جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 456
تاريخ البث : يوم الجمعة 27 ذي القعدة 1444هـ الموافق 16 / 6 / 2023م
تُعدّ هذه الحلقة، وهي الحلقة السادسة والخمسون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (صولة القمر 76)، استكمالًا وتتمة مباشرة للحديث المتقدم في الحلقة السابقة ضمن العنوان الكبير: جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة في جزئه الثاني عشر. ويواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذا المقطع تفصيل الكلام في الشق الأول من هذه الجريمة المزدوجة، والمتعلق بـ التحريف الديني والتزييف العقائدي، محددًا موقعه في السلسلة بالوقوف المتأني عند الأنموذج الرابع من نماذج التحريف الصارخ، والمتمثل في حديث الثقلين، ليتابع استعراض أنواع التحريف العشرة التي تعرض لها هذا الحديث الشريف عبر التاريخ.
تتمحور الفكرة العامة لهذه المحاضرة حول تفكيك وتفنيد آليات التحريف والتزييف التي طالت حديث الثقلين في أروقة المكتبات الدينية، مع تركيز الشيخ على إثبات التواتر والانتشار الواسع للحديث بلفظ «وعترتي» في أمهات المصادر الحديثية والتفسيرية والتاريخية والمعجمية عند أهل السنة، لدرجة تُبطل الشيطنة العلمية والإيحاءات المضللة التي توهم العوام بأنه "حديث رافضي شيعي". كما تتناول الحلقة بيان الأخطاء اللغوية الشائعة في عنوان الحديث، واستعراض أربعة أنواع من التحريفات السقيفية، أبرزها تبتير النصوص الحديثية وتقطيعها، واستبدال لفظ «وعترتي» بعبارة «وسنتي»، وإثبات مخالفتها الصريحة والقطعية لصريح آيات القرآن الكريم.
ينتقل الشيخ إلى دحض الدعوى المضللة التي تُصوّر حديث الثقلين بلفظ «وعترتي» وكأنه نص شيعي مختص بالرافضة، عبر عرض نماذج موثقة من كبار مصادر الحديث السنية ما قبل عصر البخاري ومسلم، مثل الطبقات الكبرى لاِبْنِ سَعْدٍ، والمُصَنَّفِ لاِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ومُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. ويردف ذلك بالشواهد من الصحاح والموسوعات، مشيرًا إلى ورود النص الصريح في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، والمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ النَّيْسَابُورِيِّ الذي نص على صحته وفق شرط الشيخين، إضافة إلى السُّنَنِ الكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ، وكَنْزِ العُمَّالِ لِلْمُتَّقِي الهِنْدِيِّ، مؤكدًا أن الحديث مروي باللفظ النبوي الصريح: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
ويستكمل الشيخ حشد الأدلة السنية باستعراض كتب التفسير واللغات والتاريخ والتصنيف العقائدي والمعاصر، مستشهدًا بـ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ (مَفَاتِيحِ الغَيْبِ) لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ، والدُُّّرِّ المَنْثُورِ فِي التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ لِلْجَلاَلِ السُّيُوطِيِّ الذي أورد نص مسند أحمد: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ». كما يُلفت النظر إلى وروده في تَارِيخِ اليَعْقُوبِيِّ، وفي أشد الكتب ردًا على الشيعة مثل الصَّوَاعِقِ المُحْرِقَةِ لاِبْنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ حيث أقر بصحته، وفي أمهات القواميس كـ لِسَانِ العَرَبِ لاِبْنِ مَنْظُورٍ والقَامُوسِ المُحِيطِ لِلْفَيْرُوزَآبَادِيِّ، وصولًا إلى الأبحاث الحديثية السلفية المعاصرة في سِلْسِلَةِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِلأَلْبَانِيِّ الذي اضطر للإقرار بصحة الحديث وتفنيد المشككين فيه.
وفيم يتصل بالمكتبة الشيعية، يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن حديث الثقلين يُمثّل أصلًا عقائديًا بديهيًا ثابتًا في جميع أروقتها، مستعرضًا الشواهد من أقدم المصادر، بدءًا من كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الذي نقل خطبة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله الأكيدة في آخر أيامه وتصريحه بالأوصياء الإثني عشر، والكَافِي لِلْكُلَيْنِيِّ في بيان تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ وقول الرسول: «لاَ تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، وكَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ لِلشَّيْخِ الصَّدُوقِ الذي نقل تحديد أمير المؤمنين صلوات الله عليه للعترة بقوله: «أَنَا وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ وَالأَئِمَّةُ التِّسْعَةُ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ تَاسِعُهُمْ مَهْدِيُُّهُمْ وَقَائِمُهُمْ لاَ يُفَارِقُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَلاَ يُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَرِدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ حَوْضَهُ»، وصولًا إلى وَسَائِلِ الشِّيعَةِ لِلْحُرِّ العَامِلِيِّ الذي قطع بتواتره بين العامة والخاصة، والموسوعات التخصصية كـ عَبَقَاتِ الأَنْوَارِ وغَايَةِ المَرَامِ وَحُجَّةِ الخِصَامِ لِلْهَاشِمِيِّ البَحْرَانِيِّ.
يتناول الشيخ النوع الثالث من تحريفات بني ساعدة للحديث الشريف، والمتمثل في التبتير والتقطيع المتعمد للنصوص النبوية لإسقاط ذكر العترة الطاهرة. ويعرض نماذج من المُصَنَّفِ لاِبْنِ أَبِي شَيْبَةَ حيث جرى بتر الحديث وتفريغه ليصير: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ»، أو إيراده مقتطوعًا من طرفه الآخر: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ» دون إكمال النص. ويصف الشيخ هذا الصنيع بـ الأبتريّة العقائدية التي تشبه الصلاة البتراء، مستشهدًا بنماذج مشابهة في كَنْزِ العُمَّالِ تعكس منهجية تزييف العقيدة وتبتير الحقائق النبوية لمنع الأمة من الوصول إلى الثقل الثاني.
يركز الشيخ على التحريف الرابع والمتمثل في حذف لفظ «وعترتي» ودس عبارة «وسنتي» مكانه (كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي)، موضحًا أن هذا الحديث المكذوب يتعارض تمامًا وبنسبة مائة بالمائة مع منطق القرآن الكريم. ويستدل الشيخ بآيات سورة النحل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، ليبين أن السنة النبوية هي البيان والتطبيق المرحلي لآيات التنزيل في زمان النبي بحسب حاجة ذلك المجتمع ومداراته، بينما يحتوي الكتاب على ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ لجميع الأجيال والطبقات العصرية. ومن ثم فإن إرجاع البشرية إلى كتاب يحتوي على أسرار وحقائق مجملة وسنة تاريخية محدودة دون وجود المُفَسِّر الإِلَهِيّ يستلزم وقوع السفاهة واللغو، وهو ما ينزه عنه مقام النبوة.
ويؤصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي القاعدة الكلية القائلة بأن مَرْحَلَة التَّنْزِيل قد نسختها وخلفتها مَرْحَلَة التَّأْوِيل التي ابتدأت من يوم بَيْعَة الغَدِير، حيث اكتمل الدين بتحديد المنظومة الهادية والمفسرة للقرآن. ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فاكتمل الدين بوجوب الرجوع إلى أُولِي الأَمْرِ المعصومين المحيطين بحقائق الكتاب والسنة لرفع الاختلاف، وهو ما يثبت كذب أحاديث الإرجاع إلى "الكتاب والسنة" المجردة.
ثم يفند الشيخ الحديث الآخر المروي عندهم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّتِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ» متى ما أُريد به خلفاء السقيفة، مبينًا التناقض الصريح بين سيرهم وسنة النبي، وحالة التخبط والتناقض في استخلاف بعضهم لبعض. ويستعرض الشيخ الوثيقة التاريخية القاطعة المنقولة في تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ ومُرُوجِ الذَّهَبِ لِلْمَسْعُودِيِّ والمتضمنة رسالة معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر، والتي اعترف فيها معاوية صراحة بقوله: «فَكَانَ أَبُوكَ وَفَارُوقُهُ أَوَّلَ مَنْ ابْتَزَّهُ حَقَّهُ وَخَالَفَهُ عَلَى أَمْرِهِ... وَلَوْلاَ مَا فَعَلَ أَبُوكَ مِنْ قَبْلُ مَا خَالَفْنَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ»، مما يقطع بأن سنتهم المبتدعة كانت قائمة على ابتزاز حق أهل البيت ومخالفة السنة النبوية الشريفة.
يختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان الخلاصة والرسالة العملية القائمة على وجوب التمسك الصارم بالثقلين الأقدسين: الكِتَاب المَجِيد والعِتْرَة الطَّاهِرَة، ونبذ كل أشكال التحريف والافتراء التي أحدثتها السقيفة الأولى والسقيفة الطوسية. ويوجه الشيخ دعوة مخلصة لكافة المطلعين وطلاب الحقيقة من المسلمين للتدبر في هذه الوثائق المكتوبة والدلائل القرآنية الشاخصة بعيدًا عن التعصب المذهبي، معقّبًا بالتضرع والدعاء، والتوسل بالفيض المهدوي الشريف لـ إِمَام زَمَانِنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ليحفظ شيعته المخلصين ويهديهم إلى جادة الحق والصواب.