ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 18
الحلقة ١٨ – التقويم القمريّ في ضوء ثقافة العترة الطاهرة ج٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 16 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 12 / 11 / 2022م
بدأ الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة ببيان صلتها بما سبق، موضحًا أنها الجزء الثامن من المبحث المعنون التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة، حيث تُستكمل مناقشة الوجه الغيبي للزمن والمستويات المتعددة لليلة القدر. وتتمحور الفكرة العامة للحلقة حول الانتقال من مستوى التقدير الأصغر إلى مستوى التقدير الأكبر في الآفاق العليا لليلة القدر، وصولًا إلى الكشف عن هويتها الباطنية المتمثلة في الحقيقة الفاطمية، بوصفها الميزان المستقيم والقيمة العليا التي يرتبط بها نظام التكوين والتشريع.
استهل الشيخ المحور الأول ببيان الخارطة التكوينية الأولى للزمن، مبينًا أن التقويم القمري ليس مجرد تنظيم بشري اعتباري، بل هو انعكاس لنظام تكويني غيبي بنيت عليه السماوات والأرض. واستشهد بما ورد في كتاب الخصال عن الإمام الباقر صلوات الله عليه: «إن الله عز وجل خلق الشهور اثني عشر شهرا وهي هذه الشهور الاثنا عشر وهي ثلاثمائة وستون يوما لأنها شهور منتظمة فكل شهر يمثل ثلاثين يوما فحجر منها ستة أيام خلق فيها السماوات والأرضين فمن ثم تقاصرت الشهور». وأوضح أن السنة الأصلية في التكوين تتألف من ثلاثمائة وستين يومًا، طُرحت منها ستة أيام خُلقت فيها الدنيا، ليكون الناتج ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا، وهي أيام السنة القمرية.
وأكد الشيخ هذا المعنى التكويني برواية أخرى عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في كتاب الخصال أيضًا، حيث سُئل: «عن السنة كم يوما هي؟ قال ثلاثمائة وستون يوما منها ستة أيام خلق الله عز وجل فيها الدنيا فطرحت من أصل السنة فصارت السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما». وبيّن أن التشريعات العبادية تعكس هذه الخارطة التكوينية، مستدلًا بقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «يستحب أن يطوف الرجل في مقامه بمكة عدد أيام السنة ثلاثمائة وستين أسبوعا... فإن لم يقدر على ذلك طاف ثلاثمائة وستين شوطا»، ليثبت أن التشريع لا ينفك عن ملاكاته وأسراره التكوينية.
انتقل الشيخ بعد ذلك إلى الأفق الخامس من آفاق ليلة القدر، وهو أفق ليلة التقدير الأكبر، والذي يعلو على التقدير الأصغر المتعلق بمقاييس السنة الواحدة. واستدل بما ورد في معاني الأخبار عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت لا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى قدر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة فكان فيما قدر عز وجل ولايتك وولاية الأئمة من ولدك إلى يوم القيامة». وشرح أن هذا الأفق يمثل الوجه المتجلي من الحقيقة المحمدية إلى الخلق، وفيه رُسمت خارطة الوجود المتدفقة من فيضهم صلوات الله عليهم إلى يوم القيامة.
وفي سياق بيان تجليات هذا الوجه الكوني، فسّر الشيخ حقيقة الفناء والبقاء في عالم التكوين، مستدلًا بقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}. وأوضح أن الفناء في النفخة الأولى ليس العدم المطلق، بل هو اندثار لقوة الفعل والانفعال وتلاشٍ لوهم الملكية المستقلة للكائنات. أما الوجه الباقي، والذي وُصف بأنه ذو الجلال والإكرام، فهو وجه الحقيقة المحمدية المشرق على الوجود، والذي تنبعث منه الحياة مجددًا في النفخة الثانية لتعود الكائنات من حالة الاندثار إلى التجسد وفق مراتبها.
وأكد الشيخ على الإحاطة المطلقة لهذا الوجه الرباني في كلا البعدين المادي والمعنوي، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. وبيّن أن هذا الوجه هو الذي تتوجه إليه الخلائق وتستمد منه وجودها، وهو الوجه الذي يُخاطب به إمام زماننا صلوات الله عليه في دعاء الندبة، والذي مُلئت به السماوات والأرض حتى ذلّ له كل شيء.
وعند ولوجه إلى الأفق السادس، كشف الشيخ أن ليلة القدر في هذا المقام العالي هي الليلة السر، وهي تمثل سر الله المتمثل في فاطمة صلوات الله عليها. واستند إلى ما جاء في تفسير فرات الكوفي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «إنا أنزلناه في ليلة القدر الليلة فاطمة والقدر الله فمن عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر». وخلص من ذلك إلى أن المعرفة الحقيقية بليلة القدر في عالم التراب مرهونة بمعرفة الحقيقة الفاطمية، التي هي المجلى الثاني من مجالي الحقيقة المحمدية.
ولبيان هيمنة هذا المقام الفاطمي، تطرق الشيخ إلى حقيقة الروح المتنزل في ليلة القدر، موردًا ما نُقل عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «والروح القدس هي فاطمة». وبيّن أن الروح خلق أعظم من الملائكة، وتنزله معهم هو تجلٍ من تجليات فاطمة صلوات الله عليها، مما يثبت أنها القيمة على الملائكة في الملأ الأعلى، وهي القيمة على الخلائق في الملأ الأسفل.
وربط الشيخ بين مقامها التكويني ومقامها التشريعي، جاعلًا إياها محور الدين وغايته، مستدلًا بقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. وأوضح أن الدين الخالص المستقيم هو دين فاطمة، فهي دين القيمة، ولا يقوم الدين إلا بها، ولا يُفهم إلا من خلال تسليم الخلائق لقيمومتها المطلقة.
ولتعميق هذا الفهم، أورد الشيخ مقطعًا من حديث المعرفة بالنورانية لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث قال لسلمان وأبي ذر: «إنه لا يستكمل أحد الإيمان حتى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية... معرفتي بالنورانية معرفة الله عز وجل ومعرفة الله عز وجل معرفتي بالنورانية وما هي يا أمير المؤمنين وهو الدين الخالص الذي قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة». وبيّن أن استكمال الإيمان ومعرفة الله لا تتحقق إلا بالمعرفة النورانية التي ترجع في جوهرها إلى التسليم التام للدين الزهرائي الأصيل.
واستمر الشيخ في بيان مركزية الحقيقة الفاطمية في القرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}. وشرح أن القرآن يهدي إلى فاطمة صلوات الله عليها؛ لأنها الحقيقة الأقوم والميزان المستقيم الذي يُوزن به رضا الله وغضبه، والمهتدون إليها هم من ينالون البشرى والأجر الكبير في الدارين.
كما ربط الشيخ بين مقام القيمومة والتمهيد لظهور إمام زماننا صلوات الله عليه، مستدلًا بقوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. وأشار إلى أن استقامة الدين تتحقق بفاطمة بوصفها القيمة، وبالحجة بن الحسن بوصفه القائم، وأن الفطرة السليمة مشتقة من اسم الله الفاطر، وهي الفطرة التي عُجنت بحبهم وولايتهم.
وختم الشيخ الحلقة بالإشارة الموجزة إلى الأفق السابع من آفاق ليلة القدر، وهو أفق الليلة الأم الليلة الجامعة. واستشهد برواية في معاني الأخبار عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «هي ليلة قدرت فيها السماوات والأرض وقدرت ولاية أمير المؤمنين فيها». وكانت رسالته العملية وخلاصته التأكيد على أن التقدير الأعظم للوجود بأسره لا ينفك عن ولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأن الولاية هي جوهر الوجود ومحور الصلاة والدين، ممهدًا بذلك لتفصيل هذا الأفق الكوني الشامل في الحلقة القادمة.

