ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 13
الحلقة ١٣ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٣
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الإثنين 11 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 7 / 11 / 2022م
يفتتح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان صلتها بما سبق، موضحاً أن هذه الحلقة هي الجزء الثالث استكمالاً للعنوان المتقدم في الحلقتين الماضيتين التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة. ويُذكّر بما قرأه من كتاب توحيد المفضل والذي يسمى قديماً كتاب فكر، حيث بيّن أن أشهر القمر تنتقل وتتخلف عن شهور الشمس، ليؤكد القاعدة الكلية بأن هناك نظاماً شمسياً في التوقيت نعتمدة في شؤون حياتنا الدنيوية، وهناك النظام القمري الذي خصه القرآن الكريم لشؤوننا الدينية.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى تفصيل ما جاء في مقدمة سند الصحيفة السجادية الكاملة، مورداً رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله لرجال ينزون على منبره نزو القردة، ونزول جبرائيل عليه السلام بآية: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ. ويفسّر الشيخ أن الشجرة الملعونة بحسب الثقافة الشيعية هي سقيفة بني ساعدة، وأن بني أمية وبني العباس ما هم إلا ثمرات من تلك الشجرة، مبيناً أن جبرائيل عليه السلام كان يؤرخ أحداث الأمة والمحن وفقاً لـ التاريخ الهجري القمري.
يستشهد الشيخ برواية محورية من الكافي الشريف في روضة الكافي عن الإمام السجاد صلوات الله عليه، تحدد بدقة تاريخ الهجرة النبوية، حيث كان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة في أول يوم من شهر ربيع الأول، ودخوله إلى المدينة المنورة في الثاني عشر منه، وهناك أسس مسجد قباء. ويوضح الشيخ أن قوله تعالى: لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، يشير إلى أول يوم من حلول رسول الله صلى الله عليه وآله في دار هجرته، ليكون ذلك اليوم هو الأساس الحقيقي لبداية التأريخ الهجري المحمدي.
في معرض تقييم وقائع الإسلام، يقارن الشيخ بين الهجرة النبوية ويوم الغدير، مؤكداً أن بيعة الغدير هي الحدث الأهم على طول خط الرسالة. ويستدل بآيات سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، والآية: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. ويبين أن الهجرة، رغم عظمتها، كانت جزءاً من الرسالة ومقدمة لها، بينما اكتمل الإسلام المحمدي حقيقة في يوم الغدير.
لإثبات صحة توقيت الهجرة كما روي عن العترة، يعرض الشيخ نصوصاً من مصادر المخالفين البارزة، مثل صحيح البخاري وشرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني، و معجم البلدان لياقوت الحموي، وكتاب المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري. ويؤكد أن جميع هذه المصادر تُجمع على أن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل المدينة في شهر ربيع الأول، وأنه أمر بالتأريخ منذ ذلك الحين، مما يدل على أن آثار حقائق محمد وآل محمد لا يمكن إزالتها من بطون الكتب مهما حاول المحرفون.
يكشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التاريخ الهجري كان معروفاً ويُعمل به منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وآله في نطاق خواص الصحابة وشيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، إلا أن عامة المسلمين أهملوه. وحين أراد عمر بن الخطاب كتابة التاريخ، أشار عليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالبدء بيوم الهجرة. لكن عمر خالف هذا التوجيه المحمدي في نقطة البداية، وبدلاً من أن يجعل بداية السنة في شهر ربيع الأول، اعتمد ترتيب الأشهر الجاهلي وجعل البداية من شهر محرم، الذي كان يُعرف قبل الإسلام باسم صفر الأول.
يبيّن الشيخ الغاية من هذا التحريف والتلاعب بالتأريخ، مستنداً إلى مقتطفات من تاريخ الطبري وكتاب كنز العمال للمتقي الهندي. ويوضح أن غياب التأريخ الدقيق أدى إلى اختلاط الأمور على المسلمين، فلو كان التأريخ واضحاً محفوظاً لأدرك الناس قصر المدة الزمنية بين بيعة الغدير وشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولانكشفت مؤامرات الاغتيال بوضوح، لكن السلطات تعمدت تضييع التواريخ لتمرير مخططاتها وجعل الأمة تتخبط تدريجياً في الضلال.
يعود الشيخ لتفصيل النظام القمري مستشهداً بآيات سورة التوبة، ويقف مطولاً عند مفهوم النسيء في قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. ويشرح لغوياً وعقائدياً أن النسيء يعني التأخير أو الزيادة، وهو حيلة شرعية مزيفة كان يمارسها العرب في الجاهلية للتلاعب بحرمة الأشهر الحرم، حيث يحلون شهراً محرماً ويحرمون آخر بدلاً منه لأجل الغزو والسلب والنهب، مؤكداً أن هذا العبث بنظام التوقيت الإلهي يُعد تجاوزاً خطيراً وزيادة صريحة في الكفر والتضليل.
يفنّد الشيخ قراءات بعض المعاصرين الذين يحاولون ليّ أعناق الآيات لتبرير كبس السنوات والأشهر وجعل التقويم القمري ثابتاً كالشمسي. ويرفض القطع الخاطئ في القراءة: انما النسيء زياده، مبيناً بحسب قواعد اللغة العربية أن الجار والمجرور في الكفر يجب أن يتعلق بالمصدر زياده، وأن المعنى الدقيق هو أن النسيء يزيد في الكفر. ويشدد على أننا وإن كنا نقرأ المصحف وفق قراءة حفص عن عاصم، إلا أننا نفسر القرآن حصراً وفق قراءة وفهم العترة الطاهرة.
يستحضر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ما ورد في خطبة الوداع من كتاب الخصال للصدوق، حيث أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله إلغاء النسيء قائلاً: ايها الناس ان الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق السماوات والاراضين. ويوضح أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله تعمد توقيت حجة الوداع لتوافق شهر ذي الحجة المطابق تماماً لـ النظام القمري الإلهي، تمهيداً لبيعة الغدير، ليكون انطلاق عصر التأويل قائماً على تأريخ دقيق خالٍ من أي تحريف أو تبديل جاهلي.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بإيراد رواية من تفسير العياشي عن الإمام الباقر صلوات الله عليه، توضح وصية رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي ثقل فيه، حيث أكد فيها ألا يُتلاعب بالشهور قائلاً: يا ايها الناس ان السنه 12 شهرا منها اربعه حرم. لتكون الخلاصة والرسالة العملية النهائية هي التمسك المطلق بـ التاريخ الهجري القمري كما وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله، ورفض كل محاولات التلاعب الجاهلية أو الحديثة بمواقيت شؤوننا الدينية.

