جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 452
تاريخ البث : يوم الإثنين 23 ذي القعدة 1444هـ الموافق 12 / 6 / 2023م
تُمثّل هذه المحاضرة الحلقة الثانية والخمسين بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (وهي الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، والجزء الثامن من عنوان جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة)، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي استكمال البحث في الشق الأول المتعلق بـ التحريف الديني والتزييف العقائدي. ويأتي هذا العرض استكمالاً للحديث عن النموذج الثاني من نماذج التحريف الصارخ، وهو دعاء أهل الثغور الوارد في الصحيفة السجادية الكاملة، بمواصلة استعراض الوثائق والنصوص الشريفة التي تثبت أن الأئمة صلوات الله عليهم وضعوا خريطة طريق متكاملة لبناء مجتمع شيعي منشود يسير وفق برنامج يرضاه إمام زماننا، غير أن هذا المشروع تعرض للتعطيل كحال برنامج الغدير.
تدور الفكرة العامة لهذه المحاضرة حول كشف الهندسة الإلهية والبرنامج المهدوي المخصص لعصر الغيبة الكبرى، وتبين كيف حيل بين شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم وبين هذا الدستور المعرفي بسبب منهجية المذهب الطوسي. ويستعرض الشيخ عبر سلسلة متظافرة من الأدلة الروائية والزيارات والتوقيعات المقدسة وخطب نهج البلاغة تفاصيل المعالم الوظيفية التي يُفترض أن يتحلى بها الشيعي المنتظر، مؤكداً أنه عند تعذر تحقق التمهيد الجماعي والمجتمع المنشود، فإن الوظيفة الشرعية المتعيّنة تنتقل إلى التمهيد الفردي والعمل على الذات.
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بتسليط الضوء على الدعاء المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه في غيبته، والذي أوله "اللهم ارزقنا توفيق الطاعة وبعد المعصية..."، موضحاً أنه على إيجازه يختصر برنامجا مفصلاً بيّنه الإمام السجاد صلوات الله عليه في رسالة الحقوق. ويقف الشيخ عند مقطع الدعاء: "وعلى الغزاة بالنصر والغلبه وعلى الأسراء بالخلاص والراحة وعلى الأمراء بالعدل والشفقة وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة"، ليشير إلى الدلالة الواضحة لهذه العبارات على ملامح النظام الاجتماعي والتربوي الذي كان ينبغي أن يسود أوساط الأمة الشيعية خلال غيبة الإمام.
انتقالاً إلى زيارة صاحب الزمان صلوات الله عليه الواردة في مفاتيح الجنان (والتي أولها: "السلام عليك يا خليفة الله وخليفة آبائه المهديين...")، يُبيّن الشيخ أنها تتضمن خارطة إجمالية تُقسّم حركة الشيعي على ثلاث مراحل مفصلية: مرحلة عصر الغيبة المتمثلة باليقين والحب والتوكل والانتظار والاستعداد للتضحية بالنفوس والأموال والأهل، ومرحلة عصر الظهور القائمة على الانقاد والتصرف بين أمر الإمام ونهيه ونيل الشهادة بين يديه، ومرحلة عصر الرجعة للطلب بالكرة بعد الموت. ويشدد الشيخ على أن الانتظار في زمن الغيبة ليس مجرد لقلقة لسان، بل هو نية قاطعة وتجهيز عملي تمهيدي.
ويستشهد الشيخ بما رواه الشيخ الصدوق في كتابه كمال الدين وتمام النعمة بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابولي عن الإمام السجاد صلوات الله عليه، في قوله لأبي خالد: "يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته القائلين ببحإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة...". ويشرح الشيخ الغزي أن هذا النص ينطبق بصورة كاملة على الغيبة الثانية (الغيبة التامة)، حيث يتحقق تفوقهم بفضل ألطاف إمام زمانهم الهادية، ليكونوا في مقام المجاهدين بالسيف والدعاة إلى الله سرا وجهرا.
وفي القراءة التحليلية لـ الخطبة الخمسين بعد المائة من نهج البلاغة، يقف الشيخ عند قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في وصف الحجة بن الحسن عليه السلام: "ألا وإن من أدركها منا يسري فيها بسراج منير ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا ويعتق فيها رقا ويصدع شعبا ويشعب صدعا في ستر عن الناس لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره...". ويُظهر الشيخ كيف يبين هذا النص النشاط المستمر للإمام في ظلمات الفتن، وتدخله النافذ في مقدرات الخلق من وراء ستار الغيبة، مشيراً إلى قوله: "ثم ليُشحذن فيها قوم شحذ القين النصل تُجلى بالتنزيل أبصارهم ويُرمى بالتفسير في مسامعهم ويُغبقون كأس الحكمة بعد الصباح"، باعتبارهم النخبة المصطفاة التي تتلقى الحكمة والمشرب المعرفي النقي.
ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الغيبة التامة لا تعني انقطاع التأثير أو انتفاء التواصل، مستدلاً بما جاء في كتاب الكافي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة... والأخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه". ثم يعضد ذلك بالرسالة الثانية الصادرة من إمام زماننا صلوات الله عليه إلى الشيخ المفيد سنة 412 هـ: "ولو أن أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم"، موضحاً أن سبب الحجاب هو الانحراف عن عهد الولاية والانسياق وراء المناهج الاجتهادية الدخيلة.
ويستعرض الشيخ مقطعاً دقيقاً من الدعاء المروي عن الإمام الرضا صلوات الله عليه في كتاب جمال الأسبوع لـ ابن طاووس، والذي يصف شيعة الإمام وأنصاره في زمن الغيبة بقوله: "اللهم وشركاءه في أمره ومعاونوه على طاعتك الذين جعلتهم حصنه وسلاحه ومفزعه وأنسه الذين سلوا عن الأهل والأولاد وتجافوا الوطن وعطلوا الوثير من المهاد قد رفضوا تجاراتهم وأضروا بمعايشهم وفوقدوا في أنديتهم بغير غيبة عن مصرهم وحالفوا البعيد ممن عاضدهم على أمره وخالفوا القريب ممن صد عن وجهتهم...". ويبيّن الشيخ أن هؤلاء هم الشركاء في برنامجه التمهيدي، الذين انقطعوا لخدمة إمامهم وتخلوا عن الراحة والدعة في سبيل إعلاء كلمته.
ويستدل الشيخ بما جاء في غيبة النعماني عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه أقسم قائلاً: "فورب علياً إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها داخلة في دورها وقصورها جوالة في شرق هذه الأرض وغربها تسمع الكلام وتسلّم على الجماعة ترى ولا تُرى..." لتأكيد حضوره الفاعل وهيمنته الشاملة. ويربط الشيخ ذلك بما ورد في تفسير الإمام الحسن العسكري عليه السلام عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في صيانة العوام المخلصين: "لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب..."، موضحاً كيف يتدخل الإمام للتدبير والتسديد المباشر لحفظ المستضعفين من ضلال القيادات المنحرفة.
ويقدم الشيخ الغزي مجموعة من التوضيحات الكلية لتفكيك الشبهات والمغالطات، مبيناً أن خطة النبي والأئمة قامت أولاً على البرنامج الأصلي (الغدير)، وعند الغدر والتراجع تحولت إلى برنامج الصبر والقربان. وفيما يخص روايات ذم الخروج قبل القائم (كالموجود في مقدمة الصحيفة السجادية)، وروايات مدح بعض الرايات (كما في مستطرفات السرائر وراية أهل المشرق في غيبة النعماني)، يوضح الشيخ أن هذه النصوص ليست متناقضة بل مشروطة؛ فذم الرايات يتجه للتحركات العشوائية التي تخلو من الإعداد التمهيدي المشروط، بينما يبقى منهج استبقاء النفس لصاحب الأمر وقراءة النصوص بـ معاريض الكلام ولحن القول هو المنهج الأصوب.
ويختتم الشيخ استعراض الوثائق بالتوقيع الأخير الصادر لـ علي بن محمد السمري المعلم بانتهاء الغيبة الأولى والسفارة الخاصة وابتداء الغيبة التامة، وما تضمنه توقيع إسحاق بن يعقوب بخط الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام؛ والذي أرجع الشيعة في الحوادث الواقعة إلى رواة الحديث (وليس المجتهدين)، وأباح الخمس لقطع الطريق على مطامع المرجعية والتحزب، ووضّح وجه الانتفاع بالإمام في غيبته كـ الشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب. وأكد الشيخ أن أمره صلوات الله عليه بـ إكثار الدعاء بتعجيل الفرج يقتضي الاقتران بالعمل، لأن الدعاء بلا عمل كـ القوس بلا وتر لا يرمي سهماً ولا يحقق فرجاً.
وأنهى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بـ الرسالة العملية والخلاصة داعياً الشيعة إلى التدبر العميق في هذه المطالب الحيوية وإعادة استماع الحلقة وتأمل وثائقها المعرفية. وتتلخص الرسالة في ضرورة إسقاط المناهج الاجتهادية الدخيلة والانسلاخ من ضلال المذهب الطوسي، والتركيز المطلق على التمهيد الفردي وتزكية النفس وإصلاح الباطن، والاستمساك بـ دستور العترة الطاهرة العلمي والعملي المعصوم ليكون المؤمن جزءاً نصرةً وإعداداً لبرنامج إمام زماننا صلوات الله عليه.