ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 16
الحلقة ١٦ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٦
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الخميس 14 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 10 / 11 / 2022م
تأتي هذه الحلقة استكمالًا للحديث في الحلقات الماضية ضمن سلسلة التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة، حيث وصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة السابقة إلى ما يرتبط بـ ملاكات الأحكام، وهي الحكمة التي شُرعت على أساسها الأحكام، منتقلًا منها إلى تتمة الحديث عن البعد الغيبي للزمان، ومبينًا أن الزمان هو وعاء المكان وما وراءه.
تمحورت الفكرة العامة للحلقة حول التفصيل العميق في مراتب الزمان والانتقال من عوالم الفيزياء والطبيعة إلى عوالم ما وراء الطبيعة، وصولًا إلى الحقائق الغيبية الكبرى المتمثلة في الحقيقة المحمدية، مع التطبيق العملي والعقائدي لهذه المفاهيم على فهمنا لـ ليلة القدر، وكيفية ارتباط العبادات والأزمنة بولاية المعصومين صلوات الله عليهم. وافتتح الشيخ حديثه مستشهدًا بالآية القرآنية الكريمة: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المراتب الأولى للزمان، موضحًا المرتبة الأولى وهي الزمن المحسوس، الذي ينقسم إلى زمن وجداني نستشعره بوجداننا، وزمن حدثاني نشعر به من خلال الوقائع والمجريات. ثم انتقل إلى المرتبة الثانية وهي الزمن المدروس، وهو ما يخضع للقياس والدرس، وينقسم بدوره إلى الزمن الفلكي الحركي الناشئ من حركة الأفلاك، و الزمن الاعتباري وهو الزمن المقاس الذي يعتبره العقلاء في شؤون حياتهم اليومية وتوقيتاتهم.
تدرج الشيخ في بيانه ليصل إلى المرتبة الثالثة وهي الزمن الوسيع، والذي يتخطى عالم الفيزياء، وينقسم إلى الزمن الوجودي الذي يتعلق بمظاهر الأشياء وتجلياتها المتكونة من آنات متتابعة لا تتكرر، ضاربًا لذلك مثلًا فيزيائيًا تقريبيًا بحركة الشريط السينمائي لتوضيح توالي التجليات، وإلى الزمن الغيبي المرتبط بالمظاهر المتعددة في العوالم المتعددة، مؤكدًا أن الإنسان وباقي المخلوقات ما هي إلا مظاهر لحقائق ثابتة.
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن معرفتنا بالله تبارك وتعالى محدودة بقدراتنا، مستشهدًا بما ورد في مناجاة العارفين عن الإمام السجاد صلوات الله عليه: وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْخَلْقِ طَرِيقاً إِلَى مَعْرِفَتِكَ إِلَّا بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِكَ. وبما أن الخلق عاجزون، فقد جعل الله لهم بابًا ووجهًا يتوجهون إليه، وهو إمام زماننا صلوات الله عليه، مستدلاً بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُمْ، وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ، وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ.
ارتقى الشيخ في بيانه إلى المرتبة الرابعة والأعلى للزمان، وهي الزمن الأعظم أو الزمن المحمدي، وهو الزمن الحقيقي الذي تُعد كل مراتب الزمان الأخرى مجرد تجليات له. واستند في إثبات هذا المعنى العظيم إلى نصوص دعاء ليلة المبعث، موضحًا أن الذات الإلهية تجلت في المشيئة التي هي الحقيقة المحمدية، ناقلًا النص المروي: وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ، الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ، الَّذِي خَلَقْتَهُ فَاسْتَقَرَّ فِي ظِلِّكَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ.
ربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحقائق الغيبية بالقرآن الكريم، مبينًا أن القرآن في عالم الدنيا هو مظهر جُعل عربيًا لنفهمه، لكن حقيقته وجوهره الثابت موجود في أم الكتاب. واستشهد بالآية القرآنية: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، مؤكدًا أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو المعنى العظيم في أم الكتاب، وأن الوصول إلى حقائق القرآن لا يتم إلا عبر مفتاح طاعة الإمام ومعرفته.
ضرب الشيخ مثالًا تطبيقيًا للزمن الغيبي بـ ليلة القدر، شارحًا إياها عبر مستويات. في المستوى الأول، استند إلى رواية من كتاب الكافي الشريف عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِنَبِيِّهِ خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ، مبينًا أن الليلة بفضل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله و إمام زماننا صلوات الله عليه هي خير من كل العهود الظالمة، وأنهم ليسوا محتاجين إليها بل نحن من نحتاجها، وهي عطاء ومنة منهم علينا.
أما في المستوى الثاني، فبيّن الشيخ أن ليلة القدر تقاس بحسب إخلاص المؤمن وعمله وارتباطه بإمامه. واستشهد برواية من كتاب تأويل الآيات الظاهرة للإمام الصادق صلوات الله عليه: لَيْلَةٌ مِنْ إِمَامٍ عَدْلٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ. وأكد أن كل ليلة نقضيها في خدمة ومعرفة الحجة بن الحسن عليه السلام يمكن أن تكون ليلة قدر، محذرًا مما ورد في كتاب غيبة النعماني: مَنْ بَاتَ لَيْلَةً لَا يَعْرِفُ فِيهَا إِمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.
وجّه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نقدًا للمنهج المعمول به في بعض الحوزات لاعتمادهم على صلوات القضاء كأعمال أساسية في ليلة القدر. وأوضح أن الأعمال الحقيقية التي حثت عليها العترة الطاهرة هي طلب المعرفة، وزيارة الحسين صلوات الله عليه، والإكثار من الدعاء لـ إمام زماننا صلوات الله عليه في كل حال. واستشهد برواية للإمام الباقر صلوات الله عليه: الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَنْوَاعِ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، ورواية: وَلَوْ لَا مَا يُضَاعِفُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَا بَلَغُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُضَاعِفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتِ بِحُبِّنَا.
في الختام، خلُص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن ليلة القدر هي خير وبركة على أولياء الحجة بن الحسن عليه السلام، وشر ورعب على أعدائهم. واستشهد الشيخ برواية حول قراءة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لسورة القدر وتوضيحه للتيمي والعدوي بأن الملائكة تتنزل من كل أمر على أمير المؤمنين صلوات الله عليه من بعده. ووجه الشيخ رسالته العملية للمستمعين بضرورة التمسك بهذه المعارف الأصيلة، ومجانبة المناهج التي تجهل مقام العترة، والمرابطة في فناء خدمة إمام الزمان ومعرفته المطلقة.

