جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 451
تاريخ البث : يوم الأحد 22 ذي القعدة 1444هـ الموافق 11 / 6 / 2023م
افتتح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة الحادية وخمسين بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (وهي الجزء السابع من معالجة جريمة المذهب الطوسي الكبرى بحق دين العترة الطاهرة) ببيان صلة هذه الحلقة بما قبلها، موضحاً أنها تتمة واستكمال مباشر للحديث عن الشق الأول المتعلق بـ التحريف الديني والتزييف العقائدي، وتحديداً ضمن عنوان التحريف العلمي التأسيسي. وأكد الشيخ أن ما تقدم عرضه في الحلقة السابقة حول الدعاء لأهل الثغور الوارد في الصحيفة السجادية الكاملة يثبت أنه دعاء صُمِّم ليكون جزءاً من برنامج شيعي متكامل أعده إمامنا السجاد صلوات الله عليه لمجتمع كان مفترضاً وجوده في عصر الغيبة الثانية، ولا علاقة له مطلقاً بجيوش بني أمية أو الجيوش السلطوية التي هيمن بها الحكام على الأمة.
تدور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول كشف التحريف المعنوي واللفظي الصارخ الذي مارسته المؤسسة الدينية التقليدية بحق النصوص التأسيسية والدستورية التي خلفها إمامنا السجاد صلوات الله عليه، وفي مقدمتها الصحيفة السجادية الكاملة ورسالة الحقوق. حيث بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف جرى تفريغ هذه الوثائق العظيمة من مضامينها الهادفة لبناء المجتمع الشيعي المنشود في زمن الغيبة الكبرى، وتحويلها بعناوين وشروح قاصرة إلى أدعية فردية أو محامل تاريخية تتناقض مع عصمة أهل البيت صلوات الله عليهم وأصول دينهم.
تناول الشيخ نموذجاً صارخاً للتحريف المعنوي واللفظي يتمثل في الدعاء للوالدين من أدعية الصحيفة السجادية الكاملة، والذي عنونه علماء المنظومة التقليدية بكونه دعاء الإمام لأبويه، مفنداً هذا التنزيل علمياً وعقائدياً. واستشهد الشيخ بفقرات من النص الشريف مثل: «وَاسْتَكْثِرْ بِرَّهُمَا بِي وَإِنْ قَلَّ، وَاسْتَقِلَّ بِرِّي بِهِمَا وَإِنْ كَثُرَ»، و**«اللَّهُمَّ وَمَا مَسَّهُمَا مِنِّي مِنْ أَذًى، أَوْ خَلَصَ إِلَيْهِمَا عَنِّي مِنْ مَكْرُوهٍ، أَوْ ضَاعَ قَبْلِي لَهُمَا مِنْ حَقٍّ فَاجْعَلْهُ حِطَّةً لِذُنُوبِهِمَا»، و«اللَّهُمَّ وَمَا تَعَدَّيَا عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ... فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَهُمَا»، و«وَلا تجْعَلْنِي فِي أَهْلِ الْعُقُوقِ لِلآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ»**. وأوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه الألفاظ لا يمكن بحال من الأحوال أن تتنزل على سيد الشهداء صلوات الله عليه ولا على أمه الطاهرة، إذ كيف يكون بر الحسين صلوات الله عليه قليلاً، أو يصدر من المعصوم أذى أو تفريط في الحقوق لوالديه، أو يحتاج الحسين صلوات الله عليه إلى غفران ذنوب بتفريط ابنه؟ مؤكداً أن الإمام وضع هذا الدعاء ليعلمه لأبناء المجتمع الشيعي ليدعوا به لآبائهم وأمهاتهم الاعتياديين.
أعاد الشيخ تفكيك مضامين الدعاء لأهل الثغور في الصحيفة السجادية الكاملة، مستدلاً بالعبارات التي تؤكد أن المقتضى العقائدي للدعاء أجنبي تماماً عن بني أمية وجيوشهم. واستعرض قوله صلوات الله عليه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعَرِّفْهُمْ مَا يَجْهَلُونَ، وَعَلِّمْهُمْ مَا لا يَعْلَمُونَ، وَبَصِّرْهُمْ مَا لا يُبْصِرُونَ»، و**«وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدَّاعَةِ الْغَرُورِ... وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ»، و«لِيَكُونَ دِينُكَ الأَعْلَى وَحِزْبُكَ الأَقْوَى»، و«وَسَدِّدْهُ فِي الْحُكْمِ، وَاعْزِلْ عَنْهُ الرِّيَاءَ»**. وبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن حقيقة حزب الله بالمعنى الأصيل لا تنطبق إلا على الأئمة المعصومين الأربعة عشر حصرًا، وتتنزل مجازًا على المخلصين من شيعتهم، مستحيلاً أن يدعو الإمام المعصوم بالبصيرة والزهد والتسديد في الحكم لمرتزقة وسلاطين بني أمية المحكومين بـ الجهالة الجاهلية لعدم معرفتهم بـ إمام زمانهم صلوات الله عليه.
لإبراز التناقض الصارخ لدى القراءات التقليدية، قارن الشيخ بين دعاء الثغور وبين الدعاء الصريح الحقيقي الذي يدعو به إمامنا السجاد صلوات الله عليه على بني أمية وجيوشهم كما ورد في الصحيفة السجادية الجامعة: «اللَّهُمَّ فَاتَحْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ يَدَاً حَاصِدَةً تَصْرَعُ بِهَا قَائِمَهُ وَسُوقَهُ... وَلا تَدَعْ لِلْجَوْرِ دِعَامَةً إِلا قَسَمْتَهَا، وَلا جُنَّةً إِلا هَتَكْتَهَا، وَلا كَلِمَةً مُجْتَمِعَةً إِلا فَرَّقْتَهَا... وَفَضَّ جُيُوشَهُ، وَارْعَبْ قُلُوبَ أَهْلِهِ»، بالإضافة إلى دعائه المشهور على حرملة: «اللَّهُمَّ أَذِقْهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، اللَّهُمَّ أَذِقْهُ حَرَّ النَّارِ». وذكّر الشيخ بالرواية الشريفة التي يصف فيها إمامنا الصادق صلوات الله عليه علماء السوء وزعماء التقليد الباطل في زمان الغيبة الطويلة بأنهم أضر على ضعفاء شيعتهم من جيش يزيد بن معاوية على الحسين بن علي صلوات الله عليه وأصحابه.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى إثبات بعد آخر من أبعاد الصحيفة السجادية الكاملة، وهو احتواؤها على نصوص موجهة خصيصاً لإدارة شؤون المجتمع الشيعي في زمن الغيبة الكبرى، واستشهد بـ دعاء يوم عرفة الذي يتضمن نصوصاً صريحة بالدعاء لـ إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام: «اللَّهُمَّ فَأَوْزِعْ لِوَلِيِّكَ شُكْرَ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْهِ... وَأَقِمْ بِهِ كِتَابَكَ وَحُدُودَكَ وَشَرَائِعَكَ وَسُنَنَ رَسُولِكَ صَلَوَاتُكَ اللَّهُمَّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَأَحْيِ بِهِ مَا أَمَاتَهُ الظَّالِمُونَ مِنْ مَعَالِمِ دِينِكَ»، ونظيره المروي في أعمال عرفة عند مشهد الحسين: «اللَّهُمَّ امْلأِ الأَرْضَ بِهِ عَدْلَاً وَقِسْطَاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمَاً وَجَوْرَاً». وأوضح الشيخ أن هذه الأدعية تكشف عن تخطيط متكامل وضعه الإمام السجاد ليربط الأمة بـ إمام زمانها صلوات الله عليه عبر برنامج عقائدي وعبادي ممتد.
ثم سلّط الشيخ الضوء على رسالة الحقوق للإمام السجاد، مشيراً إلى أن نسختها التامة الشاملة المنشورة في كتاب تحف العقول لابن شعبة الحراني تشكل دستوراً متكاملاً لبناء المجتمع الشيعي في الغيبة الثانية. وبيّن أن الرسالة تتألف من مقدمة تأسيسية محكمة، وخمسين مادة دستورية تفصيلية، وخاتمة ملزمة. وتوقف عند مواد السلطة والحكم مثل حق سائسك بالسلطان: «وَأَنْ تُخْلِصَ لَهُ فِي النَّصِيحَةِ»، وحقوق رعيتك بالسلطان، مؤكداً أن الخطاب هنا يتحدث عن حاكم شيعي عادل يسوس الرعية بأحكام العترة في مجتمع شيعي مستقل، وليس عن حكام الجور والظلم من بني أمية.
بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحكمة الإلهية من انقطاع الغيبة الأولى وابتداء الغيبة الثانية، موضحاً أن ظروف الغيبة الأولى بوجود السفراء الخاصين لم تكن تسمح للشيعة بتأسيس مجتمع ونظام حكومي مستقل، بينما فتحت الغيبة الثانية المجال أمام الشيعة لإقامة هذا المجتمع والدستور على أساس التواصل المعرفي مع إمام زماننا صلوات الله عليه. غير أن هذا الدستور العظيم تعرض لـ تحريف هائل وتشويه وتقطيع في أمات الكتب الفقهية مثل من لا يحضره الفقيه والخصال والأمالي للشيخ الصدوق. ونزّه الشيخ الغزي الشيخ الصدوق شخصياً من تعمد التحريف، مرجعاً هذا العبث إلى الأيدي الطوسية التي التفت على التراث بعد احتراق الكتب وتشتتها لتعيد صياغته وفق المنهج الاجتهادي الباطل.
أبرز الشيخ التناغم الدقيق والتطابق التام بين رسالة الحقوق والصحيفة السجادية الكاملة من جهة، وبين الدعاء المشهور المروي لزمان الغيبة: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ، وَبُعْدَ الْمَعْصِيَةِ، وَصِدْقَ النِّيَّةِ، وَعِرْفَانَ الْحُرْمَةِ». وشرح الشيخ كيف يمثل هذا الدعاء اختصاراً وجيزاً لمواد رسالة الحقوق؛ فحق اللسان يتجلى في: «وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا بِالصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ»، وحق البطن في: «وَطَهِّرْ بُطُونَنَا مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ»، وحق اليد في: «وَاكْفُفْ أَيْدِيَنَا عَنِ الظَّلْمِ وَالسَّرِقَةِ»، وحق البصر في: «وَاغْضُضْ أَبْصَارَنَا عَنِ الْفُجُورِ وَالْخِيَانَةِ»، وحق السمع في: «وَاسْجُدْ أَسْمَاعَنَا عَنِ اللَّغْوِ وَالْغِيبَةِ».
واصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تطبيق بقية فقرات الدعاء الشريف على الطبقات الاجتماعية والسياسية المحددة في الدستور السجادي؛ فحق أهل العلم والرعية يتطابق مع قوله: «وَتَفَضَّلْ عَلَى عُلَمَائِنَا بِالزُّهْدِ وَالنَّصِيحَةِ، وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ بِالْجَهْدِ وَالرَّغْبَةِ»، والحق العسكري ينعكس في: «وَعَلَى الْغُزَاةِ بِالنَّصْرِ وَالْغَلَبَةِ» وهو المضمون الواقعي المنظور في دعاء أهل الثغور لجند الحق، والمنظومة السياسية تترسخ في قوله: «وَعَلَى الأُمَرَاءِ بِالْعَدْلِ وَالشَّفَقَةِ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ بِالأِنْصَافِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ». وأكد الشيخ أن هذا الدعاء يرسم الخارطة الهيكلية الكاملة لمؤسسات المجتمع الشيعي المنشود ورعيته وحكامه وقواته المسلحة.
خلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام الحلقة إلى صياغة الرسالة العملية والنتيجة الكلية لدرسه المعرفي، مشدداً على أن إنقاذ الواقع الشيعي الراهن يتطلب البراءة التامة من منظومة التحريف الانتقائي والتأسيسي التي كرسها المذهب الطوسي، والرجوع المباشر الأصيل إلى نصوص الكتاب والعترة. وأكد الشيخ أن الصحيفة السجادية الكاملة ورسالة الحقوق ليستا مجرد كتب أدعية وأخلاقيات فردية، بل هما خارطة طريق وبناء دستوري ملزم يجب العمل بمواده جميعها لتأسيس البيئة العقائدية والاجتماعية والسياسية التي تمهد الظهور الشريف وترتبط مباشرة بـ إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام.