ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 19

الحلقة ١٩ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٩

١٣ نوفمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الأحد 17 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 13 / 11 / 2022م

  • يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذا الجزء التاسع الحديث عن موضوع التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة، استكمالًا لما بُحث في الحلقات الماضية، متخذًا من سورة القدر مثالًا توضيحيًا للبعد الغيبي للزمن. استعرض الشيخ في البداية آفاق ليلة القدر السبعة التي بيّنها سابقًا، وصولًا إلى الأفق السابع والأعظم المتمثل في التقدير الأعظم، كما ورد في رواية المفضل بن عمر في كتاب معاني الأخبار عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "نَزَلَتْ وَلَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهَا"، مبينًا أن ليلة القدر في عالمنا الترابي هي صورة مصغرة عن تلك الحقيقة العلوية الواسعة.

  • ينتقل الشيخ لبيان ارتباط الزمان برمّته بالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته صلوات الله عليهم، مبينًا أن الزمان في حقيقته هو وعاء المكان، ويتجلى في كل عالم بحسبه. واستشهد الشيخ بما ورد في الزيارة الجوادية المروية عن الإمام الجواد صلوات الله عليه: "السَّلَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ عَنْهُمْ صَلَوَاتِهِ فِي آنَاءِ السَّاعَاتِ، وَبِهِمْ سَكَنَتِ السَّوَاكِنُ وَتَحَرَّكَتِ الْمُتَحَرِّكَاتُ"، وقوله: "السَّلَامُ عَلَى شُهُورِ الْحَوْلِ وَعَدَدِ السَّاعَاتِ، وَحُرُوفِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الرُّقُومِ الْمُسَطَّرَاتِ"، مؤكدًا أن هذه الإشارات كلها رموز وإحالات صريحة لمقاماتهم العظيمة في عالم التكوين والزمان.

  • ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على أن الأئمة صلوات الله عليهم هم الحقيقة الباطنة والجوهر الأصيل لكل العبادات والفرائض والشعائر، مستدلًا بما نقله السيد هاشم البحراني في تفسير البرهان عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "يَا دَاوُدُ، نَحْنُ الصَّلَاةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْنُ الزَّكَاةُ، وَنَحْنُ الصِّيَامُ، وَنَحْنُ الْحَجُّ، وَنَحْنُ الشَّهْرُ الْحَرَامُ، وَنَحْنُ الْبَلَدُ الْحَرَامُ، وَنَحْنُ كَعْبَةُ اللَّهِ، وَنَحْنُ قِبْلَةُ اللَّهِ، وَنَحْنُ وَجْهُ اللَّهِ"، مذكرًا بالآية القرآنية الشريفة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وما جاء في كتاب مشارق أنوار اليقين من الخطبة الافتخارية لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: "أَنَا شَهْرُ رَمَضَانَ، أَنَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ... بَلْ نَحْنُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَاللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ وَالشُّهُورُ وَالْأَعْوَامُ".

  • وتطرق الشيخ إلى دعاء وداع شهر رمضان من الصحيفة السجادية، لرد شبهات النسيئيين الجدد الذين يحرّفون معاني الدعاء لتبرير التلاعب بالتقويم القمري ومواءمته مع الشمسي. واستشهد بالدعاء الشريف: "اللَّهُمَّ إِنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي شَرَّفْتَنَا بِهِ، وَوَفَّقْتَنَا بِمَنِّكَ لَهُ حِينَ جَهِلَ الْأَشْقِيَاءُ وَقْتَهُ، وَحُرِمُوا لِشَقَائِهِمْ فَضْلَهُ"، مبينًا أن الأشقياء المذكورين في الدعاء ليسوا من يعتمد التقويم الشمسي المتنقل كما يزعمون، بل هم النواصب ومخالفو العترة الطاهرة الذين تلبسوا بالشقاء لعداوتهم لأهل البيت صلوات الله عليهم.

  • ولبيان حقيقة هؤلاء الأشقياء، استعرض الشيخ ما ورد في كتاب علل الشرائع عن الإمام الجواد صلوات الله عليه بشأن العوام المخالفين: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَةُ الْمَلَكِ فِيهِمْ... إِنَّ النَّاسَ لَمَّا قَتَلُوا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَكاً يُنَادِي: أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الظَّالِمَةُ الْقَاتِلَةُ عِتْرَةَ نَبِيِّهَا، لَا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ لِصَوْمٍ وَلَا فِطْرٍ"، وما ورد عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "أَلَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُتَجَبِّرَةُ الضَّالَّةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا، لَا وَفَّقَكُمُ اللَّهُ لِأَضْحَى وَلَا فِطْرٍ"، مؤكدًا أن هؤلاء لن يوفقوا لحقيقة الصوم ولا للحج حتى يثور ثائر الحسين، إمام زماننا صلوات الله عليه.

  • وأوضح الشيخ أن جوهر قبول الأعمال ومادتها التكوينية هو ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، مبيّنًا أن كل عبادة تُؤدّى بمعزل عن هذه الولاية هي عبث محض وصلاة موهومة لا حقيقة لها، كما هو صريح الزيارة الجامعة الكبيرة: "سَعِدَ مَنْ وَالَاكُمْ، وَهَلَكَ مَنْ عَادَاكُمْ، وَخَابَ مَنْ جَحَدَكُمْ، وَضَلَّ مَنْ فَارَقَكُمْ"، فمن لم يكن ثابتًا على بيعة الغدير فإن أعماله لا تُقبل، مشددًا على أن المائز الحقيقي بين الشقاء والسعادة يكمن حصرًا في التسليم المطلق لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم.

  • وربط الشيخ بين معرفة شهر رمضان، ومعرفة ليلة القدر، ومعرفة السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، مستندًا إلى حديث الإمام الصادق صلوات الله عليه: "وَقَلْبُ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ"، وروايته في تفسير فرات الكوفي: "فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ". واستنتج الشيخ أن الأشقياء الذين يجهلون وقت الشهر وفضله هم الذين لا يعرفون فاطمة الزهراء حق معرفتها، وبالتالي يُحرمون من معرفة ليلة القدر وشهر رمضان على حقيقتهما الباطنة، وليس مجرد معرفة الحساب الفلكي المجرد.

  • وركّز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على ضرورة تلازم الإيمان بالظاهر والباطن في عقيدة الشيعي، مستشهدًا برواية الهيثم التميمي في كتاب بصائر الدرجات عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "يَا هَيْثَمُ التَّمِيمِيُّ، إِنَّ قَوْماً آمَنُوا بِالظَّاهِرِ وَكَفَرُوا بِالْبَاطِنِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيْءٌ... وَلَا إِيمَانَ بِظَاهِرٍ إِلَّا بِبَاطِنٍ، وَلَا بَاطِنَ إِلَّا بِظَاهِرٍ". وبيّن أن معرفة شهر رمضان الظاهرية تتمثل في التزام التقويم القمري ورؤية الهلال بالعين المجردة، بينما المعرفة الباطنية تكمن في الاعتقاد والتسليم بمقامات العترة الطاهرة الذين هم حقيقة ذلك الزمان وغيبه.

  • وانتقد الشيخ ظاهرة الاغترار بالظاهر الدنيوي وإهمال الباطن الأخروي العقائدي، موردًا الآية الكريمة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾، والآية الأخرى واصفة إياهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وأكد أن هؤلاء يمتلكون عقولًا وحواسًا لا توظف لمعرفة حقائق الدين بل تنحصر في الماديات، مما يوقعهم في الانحراف والبهيمية.

  • وانتقل الشيخ لترسيخ منهج العترة في إثبات بدايات الشهور القمرية، بعيدًا عن حسابات الفلكيين النسيئيين. واستدل بدعاء رؤية الهلال للإمام الصادق صلوات الله عليه: "إِذَا رَأَيْتَ الْهِلَالَ فَقُلِ اللَّهُمَّ قَدْ حَضَرَ شَهْرُ رَمَضَانَ وَقَدِ افْتَرَضْتَ عَلَيْنَا صِيَامَهُ"، وبمناجاة الإمام السجاد صلوات الله عليه للهلال: "أَيُّهَا الْخَلْقُ الْمُطِيعُ الدَّائِبُ السَّرِيعُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَنَازِلِ التَّقْدِيرِ... جَعَلَكَ مِفْتَاحَ شَهْرٍ حَادِثٍ لِأَمْرٍ حَادِثٍ"، موضحًا أن هذا الخطاب صريح في أن الشهور القمرية متحركة ومتنقلة عبر الفصول، وأنها آية دقيقة من الله تضبط نفسها بنفسها وتُرى بالعين المجردة منعًا لتلاعب العابثين.

  • ولدفع أي التباس حول الاختلاف بين رؤية الهلال وحسابات الفلكيين، أورد الشيخ نصًا حاسمًا من كتاب تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة، حيث سأل أبو عمرو الحذّاء الإمام الهادي صلوات الله عليه عن حالة تعذر رؤية الهلال مع صفاء السماء، في مقابل دعوى الحسّابين برؤيته في بلدان أخرى، فجاء التوقيع الشريف قاطعًا: "لَا تَصُومَنَّ الشَّكَّ، أَفْطِرْ لِرُؤْيَتِهِ وَصُمْ لِرُؤْيَتِهِ". وعقّب الشيخ مبينًا أن هذا هو الميزان الشرعي القويم الذي يرفض الاعتماد على الحسابات الفلكية التخمينية ويلتزم بالرؤية المباشرة.

  • في ختام المحاضرة، لخّص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالته العملية بالتأكيد على شمولية وإحكام منظومة المعارف المهدوية، مذكرًا بالآية الشريفة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ والآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. وروى حوارًا بين رجل والإمام الصادق صلوات الله عليه بشأن حديث النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في صدق أبي ذر، حيث فكّك الإمام المعنى الباطن بسؤاله عن السنة والأشهر الحرم، مبينًا أن شهر رمضان ورغم أنه ليس من الأشهر الحرم إلا أن فيه ليلة خير من ألف شهر، ليختم الإمام بكلمة تفصل المقال: "إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا يُقَاسُ بِنَا أَحَدٌ"، مشددًا الشيخ على ضرورة فهم أحاديث أهل البيت وفق معاريض كلامهم، مصداقًا لقولهم: "حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ".

ملخصات ونصوص الحلقة (1)