ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 11

الحلقة ١١ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج١

٥ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم السبت 9 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 5 / 11 / 2022م

  • بدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى صلتها بما قبلها، موضحًا أنها الحلقة الحادية عشرة من سلسلة ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقعِ الدين، وتمثل انتقالًا للإجابة عن تساؤل متداول في الأوساط الشيعية حول إمكانية ثبات الأشهر القمرية ومطابقتها لمواسم السنة، ليعلن أن المحور العام لهذه الحلقة وما بعدها يدور حول التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة.

  • مهّد الشيخ لموضوع الحلقة ببيان الفروق الجوهرية التاريخية والعلمية بين التقاويم، مشيرًا إلى أن التقويم الشمسي يعتمد على حركة الأرض حول الشمس، وتأتي أشهره ثابتة ومتطابقة مع فصول السنة من الربيع والصيف والخريف والشتاء. وأوضح أن هذا الثبات يشكل ضرورة حتمية لحياة الإنسان، لارتباطه المباشر بالزراعة وتربية المواشي والصيد وحركة التجارة، حيث تتأثر جميع هذه الشؤون دائمًا بتقلبات الجو والفصول.

  • انتقل الشيخ لتوضيح طبيعة التقويم القمري الذي يتخذ من حركة القمر حول الأرض أساسًا له، مبينًا أن السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بفارق يصل إلى أحد عشر يومًا. وأشار إلى أن هذا الفارق الزمني يفرض تنقل الأشهر القمرية بين فصول السنة المختلفة وعدم ثباتها في موسم واحد، بخلاف مسار الأشهر الشمسية.

  • بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كيف حاولت بعض الأمم القديمة التوفيق بين التقويمين، حيث عمد اليهود إلى كبس سنواتهم القمرية بإضافة أشهر زائدة لتتوافق أعيادهم الدينية الكثيرة مع شؤون حياتهم. وأضاف أن العرب في الجاهلية تأثروا بهذه الطريقة عبر أسفارهم التجارية إلى اليمن والشام، فكانوا يضيفون شهرًا كبيسًا كل ثلاث سنوات لتبقى أشهرهم القمرية ثابتة في المواسم الشمسية ذاتها.

  • شدّد الشيخ على أن الإسلام جاء ليفصل بين هذين التقويمين بشكل قاطع، فجعل التقويم الشمسي مخصصًا لإدارة شؤون الحياة ومصالح واقع الدنيا، بينما خصص التقويم القمري للمناسبات والشعائر المرتبطة بـ واقع الدين. وأكد أن الدعوات المعاصرة للمزج بين التقويمين وكبس السنوات القمرية لتوافق الشمسية هي بدعة تخالف مسار الشريعة ومنهج العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.

  • لتعميق فهم ثقافة العترة الطاهرة، استشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بقصة المفضل بن عمر الجعفي حين التقى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة ببعض الدهريين المنكرين لوجود الخالق، فانطلق محزونًا إلى الإمام الصادق صلوات الله عليه. وأوضح الشيخ أن الإمام أملى على المفضل أحاديث في إثبات الخالق عُرفت قديمًا في فهارس الشيعة باسم كتاب فكر، وعُرفت لاحقًا باسم توحيد المفضل، مشيرًا إلى أن مقولة الإمام المكررة "فكر يا مفضل" تمثل المنهج العقلي السليم في مقابل المناهج المتخلفة التي تسلب وعي الإنسان.

  • نقل الشيخ من كتاب فكر لفتة دقيقة حول غريزة الحيوانات، حيث بيّن الإمام الصادق صلوات الله عليه الحكمة العجيبة في جعل البهائم والسباع والطيور تواري أنفسها إذا أحست بالموت في مواضع خفية. وأوضح أن هذه الغريزة تمنع امتلاء الأرض بالجيف وتنقذ البشرية من الأوبئة والأمراض الفتاكة، مستشهدًا بآية قرآنية أوردها كما يلي: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وأعقبها بقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.

  • تناول الشيخ محورًا علميًا آخر من كلام الإمام الصادق صلوات الله عليه للمفضل، يتعلق بتدبير الباري في خلقة الأرض، حيث جُعل مهب رياح الشمال أرفع من مهب رياح الجنوب. وأوضح أن هذا الانحدار ضروري لجريان المياه وانحدارها وعدم ركودها في مستنقعات آسنة، وهو ما يفسر حكمة ظاهرة المد والجزر التي تحفظ نقاء مياه البحار وتعقمها بصورة مستمرة.

  • أضاء الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على البعد الاقتصادي في حديث الإمام الصادق صلوات الله عليه، حيث بيّن أن البحار الممتدة ليست مجرد مستودع للكائنات البحرية، بل هي مسارات رئيسية ومحامل للتجارات العالمية بين البلدان. ونقل تعليل الإمام الدقيق بأنه لولا النقل البحري لبارت البضائع لارتفاع أجور النقل البري على ظهور الحيوانات، مما يعكس وعيًا اقتصاديًا متقدمًا في تعاليم أهل البيت عليهم السلام.

  • أشار الشيخ إلى تناول الإمام الصادق صلوات الله عليه لمشكلة الاحتباس الحراري وتلوث البيئة، ناقلًا تنبيه الإمام على أن سعة الهواء وكثرته تمنعان اختناق المخلوقات من تصاعد الدخان والبخار. وأكد الشيخ أن هذا التوازن الطبيعي الدقيق يدحض تفكير الملحدين ويثبت افتقار الكون إلى مدبر حكيم.

  • استكمل الشيخ استعراض المطالب العلمية بالإشارة إلى هندسة الفضاء وحركة الأفلاك، ناقلًا توجيه الإمام الصادق صلوات الله عليه للمفضل بالتفكر في الشمس والقمر ومسارات البروج. وأوضح أن هذا الدوران المنتظم الذي يُنتج تعاقب الليل والنهار والفصول، يرتبط بشكل وثيق بسلامة وظائف الكائنات الحية ونموها، مبطلًا بذلك زعم الصدفة ومقارنًا الكون بـ "دولاب" يسقي حديقة والذي لا يقبل العقل وجوده دون صانع.

  • ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة برسالة عملية مؤثرة، تضمنت اعتذارًا عميقًا وجهه إلى إمام زماننا صلوات الله عليه وإلى الإمام الصادق صلوات الله عليه، مبررًا قراءته لهذه المعارف الغيبية بضرورة إثبات الخالق للمنكرين، ومؤكدًا أن الله تعالى أجل من أن يحتاج إلى دليل. وخَلص إلى أن أعظم نصيب يناله الإنسان الموالي من حب الله جل وعلا هو محبته الخالصة للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وعترته، وارتباطه الوثيق بـ إمام زماننا صلوات الله عليه

ملخصات ونصوص الحلقة (1)