جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 454
تاريخ البث : يوم الأربعاء 25 ذي القعدة 1444هـ الموافق 14 / 6 / 2023م
يأتي هذا العرض استكمالاً للشق الأول من الجريمة الكبرى للمذهب الطوسي بحق دين العترة الطاهرة، وهو الشق المتعلق بـ التحريف الديني والتزييف العقائدي، بعد أن تقدّم الكلام في حلقة سابقة عن التحريف الانتقائي والتحريف العلمي التأسيسي المتمثل في عملية الاجتهاد، وتطبيق ذلك على نماذج صارخة كـ دعاء اللعن في آخر زيارة عاشوراء، والدعاء لأهل الثغور من الصحيفة السجادية، وصولاً إلى النموذج الثالث وهو التأبين العلوي للصديقة الكبرى صلوات الله عليها عقب دفنها، للوقوف على التزييف والتحريف الحاصل في ألفاظ هذا التأبين الشريف.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول إثبات حقيقة استشهاد الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها قتلاً وتعذيباً واختلاساً على أيدي غاصبي حقها، ودحض محاولات المؤسسة المرجعية والعلماء الطوسيين الذين حذفوا جملة «واختلست الزهراء» من نصوص التأبين العلوي في المصادر الشيعية، وتعرية التقاء سقيفة بني طوسي مع سقيفة بني ساعدة في طمس معالم هذه الجريمة النكراء وتزييف العقيدة والانتصار لرموز الظلم والتقصير.
انطلق الشيخ الأستاذ عبد الحليم الغزي من النص الصحيح الوارد في أمالي الشيخ المفيد للتأبين العلوي بعبارة: «لقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء»، متتبعاً الدلالة اللغوية لجملة «واختلست الزهراء» في لسان العرب لابن منظور، ليبيّن أن الاختلاس في لسان العرب يعني بذل أقصى السعي والجهد واستنفاد كل الوسائل لقتل الطرف الآخر وسلب نفسه تعذيباً واستئصالاً، وهو عينه ما ورد في زيارة الناحية المقدسة المروية في بحار الأنوار بحق الإمام الحسين صلوات الله عليه وأهل بيته بعبارة «السلام على الأرواح المختلسات»، ليكون قتله وقتل أمه صلوات الله عليهما قتلاً تعذيبياً أُخذت فيه أرواحهما قسراً وعدواناً.
فنّد الشيخ ما ذهب إليه العلامة المجلسي في كتابيه بحار الأنوار ومرآة العقول في تفسير مراد أمير المؤمنين صلوات الله عليه من عبارة «استرجعت الوديعة»، حيث زعم المجلسي أنها استعارة أدبية وأن النساء ودائع عند الأزواج أو الأرواح ودائع في الأبدان، واصفاً هذا الشرح بالتهافت والكلام الفارغ، ومستشهداً بالنص الروائي الصريح في عوالم العلوم عن الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه نقلاً عن كتاب الطرف في لحظات رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله، حين أخذ بيد الصديقة الكبرى صلوات الله عليها ووضعها في يد علي صلوات الله عليه قائلاً: «يا أبا الحسن هذه وديعة الله ووديعة رسوله محمد عندك فاحفظ الله واحفظني فيها»، مما يقطع بأن الوديعة هي أمانة الله ورسوله وليست بالمفهوم السطحي الأدبي الذي ادعاه علماء المنهج الطوسي.
استعرض الشيخ لقطات وشواهد متعددة من المصادر الشيعية تثبت أن استشهاد الزهراء كان قتلاً وتعذيباً مباشراً، ومنها ما رواه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الشيعي في دلائل الإمامة عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في بيان سبب وفاتها، وأن قنفذ مولى عمر لكزها بـ نعل السيف في خاصرتها لكزاً شديداً بأمر عمر، فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضا شديداً، إضافة إلى ما ورد في زيارة البتول في كتاب المقنعة لـ الشيخ المفيد بعبارات «السلام عليك أيتها البتول الشهيدة الطاهرة» و**«لعن الله من كذّبك وأعنتك وغصّصك بريقك»**، في إشارة إلى جريمة إحراق الباب بـ الحطب الجزل وعصرها بين الباب والجدار ودخول الدخان الذي كاد يخنقها.
أكّد الشيخ الأستاذ عبد الحليم الغزي على محورية كتاب سليم بن قيس الهلالي باعتباره أقدم وثيقة تاريخية شيعية عُرضت على الإمام السجاد صلوات الله عليه فأقرها، حيث تضمن مذكرات الجريمة النكراء، واستشهد الشيخ بالحوار الجاري بين العباس بن عبد المطلب وأمير المؤمنين صلوات الله عليه حول سر استثناء عمر لـ قنفذ من التغريم المالي، حين بكى علي وقال: «شكر له ضربة ضربها فاطمة بالسوط فماتت وفي عضدها أثره كأنه الدملج»، وهو الشاهد الذي صاغه محمد حسين الغروي الأصفهاني (الكمباني) في أرجوزته الأنوار القدسية بقوله: «والأثر الباقي كمثل الدملج في عضد الزهراء أقوى الحجج»، فضلاً عن رواية صرع علي لعمر، وسلّ خالد بن الوليد لسيفه ليضرب فاطمة، وشهادة نسوة بني هاشم بالمظلومية العارمة.
بيّن الشيخ تضافر القرائن والنصوص الشريفة من مختلف أبواب الحديث والزيارات، كالمضمون الوارد في دعاء صنمي قريش المروي في بحار الأنوار عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعبارة «ودماً أراقوه وبطناً فتقوه وضلعاً كسروه وصكاً مزقوه»، وما رواه ابن قولوييه في كامل الزيارات عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في حديث المعراج من أن رسول الله صلى الله عليه وآله أُخبر بأن ابنته تُضرب وهي حامل وتطرح ما في بطنها وتموت من ذلك الضرب، بل وحتى ما جاء في كتب المخالفين كـ فرائد السمطين لـ إبراهيم الجويني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة»، للتأكيد على ثبوت لفظ القتل والاستشهاد في كل التراث.
عقد الشيخ مقارنة عقائدية حادة بين جريمتي سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني طوسي، موضحاً أن الأولى أقدمت على قتل شخص الزهراء صلوات الله عليها تعذيباً مرة واحدة وأحرقت منزلها مرة واحدة، في حين ترتكب سقيفة بني طوسي والمؤسسة المرجعية التقليدية في النجف وكربلاء جريمة أشد إجراماً وقتلاً متكرراً مستمراً في كل ثانية من خلال قتل شخصية الزهراء وإحراق منزلتها ونفي إمامتها وتضعيف الوثائق والروايات الهادفة إلى بيان مظلوميتها واستشهادها، مما يجعل هؤلاء المراجع أضر على الشيعة من جيش يزيد.
سلط الشيخ الأستاذ عبد الحليم الغزي الضوء على مظلومية إمامة فاطمة صلوات الله عليها باعتبارها الجريمة الكبرى والظلامة الحقيقية التي ينكرها الشيعة المقصرون والمراجع، مستدلاً برواية كتاب المحاسن للبرقي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه حين بيّن فرح المؤمن عند الاحتضار برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة صلوات الله عليهما، ثم قول الصادق لعبد الحميد الطائي: «أما فاطمة فلا تذكرها»، كشفاً عن حرقة قلب المعصوم وحزنه الشديد من موقف الشيعة الذين ينكرون إمامتها وقتلها برغم تباكيهم في مجالس العزاء الصورية التي تدافع في واقعها عن القتلة وتبرئهم من الجريمة.
تطرق الشيخ إلى الموقف العملي والنقدي الذي وقفه بوجه التيار القطبي والمؤسسات المنفتحة في أوائل التسعينيات، قارئاً نصه النثري الإيقاعي المعنون «مناجاة بين يدي المظلومة الشفيعة»، والذي فضح فيه انحرافات الأحزاب والشخصيات التي شككت في حادثة الباب والمسمار والكسر وإحراق الدار، وكشف فيه عن ارتمائها في أحضان السياسة العالمية ومؤسساتها كـ صندوق النقد الدولي والتخلي عن نهج أهل البيت، مبيناً أن التشكيك في ظلامة الزهراء وإخفاء القبر الشريف هو الجرح المحفور في وجدان الأمة.
ختم الشيخ الأستاذ عبد الحليم الغزي المحاضرة ببيان الخلاصة والرسالة العملية القاضية بالعودة الصادقة والنقية إلى برنامج العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، والوعي العميق بحقيقة استشهاد الصديقة الكبرى صلوات الله عليها قتلاً وتعذيباً واختلاساً كما أقرّها أمير المؤمنين صلوات الله عليه في قوله الخالد «لقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء»، داعياً المؤمنين إلى رفض المنهج المرجعي الطوسي القائم على التزييف وتضعيف الوثائق، والتمسك بالحقائق العقائدية الناصعة والبراءة الكاملة من ظالمي آل محمد وقاتليهم.