ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 20
الحلقة ٢٠ – المذهب الطوسي ج١
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الإثنين 18 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 14 / 11 / 2022م
يبدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى صلتها بما قبلها، حيث يصرّح بأن هذا هو الجزء الأول من حديثه تحت عنوان المذهب الطوسي. ويوضح أنه يقصد بذلك المذهب بمعناه الاصطلاحي الذي أسسه البشر وليس المعنى اللغوي، متعهدًا بعرض الحقائق والوثائق جلية من مصادرها الأصلية لكشف حقيقة هذا المذهب أمام المنتظرين، ومؤكدًا على استقلاليته الفكرية وبحثه الحر الذي استلهمه من دروس عاشوراء في مواجهة التحديات وتصحيح المسارات.
يوجه الشيخ رسالة إلى المتابعين بضرورة تحكيم العقل والتوجه بقلوبهم إلى إمام زماننا صلوات الله عليه، ليطلبوا منه التوفيق لقبول ما سيُطرح إن كان يرضيه، أو الحيلولة بينهم وبينه إن كان خلاف ذلك. ويمهد للحلقة باعتبارها مجموعة من المقدمات الأساسية التي لا بد من استيعابها قبل الولوج في تفاصيل هذا الموضوع العقائدي الخطير والمزلزل الذي يمس حياة المتدينين الذين يدّعون الانتماء لآل محمد.
في المقدمة الأولى التي تفرّق بين الدين والمذهب، يؤكد الشيخ أن الدين عند الله واحد وهو الإسلام، بينما المذاهب هي من صناعة البشر. ويستشهد الشيخ بآية قرآنية تؤكد هذا المعنى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وآية أخرى تحذر من ابتغاء غيره: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ويوضح أن الإسلام بلغ تمامه ورضاه الإلهي في مرحلة التأويل يوم الغدير بولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
ويستمر الشيخ في بيان أن الصراط المستقيم هو عنوان حقيقي ينطبق على أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم، موردًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. ويشدد على أن الحقائق القرآنية وتأويلها محصورة بهم استنادًا للآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. ويبيّن أن التبليغ الإلهي مقترن بولايتهم كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، وأن من يعاديهم يشمله التحذير: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
ولتعميق الفكرة، استشهد الشيخ برواية من كتاب الخصال للصدوق حول افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، مؤكدًا أن النجاة محصورة في التمسك بالدين الصافي لآل محمد. كما ينقل نصًا عن الإمام الصادق صلوات الله عليه من كتاب مختصر البصائر للحسن بن سليمان الحلي يؤكد نبذ المذاهب: مَا لَنَا وَلِلنَّاسِ بِكُمْ وَاللَّهِ نَأْتَمُّ وَعَنْكُمْ نَأْخُذُ وَلَكُمْ وَاللَّهِ نُسَلِّمُ وَمَنْ وَلَّيْتُمْ وَاللَّهِ تَوَلَّيْنَا وَمَنْ بَرِئْتُمْ مِنْهُ بَرِئْنَا مِنْهُ وَمَنْ كَفَفْتُمْ عَنْهُ كَفَفْنَا عَنْهُ. ويدعم هذا المطلب بما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: فَالرَّاغِبُ عَنْكُمْ مَارِقٌ وَاللَّازِمُ لَكُمْ لَاحِقٌ وَالْمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زَاهِقٌ وَالْحَقُّ مَعَكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَإِلَيْكُمْ.
ينتقل الشيخ إلى المقدمة الثانية ليطلق تحذيرًا من النقص والاشتباه الذي قد يقع في حديثه، مرجعًا ذلك إلى الطبيعة البشرية الميالة للنسيان، وتفرع المطالب، وضغوط البث المباشر. ولكنه يركز بشكل خاص على الرواسب العميقة لثقافة المذهب الطوسي التي نشأ ودرس عليها، مبينًا أن هذه الثقافة تركت آثارًا في طبقة اللاشعور قد تتسرب إلى لسانه دون قصد، رغم محاولاته المستمرة للتنظف من قذاراتها.
ويضيف الشيخ سببًا آخر لقصور المعرفة وهو العيش في عصر الغيبة، حيث يكون الإيمان والإدراك ناقصين بطبيعتهما. ويستند في ذلك إلى حديث رواه الإمام الصادق صلوات الله عليه في كتاب زيد الزراد حين قال: كَلَّا إِنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ وَلَكِنْ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ حَتَّى يَخْرُجَ قَائِمُنَا، مشيرًا إلى أن البيان الكامل وتكامل التأويل لن يتحققا إلا بظهور إمام زماننا صلوات الله عليه.
في المقدمة الثالثة، يضع الشيخ أسس البحث في فناء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وعترته، ملخصًا إياها في الالتزام بما ورد في دعاء علقمة: لَيْسَ لِي وَرَاءَ اللَّهِ وَوَرَاءَكُمْ يَا سَادَتِي مُنْتَهَى، والبراءة من كل القيادات البشرية والمذاهب كما في الزيارة الجامعة الكبيرة: وَمِنْ كُلِّ وَلِيجَةٍ دُونَكُمْ. ويؤكد أن البحث السليم يرتكز على بيعتي الغدير، وعلى فهم القرآن والحديث بمنهج أهل البيت صلوات الله عليهم حصراً، بخلاف أسس المذهب الطوسي التي قامت على الجهل المركب والنقل عن المخالفين.
يستعرض الشيخ في المقدمة الرابعة لغة الأرقام التاريخية، متتبعًا مسار التشيع منذ بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ثم الهجرة، مرورًا ببيعة الغدير وبدء مرحلة التأويل وعصر الحضور، وصولًا إلى الغيبة الأولى التي انتهت عام 329 للهجرة. وينتقل بعدها إلى الغيبة الطويلة وما رافقها من تشتت للعقل الشيعي، مارًا بمرجعيات الشيخ المفيد والسيد المرتضى في بغداد.
يضع الشيخ يده على الجرح مبينًا أن المشكلة الفعلية بدأت عام 448 للهجرة حين انتقل الشيخ الطوسي إلى النجف وأسس حوزتها ومذهبه هناك. ويوضح أن الطامة الكبرى وقعت بعد وفاة الطوسي عام 460 للهجرة، عندما ورّث المرجعية لولده الحسن بن محمد الطوسي الذي يصفه الشيخ بالجاهل والناصبي، حيث استخدم هذا الابن القوة وكمم الأفواه لفرض دين أبيه دون تجديد، ليؤسس فعليًا وبقوة ما يُعرف بـ المذهب الطوسي.
يتابع الشيخ تتبع هذا المسار، مشيرًا إلى أن هذا المذهب بقي حاكمًا على الواقع الشيعي حتى ظهر ابن إدريس الحلي الذي رفع صوته ضده دون تأثير حقيقي. ثم جاء المحقق الحلي المتوفى عام 676 للهجرة، الذي كان أديبًا وبليغًا، فأعاد صياغة المذهب الطوسي بأسلوب يتناسب مع عصره، وخلفه بعد ذلك العلامة الحلي الذي جدد المذهب ليبقى حاضرًا ومستمرًا بثوبه الجديد دون المساس بجوهره.
يختتم الشيخ رسالته العملية باستخلاص أن الأزمة المعاصرة للتشيع جذورها ممتدة إلى تأسيس هذا المذهب المبتدع، محددًا أربعة أئمة رئيسيين بُني عليهم المذهب الطوسي تاريخيًا، وهم: الشيخ الطوسي، العلامة الحلي، مرتضى الأنصاري، وأبو القاسم الخوئي. ويؤكد أن كل ما يُطرح اليوم من عناوين كالمذهب الجعفري أو الاثني عشري هي مجرد أغطية لـ المذهب الطوسي، داعيًا الموالين لرفض هذه المذاهب البشرية والتمسك حصرًا بدين محمد وآل محمد الصافي.

