ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 14

الحلقة ١٤ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٤

٨ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الثلاثاء 12 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 8 / 11 / 2022م

  • استهل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها بما سبقها، مشيرًا إلى أنها تمثل الجزء الرابع والأخير من المبحث المعنون التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة، حيث استكمل تسلسل الحديث الذي وصل في الحلقة الماضية إلى مفهوم النسيء الوارد في القرآن الكريم، مبينًا المعنى اللغوي للكلمة الذي يشير إلى حدث التأخير أو الزيادة في التأخير.

  • وأوضح الشيخ أن المراد من النسيء هو عملية العبث بـ التقويم القمري التي كان يمارسها العرب في الجاهلية، وذكر لها ثلاثة مصاديق رئيسية. المصداق الأول تمثل في تلاعبهم بـ الأشهر الحرم، حيث كانوا يدفعون تحريم شهر المحرم إلى شهر صفر، أو تحريم رجب إلى شهر رمضان؛ ليتمكنوا من مواصلة القتال والسلب. والمصداق الثاني هو تأخيرهم لموعد مناسك الحج عن شهر ذي الحجة إلى أشهر أخرى كشوال أو ربيع الأول بما يتوافق مع منافعهم. والمصداق الثالث تجلى في إضافتهم ما يُسمى بـ الشهر النسيء كل ثلاث سنوات، مما يؤدي إلى تأخير بداية السنوات القمرية اللاحقة.

  • وبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن القرآن الكريم تبنى التقويم القمري الإبراهيمي الخالص، رافضًا هذا العبث الزمني. واستشهد الشيخ بآية قرآنية تؤكد ذلك: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. وأضاف أن الآية التي تليها حكمت على أفعالهم بأنها: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}، مؤكدًا أن هذا النظام الزمني إلهي وقطعي، ولا يقبل الزيادة أو النقصان لإجبار الأشهر القمرية على التوافق مع السنة الشمسية كما يفعل بعض المعاصرين.

  • وانتقل الشيخ للرد على المدعين بأن شهر رمضان ثابت في فصل الخريف ولا يأتي في الصيف، مستندًا إلى كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام كمصدر تاريخي، ثم شرع في تفنيد هذه الادعاءات عبر استعراض وقائع تاريخية ثابتة في ضوء ثقافة العترة. وبدأ بـ واقعة بدر التي حدثت في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، موضحًا ارتباطها بـ الرحلة الصيفية لقريش إلى الشام، واستشهد الشيخ بآية قرآنية: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)}، حيث خرج المسلمون لاعتراض قافلة أبي سفيان العائدة من الشام في أواخر الصيف، مما يثبت قطعًا وقوع شهر رمضان في ذلك الوقت في فصل الصيف الشديد الحرارة.

  • وتطرق الشيخ إلى المعاجز الإلهية في واقعة بدر، مشيرًا إلى أن نزول المطر لم يكن مطرًا خريفيًا طبيعيًا كما يزعم أصحاب النسيء، بل كان معجزة إلهية لمعالجة وضع المسلمين المأساوي. فقد أنزل الله عليهم النعاس ليأمنوا من الرعب، ثم أنزل المطر لتطهيرهم بعد أن تسلط عليهم الشيطان في نومهم، ولتثبيت الأرض الرملية تحت أقدامهم، وجعلها زلقة تحت أقدام المشركين، وكل ذلك جرى في الصيف القائظ وليس في الخريف المعتدل.

  • وتابع الشيخ استعراض الوقائع التي تثبت دوران التقويم القمري وتحركه عبر الفصول، فذكر واقعة الخندق التي وقعت أوائل شهر رمضان في السنة الخامسة للهجرة، حيث أرسل الله ريحًا باردة إعجازية في ذلك الصيف لاقتلاع خيام المشركين كما صرح القرآن الكريم: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا}. وأضاف إلى ذلك فتح مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة، وواقعة تبوك في السنة التاسعة التي وقعت في الحر الشديد بنص القرآن: {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}، مما يؤكد زحف شهر رمضان تدريجيًا داخل فصل الصيف خلال تلك السنوات.

  • ولمزيد من التأكيد، استدل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بـ بيعة الغدير التي وقعت في شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة. ونقل من كتاب إقبال الأعمال والصحيح من سيرة النبي الأعظم نصوصًا تؤكد أن ذلك اليوم كان الأشد حرًا، وأورد النص القائل: "وقد بلغنا غدير خم في وقت لو طرح اللحم فيه على الارض لانشوى". وهذا يبرهن على أن الأشهر القمرية كانت تتحرك نحو الصيف، مبطلًا دعوى ثباتها في الفصول المعتدلة.

  • وعزز الشيخ طرحه بنصوص روائية من مصادر العقيدة الشيعية، فذكر ما ورد في كتاب مستدرك الوسائل عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: "حبب الي من دنياكم ثلاث اطعام الضيف والصوم بالصيف والضرب بالسيف". كما أورد من كتاب وسائل الشيعة قول إمامنا الصادق صلوات الله عليه: "الصوم في الشتاء هو الغنيمه البارده"، مؤكدًا أن هذا التنوع يدل على أن الصوم الواجب يدور بين الصيف القائظ والشتاء القصير، وهو ما شرّعه النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. وأضاف رواية من كتاب الكافي عن علامة ليلة القدر التي وصفها الإمام صلوات الله عليه بأنها: "ان تطيب ريحها وان كانت في برد دفئت وان كانت في حر بردت"، مما يقطع بدوران شهر رمضان على كافة فصول السنة.

  • وفي سياق ترسيخ المظلومية وارتباطها بالزمان، استشهد الشيخ بما ورد في زيارة الناحية المقدسة المروية عن إمام زماننا صلوات الله عليه، مسلطًا الضوء على عبارة: "وصفدوا في الحديد فوق اقتاب المطيات تلفح وجوههم حر الهاجرات". وأوضح أن الهاجرات هي أيام القيظ الشديد في شهري تموز وآب، مما يعني أن واقعة الطف ومسيرة السبايا بين محرم وصفر حدثت في ذروة الصيف، وكان العطش الشديد مقصودًا ضمن استراتيجية الحسين صلوات الله عليه لحشد العواطف وتوجيهها ضد الواقع المنحرف الذي أسسته السقيفة.

  • وختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بخلاصة تؤكد أن المعطيات القرآنية والروائية والتاريخية تثبت دوران شهور التقويم القمري بين الصيف والشتاء والربيع والخريف بانتظام إلهي دقيق، بعيدًا عن أي تلاعب بشري أو تثبيت فصلي. وأعلن في ختام حديثه أنه سيخصص حلقة اليوم التالي للحديث عن أسماء الأشهر القمرية وتفصيلاتها.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)