جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 453
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 24 ذي القعدة 1444هـ الموافق 13 / 6 / 2023م
تُعدّ هذه الحلقة استكمالًا وتتمةً لمطالب الحلقة الماضية ضمن الشق الأول من جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة، وهو شق التحريف الديني والتزييف العقائدي، وتحديدًا تحت العنوان الفرعي نماذج من التحريف الصارخ. فقد استكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي التوضيحات المتعلقة بعدم تحقق المجتمع الشيعي المنشود الممهّد لظهور إمام زماننا صلوات الله عليه بسبب التأسيس للتشريع المرجعي الباطل، وما ترتب عليه من تعطيل العمل بـ الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق، وذلك قبل الانتقال إلى الأنموذج الثالث من نماذج التحريف الصارخ.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول كشف معالم البرنامج الإلهي لزمن الغيبة الكبرى وتفكيك القوانين الكلية الهادية للعباد عبر قانون التدافع الإلهي وقانون المكر الإلهي وحكمة الغيبة المستورة، بالتوازي مع فضائح التزييف النصي في التراث الشيعي المتمثلة في الأنموذج الثالث من التحريف الصارخ المرتكب في نص تأبين أمير المؤمنين للزهراء صلوات الله عليهما؛ حيث جرى إسقاط الكلمات والمقاطع الدالة صراحةً على مقتل فاطمة صلوات الله عليها وظلامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه لتمرير الرواية المرجعية المظلِّلة.
استعرض الشيخ أبعاد التواصل الإلهي المستمر بين إمام زماننا صلوات الله عليه وشيعته خلف سِتار الغيبة، مُستشهدًا بحديث أمير المؤمنين صلوات الله عليه في غيبة النعماني حينما وصَف حيرة الأمة وفقدانها لعقلها عند استطالة الغيبة، مؤكدًا صلوات الله عليه أن الحجة قائمة تجول في الطرق والدور وتسمع الكلام وترى ولا تُرى. كما عرج الشيخ على حديث الرايات المشتبهة الاثنتي عشرة الوارد في الكافي عن المفضل بن عمر مع الإمام الصادق صلوات الله عليه، مبيّنًا أن ضلال الرايات المشتبهة هويته كوفية عراقية، وأن معلم الهداية والحق كوفي عراقي أيضًا، لقول الإمام: «أَمْرُنَا أَبْيَنُ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ يَا مُفَضَّلُ»، وهو ما يُطابق مضامين حديث المشرقيين عن الإمام الباقر صلوات الله عليه القائم على منهج استبقاء النفس لصاحب الأمر وفق المعلم الشمسي الواضح.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى بيان قانون التدافع الإلهي باعتباره سنة تكوينية وتشريعية شاملة تحفظ حيوية الاستقرار وتدفع الفساد عن الأرض، مُستدلاً بواقعة طالوت وجالوت في سورة البقرة: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ حيث انتصر الفتَى الصغير داوود بمقلاعه على الجيش المدجج. وأوضح الشيخ اتساع هذا القانون في سورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، مؤكدًا أن دفع الله يشمل الخلق كافة برحمته وعطائه التكويني، بينما تتجلى نصرة المخلصين في عواقب أمورهم وسلامة بواطنهم.
أكّد الشيخ أن قانون المكر الإلهي يعمل في كواليس قانون التدافع الكبير لإحباط كيد أعداء الدين، مستعرضًا الآيات القرآنية الدالة على هذا التخطيط الرباني الخفي، ومنها قوله تعالى في سورة النمل عن قوم صالح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وما جاء في سورة آل عمران بشأن المسيح عيسى صلوات الله عليه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ برفع الله له وإفشال مخطط قتله، وفي سورة الأنفال عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ بجعل هجرته مفتاحًا للظفر والغلبة. وخلص الشيخ إلى زبدة الحكم الإلهية في ختام سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، مبيّنًا أن كيد الله ليس كيدًا مستعجلاً لأنه سبحانه لا يخاف الفوت، وهو عين ما يدار به برنامج الغيبة الكبرى.
أورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة بسنده عن عبدالله بن الفضل الهاشمي أنه سمع الإمام الصادق صلوات الله عليه يقول: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ غَيْبَةً لا بُدَّ مِنْهَا يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ»، ولما سُئل عن علتها أجاب صلوات الله عليه: «لِأَمْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُمْ»، مبيّنًا أن وجه الحكمة في الغيبة كالحكمة في أفعال الخضر مع موسى صلوات الله عليهما من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، والتي لم تنكشف إلا عند لحظة الافتراق. وأكّد الشيخ أن الحكمة الجوهرية التفصيلية للبرنامج المهدوي لن تتضح وتنجلي بكامل أبعادها وطهارتها إلا عند الظهور الشريف لـ الحجة بن الحسن عليه السلام.
شرع الشيخ في تفكيك الأنموذج الثالث من نماذج التحريف الصارخ، والمتعلق بنص تأبين أمير المؤمنين للزهراء صلوات الله عليهما ومناجاته لـ رسول الله صلى الله عليه وآله عقب دفن الصديقة الكبرى صلوات الله عليها، كما ورَد في كتاب نهج البلاغة للـ الشريف الرضي. وبيّن الشيخ أن هذا النص تعرض للتحريف والتعديل بإسقاط فقرات جوهرية منه، لا سيما ما يرتبط بإثبات حقيقة مقتل فاطمة صلوات الله عليها وعملية التعذيب التي تعرضت لها، فضلاً عن تحريف العبارة الشاهدة على تظافر الأمة وتألبها ضد أمير المؤمنين صلوات الله عليه بشخصه.
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي موضعين صريحين من التحريف في نسخة نهج البلاغة؛ أولهما اقتصار النص على عبارة: «فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ» مع حذف الجملة الموالية التي تبين الخلس والتغييب القسري، وثانيهما تحريف جملة: «وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَيَّ وَعَلَى هَضْمِهَا» بحذف كلمة «عَلَيَّ» لجعل الظلامة محصورة وتجريد أمير المؤمنين صلوات الله عليه من الإشارة إلى التآمر المباشر عليه. وأشار الشيخ إلى أن هذا الحجب التأسيسي تعمدته الاتجاهات المرجعية في مدرسة النجف والطوسي للتقليل من حجم الجريمة ومجاراة الروايات غير الشيعية التي تحاول التغطية على مقتل سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها.
أجرى الشيخ مقارنة علمية دقيقة بين المصادر الروائية المتقدمة لتتبع أصل النص؛ مبيّنًا أن النسخة المطبوعة من الكافي للـ الكليني وردت فيها عبارة «وَاخْلُصَتِ الزَّهْرَاءُ» وتبِعها العلامة المجلسي في بحار الأنوار، غير أن النسخ الأكثر دقة للـ الكافي التي اعتمدها عبدالله البحراني في عوالم العلوم أثبتت لفظة «وَاخْتُلِسَتِ الزَّهْرَاءُ». وأكّد الشيخ أن هذا اللفظ الصحيح هو الدارج في كتاب دلائل الإمامة للـ الطبري الإمامي، وأمالي الطوسي، وكتاب أمالي المفيد للـ الشيخ المفيد معلم الشريف الرضي، حيث جاء النص في أمالي المفيد وهو أصح النصوص: «فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، وَاخْتُلِسَتِ الزَّهْرَاءُ... وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَيَّ وَعَلَى هَضْمِهَا حَقَّهَا».
فصّل الشيخ المعنى اللغوي والعقائدي لكلمة «اخْتُلِسَتْ» بالرجوع إلى معجم لسان العرب لابن منظور؛ مبيّنًا أن الخَلْس والاختلاس يُفيدان: «الأَخْذُ فِي نَهْزَةٍ وَمُخَاتَلَةٍ»، أي أخذ الشخص على حين غفلة وفرصة وغدر وهو في زهرة شبابه، كما في قولهم عند تبارز الفرسان «يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا» أي يبتغيان القتل وسلب الروح. وأكّد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن إثبات كلمة «وَاخْتُلِسَتِ الزَّهْرَاءُ» يُعد دليلاً نصيًا قاطعًا على أن فاطمة صلوات الله عليها قُتِلت قتلاً واستُشهدت جراء الاعتداء والتعذيب الجسدي وهي في أوج شبابها، وأن تحريف هذه الكلمة وإسقاطها من نهج البلاغة كان لغاية طمس حقيقة المقتل الشديد وحماية الجناة.
اختتم الشيخ الحلقة بالرسالة العملية الموجهة للباحثين عن الحق والراغبين في التطهر من زيف المذهب الطوسي؛ مؤكدًا أن كل ما يُطرح في برنامج الخاتمة عبر قناة القمر إنما هو بمثابة تراب للتيمم وحاشية متواضعة من معارف مكتبة العترة الطاهرة، للتطهر الفكري والعقائدي بانتظار الطوفان الأعظم، وهو طوفان الطهر والعدل والحق المتمثل في ظهور إمام زماننا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه. ودعا الشيخ الشيعة الصادقين إلى التمسك التام بالثقافة الأصيلة لـ أهل البيت صلوات الله عليهم، ونبذ التحريفات المرجعية، والبات على طريق الانتظار الصادق لنصرة إمام زماننا صلوات الله وسلامه عليه.