جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 457
تاريخ البث : يوم السبت 28 ذي القعدة 1444هـ الموافق 17 / 6 / 2023م
تأتي هذه الحلقة استكمالاً وتتمة لما تقدّم في الحلقات السابقة من البحث في جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة ضمن ملف الكتاب والعترة، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفكيك النموذج الرابع من نماذج التحريف الصارخ، وهو حديث الثقلين، لمتابعة كشف وتبيين أنواع التحريفات والتزييفات التي تعرض لها هذا النص الشريف صياغةً ومضموناً على أيدي رجالات السقيفتين.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول كشف التعاطي التحريفي المزدوج مع حديث الثقلين؛ إذ يبين الشيخ كيف تضافرت جهود مدرسة سقيفة بني ساعدة مع مناهج سقيفة بني طوسي على تقزيم هذا الحديث العظيم، إما بتفريغه من محتواه اللفظي والتأكيدي، أو بتحريف معانيه الدلالية وإقحام عناصر أجنبية عن العترة الطاهرة، وصولاً إلى تحريفه المعاصر بتجريد أهل البيت صلوات الله عليهم من مقاماتهم التكوينية وإسقاط المحورية العقائدية لـ بيعة الغدير.
يتناول الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي النموذج الخامس من تحريفات حديث الثقلين، والمتمثل بحذف عبارات التوكيد الحاسمة في المصنفات، كحذف جملة «مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا» أو جملة «وَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ»؛ ويوضح الشيخ أن هذا الحذف الشيطاني أريد منه إضعاف مفصلية التمسك بالعترة وإسقاط الضمان الإلهي للهداية الأبدية، مع أن صريح قوله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: «إنِّي تَاِرِكٌ فِيكُمْ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» كافٍ بمجرده في إثبات العصمة ووجوب الاتباع المطلق دون حاجة لزوائد، لأن لفظ التارك بصلة الفاعل يقتضي الاستمرار والدوام.
ينتقل الشيخ إلى التحريف السادس المعنوي القائم على إدخال نساء النبي في عنوان العترة، مبنياً بطلان هذا الادعاء منطقياً وعقائدياً وواقعياً؛ فإن حديث الثقلين ينفي وقوع أي افتراق بين الكتاب والعترة نظرياً أو عملياً، بينما الواقع التاريخي يثبت وقوع الجهل والمخالفة العملية الصريحة من نساء النبي لأحكام القرآن، كما ظهر في وقعة الجمل وما جرى في حادثة كلاب الحوأب المروية في كتب المخالفين كـ «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني و**«سير أعلام النبلاء»** للذهبي، مما يقطع بامتناع دخولهن في العترة المعصومة الملازمة للقرآن والشهيدة عليه.
يشرح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التحريف السابع المشترك بين السقيفتين، والمتضمن إيحاء أفضلية الكتاب وتقديمه على العترة عبر وصفه بـ «الثَّقَلِ الأَكْبَرِ» أو «الأَعْظَمِ» أو «الحَبْلِ الأَطْوَلِ» وجعل العترة في المرتبة الأدنى؛ ويرد الشيخ على ذلك بشواهد النصوص الشريفة، ومنها ما ورد في «غاية المرام» و**«كتاب المائة منقبة»** عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنِّي تَاِرِكٌ فِيكُمْ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ لَكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ؛ لأَنَّهُ مُتَرْجِمٌ لَكُمْ عَنْ كِتَابِ اللهِ»، مستدلاً كذلك بـ خطبة الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه في «أمالي الطوسي»: «فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْنَا فِي تَفْسِيرِهِ»، وبكلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في «كتاب سليم بن قيس» حول تقدم المفسِر الحاكم على النص المفسَر.
يبين الشيخ التحريف الثامن المختص بـ سقيفة بني طوسي، والمتمثل بالاعتقاد بـ التساوي المطلق في المنزلة بين الكتاب والعترة؛ حيث يوضح الشيخ عبدالحليم الغزي أن حديث الثقلين يقرر التطابق والتوافق والتلازم بينهما في مقام هداية الأمة وعدم الاختلاف، ولكنه لا يعني المساواة في الرتبة والمقام، إذ إن العترة الطاهرة هي المفسر الإلهي والشارح الحي والحاكم القيوم على القرآن الكريم، ومقام المفسِر المعصوم يقدم رتبةً على النص الذي يحتاج إلى تفسير وبيان.
يسلط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على التحريف التاسع الطوسي، بـ جعل حديث الثقلين الغاية القصوى في العقيدة وسقف المعرفة بالعترة؛ ويرد الشيخ موضحاً أن حديث الثقلين هو في حقيقته حديث للمحاجة وبوابة أولية تمهد الطريق للباحثين عن الحقيقة للوصول إلى التشيع وإقامة الحجة على المخالفين، وليس هو التمام والكمال ولا النهاية في معرفة المقامات العقائدية والنورانية والتكوينية الشريفة لأهل البيت صلوات الله عليهم.
يكشف الشيخ عن التحريف العاشر الذي يعد أخبث وأخطر التحريفات المبتدعة في المدرسة الطوسية المعاصرة، وهو اختزال العترة الطاهرة في كونهم مجرد «أَئِمَّةٌ فِي العِلْمِ الدِّينِيِّ» ومصادر للفتوى والفقه؛ مشيراً إلى أن أول من أصل هذا الانحراف هو المرجع حسين البروجردي وتبعه تلميذه علي السيستاني، حيث جعلوا الفقه الشيعي حاشية على فقه الجمهور، وسلبوا المعصومين إمامتهم التكوينية والعقائدية، واعتبروا النزاع في الخلافة وبيعة الغدير مسألة تاريخية لا محل لها اليوم، وهو كفر صريح بما نزل في القرآن الكريم.
يؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن بيعة الغدير ليست مجرد قضية تاريخية أو منافسة سياسية، بل هي أصل الدين وشرط قبول التوحيد والنبوة والقرآن كما صرحت آية التبليغ؛ موضحاً أن الحقائق الإلهية والدينية لا يمكن أن تتضح وتكتمل إلا من خلال العترة في مرحلة التأويل، لأن ما بينه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في مرحلة التنزيل كان يتناسب مع العقل البدوي في ذلك الزمان، بينما البيان الكامل والتدريجي لحقائق الدين موكول إلى العترة المفسرة في مرحلة التأويل.
يشرح الشيخ جوهر دين العترة الطاهرة القائم على أن العلاقة بالله علاقة تكوينية أولاً، وأن الأحكام التشريعية تأتي متناسقة في سياق هذا الخلق والتكوين؛ مستشهداً بنصوص الزيارة الجامعة الكبيرة: «بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلَّا بِإِذْنِهِ»، ليعلن أن التوحيد الحقيقي هو الفكرة الإلهية المأخوذة عن المعصوم، وأن فصل التشريع عن التكوين هو منهج الأعراب والنواصب الذي تسرب إلى المؤسسة الطوسية.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي منطق الحلقة بالدعوة إلى التبرؤ الكامل من تحريفات السقيفتين ومن المنهج الطوسي المنحرف، والتمسك المخلص بالمنظومة المعرفية الأصيلة لـ دين العترة الطاهرة؛ مؤكداً أن الحجة والبرهان والعقل والقرآن هي الفيصل الحقيقي في التمييز بين حقائق آل محمد وأباطيل المضلين، وأن النجاة والولاء الصادق لـ إمام زماننا صلوات الله عليه يقتضيان وعي هذه التحريفات والالتزام بالدين التكاملي العقائدي والتكويني الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار.