ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 15

الحلقة ١٥ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٥

٩ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأربعاء 13 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 9 / 11 / 2022م

  • بدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بتقديم خلاصة لما سبق طرحه في الحلقات الماضية، مبينًا استكمال ما تبقى من نقطة لم يتسع لها الوقت سابقًا تتعلق بأسماء الشهور، وذلك ضمن محور التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة. وأكد أن التقويم الشمسي ينسجم مع حياتنا الدنيوية، بينما التقويم القمري ينسجم مع حياتنا الدينية، وكل سنة إلهية لها خصائصها ومميزاتها.

  • ناقش الشيخ دعوى النسيئيين بأن أسماء الأشهر القمرية كربيع الأول وربيع الثاني تشير إلى ثباتها وتوافقها مع الفصول الأربعة، معتبرًا هذا الطرح سطحيًا ويكشف عن جهل عميق بتاريخ التقاويم وحقائق الدين. وأوضح أن العرب عبر التاريخ وفي مختلف قبائلهم لم يتفقوا على أسماء محددة للفصول أو الأيام أو الشهور، بل كان هناك تباين واضح بين الثقافات، ولا سيما بين عرب الشمال وعرب الجنوب.

  • اعتمد الشيخ على معطيات التاريخ لبيان هذا التباين، مستشهدًا بالموسوعة التاريخية المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي التي أوردت قوائم متعددة لأسماء الشهور عند المعينيين والسبئيين، بالإضافة إلى قوائم البيروني، وما ذكره المسعودي في كتاب مروج الذهب. وأكد أن الاتفاق على الأسماء الحالية للشهور حصل في فترة قريبة من بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، ولم يكن مبنيًا على أساس علمي يربطها بالفصول المناخية.

  • أشار الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن العرب لم يستعملوا النسيء من البداية، بل تأثروا بالثقافة اليهودية من خلال احتكاكهم بيهود اليمن والشام الذين هاجروا لاحقًا إلى يثرب ومحيطها انتظارًا للنبي الخاتم. وأوضح أن رجال الدين اليهود حرفوا دينهم ودفعوهم لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله، مشبهًا هذا الانحراف بما وصفه الإمام الصادق عليه السلام في رواية التقليد عن حال بعض المراجع في زمن الغيبة الكبرى، والذين أضروا بالشيعة نتيجة ابتعادهم عن المنهج الحق.

  • انتقل الشيخ إلى ضرب مثال واضح على تحريف التقاويم عبر التاريخ من خلال التقويم الميلادي الشمسي، مبينًا أنه في أصله تقويم روماني يبدأ من تاريخ تأسيس مدينة روما. وفي القرن السادس الميلادي، اقترح راهب أرمني مسيحي تغيير التقويم ليبدأ من ميلاد يسوع المسيح، رغم أن الأناجيل الأربعة وكتب التفسير القديمة خالية تمامًا من أي تاريخ دقيق أو ذكر لولادته.

  • أوضح الشيخ أن مجمع نيقية الكنسي هو من قرر تقديرًا تحديد ميلاد المسيح في الخامس والعشرين من ديسمبر، وهو في الأصل عيد وثني روماني لتمجيد إله الشمس. في المقابل، استشهد الشيخ بروايات العترة الطاهرة التي تؤكد أن ولادة المسيح كانت في حزيران، مشيرًا إلى اعتماد الأئمة صلوات الله عليهم على التقويم الشمسي حصرًا في الشؤون الدنيوية، كما ورد في أحاديث ماء نيسان، مما يثبت بوضوح أن الأشهر القمرية الدينية متحركة وليست ثابتة.

  • استعرض الشيخ تلاعب رجال الدين والسياسة بالتاريخ لحساباتهم الخاصة، مثل التعديل الذي أجراه البابا غريغوريوس الثالث عشر بحذف عشرة أيام من شهر أكتوبر لضبط موعد عيد الفصح، وعبث الأباطرة الرومان كـ يوليوس قيصر وأغسطس في تغيير عدد أيام الأشهر الزوجية والفردية لأسباب شخصية، مبينًا أن هذا التحريف المستمر يطال كل التقاويم البشرية والشمسية.

  • أكد الشيخ أن التقويم القمري يمتلك ميزة ربانية تتمثل في أنه يحمل في داخله تصحيحًا ذاتيًا عبر حركته المستمرة الدوارة عبر السنين، مما يلغي آثار أي عبث أو خطأ بشري يطرأ عليه، خلافًا للتقويم الشمسي الذي تتراكم وتثبت فيه آثار التحريف. وهذا ما يفسر الحكمة العظيمة من ربط العبادات والشؤون الدينية بالتقويم القمري المتحرك، بانتظار ظهور إمام زماننا صلوات الله عليه ليضبط مواقيت الزمان بالدقة المتناهية.

  • بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الأحكام التشريعية الدينية تبتني على حكمة إلهية دقيقة تُعرف في الحوزة العلمية بـ ملاكات الأحكام، وأن المشرع الحقيقي هو المعصوم الذي يمتلك طبيعة مستوية خالصة، مستشهدًا بآيات من سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾، موضحًا أن المزاج المعصوم هو الصراط المستقيم وهو الأساس المطلق لكل تشريع.

  • أوضح الشيخ أن لكل حكم ديني ضمن هذه الملاكات وجهين: وجه يرتبط بالغيب ينظم علاقتنا بالآخرة وأهلها، ووجه يرتبط بعالم الشهادة ينظم علاقتنا بالدنيا وأهلها. وأن الالتزام بالتقويم القمري المتحرك هو من أحكام الدين التي تتصل مباشرة بتحقيق العبودية، مستشهدًا بآية قرآنية من سورة التوبة حول حرمة العبث الإنساني بالتقويم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.

  • انتقل الشيخ إلى دراسة الوجه الغيبي للزمان وفقًا لثقافة العترة الطاهرة، معرّفًا إياه بقاعدة: الزمان وعاء المكان، موضحًا أن المكان نفسه هو البعد المجرد الذي لا يقاس حصرًا بالطول والعرض والارتفاع كسطوح وأجسام الهندسة، نافيًا وجود الفراغ المطلق في الكون، ومبينًا أن الوعاء الزماني محيط وأوسع من الوعاء المكاني.

  • فصّل الشيخ مراتب الزمان، مبتدئًا بالمرتبة الأولى وهي الزمن المحسوس، والذي ينقسم بدوره إلى الزمن الوجداني الذي يتقلب باستشعار ومزاج الإنسان له بطئًا أو سرعة، و الزمن الحدثاني المرتبط بتوالي الأحداث والوقائع الكونية، مستشهدًا بالآية القرآنية من سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

  • وتناول الشيخ المرتبة الثانية للزمان وهي الزمن المدروس، والذي ينقسم إلى الزمن الفلكي الناتج عن الحركات الفلكية للأرض والمجموعة الشمسية والمجرات في الكون المرئي، و الزمن الاعتباري المقاس بالآلات المتطورة، بدءًا من الساعات الرملية والمائية، مرورًا بساعات الكوارتز، وصولًا إلى الساعات الذرية الليزرية الدقيقة جداً، والتي تحتفظ دائمًا بنسبة خطأ ولو كانت ضئيلة.

  • ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بالتأكيد على أن الدقة المطلقة في حساب الزمان وضبط إيقاع الكون لا تتحقق أبدًا بالآلات البشرية، بل تتحقق حصرًا بإرادة المعصوم من خلال الولاية المطلقة القادرة على منحنا الدقة لتنزيه الكون عن العبث والفساد، معلنًا استكمال تفصيل المطالب الدقيقة المتعلقة بالوجه الغيبي للزمان في الحلقة القادمة.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)