل، وأن الغاية الحقيقية للحديث هي فتح الباب للوصول إلى نهاية المطاف المتمثلة في أن الدين كله هو الإمام المعصوم، وأن الكتاب العظيم هو تجلٍ وشأن من شؤونه.
يخصص الشيخ المحور السابع لعرض الحجج والوثائق الحديثية الدامغة من أمهات المصادر السنية المسندة قبل البخاري ومسلم وبعدهما، مثبتاً ورود لفظ وعترتي أهل بيتي. واستشهد الشيخ بما ورد في الطبقات الكبرى لابن سعد المتوفى سنة 230 هـ، والمصنف لابن أبي شيبة المتوفى سنة 235 هـ بلفظ إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ومسند أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هـ. كما قَرَأ النصوص الشريفة من صحيح مسلم في خطبة غدير خم، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيشابوري الذي صحح الحديث على شرط الشيخين وأورد أحاديث: من أطاع علياً فقد أطاعني، وعلي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وأنا مدينة العلم وعلي بابها. وأكمل العرض بقراءة النصوص من سنن الترمذي الوارد فيها تصريح النبي بحصر أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم تحت الكساء ومنع أم سلمة من الدخول، فضلاً عن السنن الكبرى للبيهقي وكنز العمال للمتقي الهندي.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة متألماً من الظلم والحيف الممتد على مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه والتزييف الشامل الذي لحق بالحقائق الدينية في التراث السني والشيعي. ويعلن الشيخ نفوذ وقت الحلقة على أن يواصل تفكيك باقي المطالب والتحريفات في الحلقة القادمة، موجهاً رسالته العملية وإرشاده العقائدي للجمهور الواعي الخالي من التبعية الطوسية بالدعاء والوعي والمعرفة، والتمسك المخلص الصادق بالحق المطلق المتمثل في إمام زماننا صلوات الله عليه.