ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 60
الحلقة ٦٠ والأخيرة
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 29 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 24 / 12 / 2022م
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في مستهل هذه الحلقة، وهي الحلقة الستون والأخيرة من برنامجه "ما بين واقعين، واقع الدنيا وواقع الدين"، صلتها بالبناء التراكمي للحلقات السابقة؛ مبيّنًا أنها تمثّل الحصيلة النهائية والخلاصة الإجمالية السريعة لكل ما طُرح في البرنامج طيلة ستين حلقة. وقد استعرض الشيخ الهيكل المنهجي والزمني للبرنامج، مشيرًا إلى أن الحلقة الأولى كانت مقدمة عامة للمشروع، تلتها ثلاث حلقات حول "صناعة تيار فكري مجتمعي"، ثم ست حلقات ناقشت عنوان "العباسيون القدماء والجدد"، وأعقبتها تسع حلقات خُصصت لدراسة "التقويم القمري في ضوء ثقافة العترة الطاهرة". وأوضح أن القسم الأطول والأهم تمثّل في سلسلة من أربعين حلقة امتدت من الحلقة العشرين إلى التاسعة والخمسين تحت عنوان "المذهب الطوسي"، مؤكدًا أن جميع العناوين السابقة ترتبط بموضوع المذهب الطوسي ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول الصراع والاضطراب المستمر في حياة الشيعة ما بين واقعين متصادمين: واقع الدنيا الخاضع للوهم والغرور واللعب، وواقع الدين الحقيقي المستند إلى الوحي، مستفتحًا الحلقة بالآية الكريمة: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}. ويبيّن الشيخ أن الواقع الديني قد تعرّض للتزييف والتحريف عبر مسارين متباينين: المسار الكوثري وهو المسار العلوي الفاطمي المهدوي المرتبط بـ الدين الرباني المتمثل بـ العترة الطاهرة، والمسار الأبتر الذي ينقسم بدوره إلى سقيفتين شيطانيتين: سقيفة بني ساعدة التي أسست لـ الدين الشيطاني والمسار السقيفي العمري، وسقيفة بني طوسي التي صنعت المذهب الطوسي البتري المرجئي الذي عاث في دين آل محمد تشويهًا ومسخًا تحت لافتة مذهب أهل البيت.
ويرى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن الحلقات الأربعين المخصصة لـ المذهب الطوسي هي حجر الزاوية والأهم في هذا البرنامج، كونها كشفت كذبة تاريخية كبرى ومستمرة بفعل تضليل شيوخ الحوزة في النجف وكربلاء والاستسلام الأعمى من عوام الشيعة الذين اتبعوا هذا المذهب العباسي الخامس المغطى بقداسة مزيفة. وأوضح الشيخ أنه استعرض في تلك الحلقات معالم المذهب ونجاسته العقائدية والفكرية وتطبيقاته العملية والنظرية المعاصرة، مثل المواقف الطوسية البترية من الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة وتشهد الصلاة، ومن ظلامة فاطمة صلوات الله عليها. ويوجه الشيخ دعوة حارة لشباب الشيعة المنتظرين لـ إمام زماننا صلوات الله عليه في شرق الأرض وغربها لمتابعة إعادة بث هذه الحلقات ودراستها دراسة معمقة ومناقشتها؛ لبناء حصانة فكرية عقائدية قادرة على مواجهة دهاء الطوسيين وخبثهم.
ويشرع الشيخ في تفكيك الأسس العقائدية والفقهية التي يعتمدها أصحاب السقيفتين، مبتدئًا بنقد قاعدة الإجماع التي يدعيها أتباع سقيفة بني ساعدة، والذين قلّدهم فيها الطوسيون حتى زعموا جهلاً أن إمام زماننا صلوات الله عليه يدخل ضمن إجماع الفقهاء. ويفند الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي استدلالهم على عصمة الإجماع بالآية القرآنية الشريفة من سورة النساء: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبَعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولَّىٰ وَنُصْلِهِ جهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، مبيّنًا بالدليل اللغوي والسياقي المحكم أن الآية تتحدث عن المشاقة الحسية المنافرة الواقعية لرسول الله وهو حي بين أظهرهم، وأن سبيل المؤمنين معصوم هنا لارتباطه بطاعة النبي الحي الحاضر والتسليم المطلق لأمره، فلا معنى عقليًا أو شرعيًا للاستدلال بالإجماع في حضور رسول الله، واصفًا محاولة إدخال المعصوم في إجماع الطوسيين بالأكاذيب المصنوعة لتبرير هدم حصر مصادر التشريع في الكتاب والسنة.
ولتأكيد أن مادة المشاقة في المنطق القرآني تدل على المواجهة العينية والحسية المباشرة ولا علاقة لها بالإجماع المبتدع، يستعرض الشيخ مجموعة من الآيات المحكمة؛ مستشهدًا أولًا بآية سورة الأنفال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} التي جاءت في سياق معركة حية ملموسة مرتبطة بـ واقعة بدر وتأييد الملائكة. كما يستدل بآية سورة محمد: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} المسبوقة بآية الابتلاء والجهاد والقتال الحسي. ويختم بآية سورة الحشر: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِابِ} الواردة في سياق إخراج بني النضير من ديارهم وهدم حصونهم. ويخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن حشر آية النساء لإثبات عصمة الإجماع يمثّل غاية التحريف والجهالة والضلالة في تفسير كتاب الله.
ويتطرق الشيخ إلى الحديث المشهور في صحاح الجمهور: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" أو "لا تجتمع أمتي على خطأ"، متسائلاً بنظرة عقائدية فاحصة: هل كان الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يمثّلون حقًا أمة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ ويجيب بأن هؤلاء قد تمردوا على أمره في حياته وعاملوه بجفاء وغلظة في لحظات الاحتضار، مستحضرًا فاجعة رزية الخميس كدليل لا يقبل الجدل، حيث حالوا بين النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وبين كتابة الكتاب الذي يعصم الأمة من الضلال في بيته، وأحدثوا لغطًا وضوضاء بين يديه حتى طردهم. ويتساءل مستنكرًا: كيف يزعم أتباع السقيفة أن أبا بكر وعمر ذهبا إلى السقيفة حرصًا على هداية الأمة ومنع وقوع الفتن، بينما هما نفساهما اللذان عارضا أصل الهداية وصدا رسول الله عن كتابة الكتاب العاصم ولم يعودا بعد طردهما للاعتذار والاستغفار منه؟
ويستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي تفاصيل الرواية الواردة في صحيح البخاري في كتاب العلم وتحت باب كتابة العلم، حيث طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في شدة وجعه كتابًا ليكتب للأمة ما يحول دون ضلالها، فعارضه عمر بن الخطاب بعبارته الفظة: "إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا"، مستخدمًا ذات شعار رفع المصاحف الذي رُفع لاحقًا في صفين. ويبيّن الشيخ أن تنازعهم وكثرة لغطهم في محضر النبي أدت بطردهم وقوله لهم: "قوموا عني"، رابطًا هذا الطرد بالمنطق القرآني الذي يحظر على الأنبياء طرد المؤمنين الصادقين، مستشهدًا بقول نوح عليه السلام في سورة هود: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}، وآيات سورة الشعراء: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، وسورة الأنعام: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ}. ويستنتج من ذلك أن طرد النبي الأعظم لهم في مرض موته يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنهم لم يكونوا مؤمنين يطلبون وجه الله، بل طلاب دنيا وسلطة مستعدين لرد قوله ومواجهته بالغلظة والتمرد.
ويربط الشيخ ما جرى في رزية الخميس ب أحاديث الحوض الواردة في صحيح البخاري، والتي تصرح بارتداد غالبية الصحابة على أدبارهم القهقرى بعد رحيل النبي الأعظم، وسوقهم زمرًا إلى النار من قِبل قسيم الجنة والنار، حيث لا ينجو ولا يخلص منهم إلا مثل هَمَل النَّعَم. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أملى ذلك الكتاب العاصم وكتبه بالفعل ل أمير المؤمنين صلوات الله عليه بحضور الشهود الثلاثة الأوفياء الذين لم يرتدوا (سلمان والمقداد وأبو ذر)، ولكن أمير المؤمنين اضطر لإخفائه مع المصحف العلوي الشريف لعدم أمانة الأمة وغدرها ببيعة الغدير، لتظل هذه الحقائق والوثائق الإلهية محفوظة عند إمام زماننا صلوات الله عليه حتى يوم ظهوره المبارك ليكشف الجرائم التاريخية والظلامات.
وينتقل الشيخ لتطبيق هذا التحذير القرآني والروائي على الواقع الشيعي المعاصر، مستشهدًا بخطبة أمير المؤمنين صلوات الله عليه الواردة في كتاب عوالم المهدي ومستدركاتها، والتي يحذر فيها جهارًا: "وإياكم وإياكم والدجالين من ولد فاطمة، فإن من ولد فاطمة دجالين" من أصحاب العمائم السوداء الذين يبسطون نفوذهم ويقودون الشيعة إلى التيه. ويرى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن المرجعية السيستانية البترية في النجف هي المصداق الأبرز لهذه التحذيرات بتلقيها الدعم والتلميع من أعداء العترة. ويعزز ذلك برواية الإمام الرضا صلوات الله عليه في كتاب صفات الشيعة ل الشيخ الصدوق، التي تحذر من شخص ينتحل مودة أهل البيت ويكون أشد فتنة على الشيعة من الدجال، وذلك بسبب موالاة أعداء أهل البيت ومعاداة أوليائهم، مما يخلط الحق بالباطل ويشبه الأمر فلا يُعرف مؤمن من منافق. ويؤكد الشيخ أن أعظم وأكبر الكفر في القرآن الكريم هو الكفر ببيعة الغدير لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، حيث يساوي الدين والتوحيد والنبوة والرسالة صفرًا بدون الولاية والبيعة العلوية.
ويستعرض الشيخ حديث الإمام الصادق صلوات الله عليه مع المفضل بن عمر في كتاب عوالم العلوم ومستدركاتها لتوضيح الفارق العقائدي الجوهري بين طائفتين أضرتا بالحق: الناصبة والمقصرة؛ حيث يبيّن الإمام الصادق أن الناصبة (أتباع سقيفة بني ساعدة) هم أعداء الشيعة، بينما المقصرة (أتباع سقيفة بني طوسي) هم أعداء العترة الطاهرة الحقيقيون. ويوضح الحديث أن المقصرة وافقوا الشيعة على البراءة من أعداء السقيفة وعرفوا فضل العترة لكنهم أنكروه وجحدوه بدعوى أن الأئمة بشر كأمثالنا، نافين ولايتهم التكوينية المطلقة وقدرتهم المفوضة من الله. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هؤلاء المقصرة تغلغلوا في الحوزة الطوسية النجفية، يتعلمون يسيرًا من علوم الأئمة الصحيحة ليتوجهوا بها عند عوام الشيعة، ثم يضيفون إليها أضعافًا مضاعفة من الأكاذيب والمنطلقات الناصبية وعلم الرجال المستورد من السقيفة الأولى، مضلين الشيعة المستسلمين لهم.
ويختم الشيخ هذا التشخيص العقائدي المرير بالاستشهاد برواية من كتاب الهداية الكبرى ل الحسين بن حمدان يرويها المفضل بن عمر عن الإمام الصادق صلوات الله عليه، ويؤكد فيها الإمام الرضا صلوات الله عليه أن قتلة الحسين في آخر الزمان هم قوم يزورون قبره ويتشافون بتربته وينتحلون مودة العترة الطاهرة ولكنهم ليسوا منهم، بل هم المقصرة أتباع مراجع الضلال الطوسيين. ويبين الشيخ أن هؤلاء قد استحقوا لعنة الله ولعنة اللاعنين لأنهم حرّفوا دين آل محمد وعبثوا به تحت يافطة المذهب الجعفري والمذهب الاثني عشرية، وجعلوا ضررهم على الشيعة أشد من ضرر جيش يزيد بن معاوية على الحسين بن علي وأصحابه في كربلاء.
وفي ختام هذه الحلقة الستين والأخيرة من البرنامج، يوجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالته العملية والوجدانية الحاسمة إلى عموم الشيعة والشباب منهم خاصة، حاثًا إياهم على التمسك ب مودة الزهراء صلوات الله عليها والالتفاف حول المنهج العقائدي البديل. ويعلن الشيخ عن توقف برنامجه الحالي ليبث مكانه برنامجًا يوميًا جديدًا بعنوان "برنامج الخاتمة" يتضمن مجموعة حلقات "اعرف إمامك" لترسيخ العقيدة السليمة التي يرتضيها صاحب الأمر. ويناشدهم بتخصيص شهرين من حياتهم لمتابعة ودراسة هذين البرنامجين دراسة واعية لفهم العقيدة السليمة، مستحضرًا قول الإمام الصادق صلوات الله عليه: "لو أدركته لخدمته أيام حياتي" كدستور عملي للاستعداد والتمهيد الحقيقي لنصرة إمام زماننا صلوات الله عليه.

