ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 12
الحلقة ١٢ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٢
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأحد 10 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 6 / 11 / 2022م
يمثّل هذا الطرح الجزء الثاني استكمالًا للعنوان المتقدم في الحلقة الماضية وهو التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة، حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي قراءته في كتاب فكر، وهو ما أملاه إمامنا الصادق صلوات الله عليه في عدة مجالس على المفضل بن عمر، ليؤسس من خلاله رؤية عقائدية وفلكية دقيقة لطبيعة الحساب الزمني.
انطلق الشيخ من قاعدة أن التعابير البشرية محكومة بالحس والمزاج البشري، فالإنسان يصف الأشياء بحسب ما تظهره حواسه، كالقول بطلوع الشمس أو غروبها، بينما الحقيقة الفلكية أن الأرض هي التي تتحرك والشمس ثابتة في محلها. ومن هنا تتجلى النسبية الحاكمة على حياتنا، والتي تفرض حاجتنا الضرورية والأكيدة إلى الإمامة المعصومة وإلى إمام زماننا صلوات الله عليه بوصفه الوجه المطلق لله والسبب المتصل بين الأرض والسماء الذي يخرجنا من قيود هذه النسبية.
استعرض الشيخ ما بيّنه إمامنا الصادق صلوات الله عليه للمفضل بن عمر حول دولتي النهار والليل، حيث تطلع الشمس لتدبير المعايش وتبسط النور، وتغرب ليسكن الناس وتجم حواسهم وتستعيد طاقاتها وتهضم أبدانهم طعامها، في عملية تضاد متظاهر ومتعاون لصلاح العالم. كما أوضح انتقال الشمس لتشكيل الأزمنة الأربعة التي تنتظم بها شؤون الزراعة والبناء وصحة الأبدان وتناسل الحيوانات.
فرّق الشيخ استنادًا إلى حديث الإمام بين حساب السنة المعتمد على الشمس، وبين التقويم القمري الذي تستعمله العامة لمعرفة الشهور. وبيّن أن دورة القمر لا تستوفي الفصول، ولذلك تتخلف السنة القمرية عن السنة الشمسية بفارق يقارب أحد عشر يومًا، ما يجعل الشهر القمري ينتقل بين الشتاء والصيف. وأكد أن التقويم الشمسي سنة إلهية لشؤون الدنيا، والتقويم القمري سنة إلهية لشؤون الدين، ولا يقبل فقه العترة الطاهرة أي دمج أو خلط أو ممازجة بينهما.
عزز الشيخ هذا المطلب باستعراض آيات من القرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. وأوضح أن الله سبحانه وتعالى جعل كلًا من الشمس والقمر آلة للحساب بنظامين منفصلين لحساب الوقت.
تتبع الشيخ الآيات في سور يونس والإسراء والأنبياء، مبيّنًا أن الله فصل بين الفلكين تفصيلًا دقيقًا كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. وأكد أن الآيات القرآنية تشير بوضوح تام إلى تشريع الحساب الشمسي لتنظيم الحياة الدنيوية، والحساب القمري لتنظيم الحياة الدينية.
انتقل الشيخ إلى دعاء السمات ليبرز الخارطة التفصيلية لهندسة الفضاء وأعاجيبها، حيث يصف الدعاء تقدير الله للشمس والقمر والكواكب وتسخيرها لعدد السنين والحساب. وفي هذا السياق، فرّق الشيخ بوضوح بين الآفاق الفلكية المتعددة في الفضاء الشاسع، وبين الآفاق الفقهية، مؤكدًا أن الهلال وليلة القدر وعيد الفطر محكومة بأفق واحد لجميع الناس.
أشار الشيخ إلى أن دقة التقويمين الشمسي والقمري هي دقة نسبية عند البشر وليست مطلقة لخضوعها لكسور لا تحسب دائمًا، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. وشدد على أن الإحصاء الدقيق والمطلق للزمن وللأشياء محصور في المعصوم وحده، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
استدل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على حصرية التقويم القمري للشأن الديني بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، موضحًا من خلال الأحاديث أنها مواقيت للصوم والإفطار والعبادات. كما استشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ليؤكد أن الشهور المقصودة هي شهور قمرية تكوينيًا، وأن العبث بها بالنسيء أو الممازجة يعد زيادة في الكفر.
أورد الشيخ تطبيقين عمليين لتأكيد هذا النظام، الأول ما ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، حيث أوضح الإمام لليهودي السائل أن الثلاثمائة هي بحساب السنة الشمسية، والتسع الزائدة هي نتاج تحويلها إلى السنة القمرية.
في التطبيق العملي الثاني، بيّن الشيخ أن التأريخ بالتقويم الهجري القمري كان حاضرًا في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله، مستدلًا بما ورد في مقدمة الصحيفة السجادية الكاملة من حديث جبرائيل للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، والذي أرّخ فيه الأحداث انطلاقًا من الهجرة، وهو ما ينسجم مع الإشارة القرآنية في قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ في إشارة إلى يوم بناء مسجد قباء.
ختم الشيخ الحلقة بخلاصة جامعة تؤكد أن الرؤية القرآنية وثقافة العترة الطاهرة تثبت تكوينيًا وشرعيًا وجود حسابين منفصلين إلهيين: الحساب الشمسي لتدبير شؤون الدنيا، والحساب القمري لضبط شؤون الدين، ولا توجد أي ممازجة بينهما، داعيًا المنتظرين إلى التمسك التام بمعارف الكتاب والعترة دون الالتفات إلى أي هراء أو خلط يخالف هذا المنهج الأصيل.

