ما بين واقعين ، واقعِ الدُنيا وواقع الدين - الحلقة 59

الحلقة ٥٩ – المذهب الطوسي ج٤٠

٢٣ ديسمبر ٢٠٢٢

مقدمة تعريفية عن الحلقة

تاريخ البث : يوم الجمعة 28 جمادى الأولى 1444هـ الموافق 23 / 12 / 2022م

  • يفتتح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة بالإشارة إلى أنها تمثل الجزء الأربعون من العنوان المتقدم في الحلقات الماضية وهو المذهب الطوسي، وتحديداً القسم الثامن تحت عنوان كينونة دين العترة الطاهرة. ويبيّن الشيخ أن حديثه يسير وفق حكمة منطقية وعقلية تقضي بأن الأمور تستبين ببيان أضدادها، لذا تفرّع وتشعّب في الحديث حتى وصل إلى تفكيك علم الرجال الناصبي الذي اتخذه المذهب الطوسي سلاحاً في تدمير دين العترة الطاهرة صلوات الله عليهم. ويوضح كيف نجح الطوسيون في جعل هذه الوسيلة الناصبية أداة لتدمير حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، مما أدى إلى إخلاء العقل الشيعي بالكامل من معارفهم الحقيقية.

  • تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول تفكيك موازين التقييم البشري وإسقاط منهجية علم الرجال وعلم الحديث السائدة في الحوزات العلمية بالاعتماد على محكم آيات القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام. يوضح الشيخ أن هناك فرقاً شاسعاً بين الموازين الحسية التي تعتمد على حضور مادي ومحسوس يُنتج العلم واليقين، وبين الموازين الحدسية المبنية على الظن والتخمين والتي يتعبد بها رجال الجرح والتعديل في الحوزة الطوسية بالنجف. ويؤكد أن هذه الأساليب الحدسية التي يسمونها تضليلاً "حدساً قريباً من الحس" ليست إلا جهالة وسفاهة يضحكون بها على الشيعة لتمرير باطلهم وعزلهم عن منابع فكرهم الحق.

  • يسترسل الشيخ في الاحتجاج بالآيات القرآنية لإثبات بطلان موازين التقييم الحدسية، مستشهداً بآية من سورة التوبة: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَعْنُ نَعْلَمُهُمْ. ويذكر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن هذه الآية نزلت بلسان إياك أعني واسمعي يا جارة؛ فالخطاب في ألفاظه موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، بينما مضمونه موجه لعامة الأمة. فإذا كان النبي بظاهر الأمور البشرية يُخاطَب بأنه لا يعلم هؤلاء المنافقين الذين اعتادوا وتمرنوا على النفاق، فكيف لغيره أن يدّعي معرفة أحوال الرواة الذين يفصل بينه وبينهم مئات السنين بمجرد الحدس والتخمين؟ إن الآية تحكم بالجهل والجهالة على موازين علم الرجال، وتلزم الأمة بعدم الاعتماد على التقييم الحدسي الظني بل الرجوع إلى موازين حسية يقينية تبعث على العلم الفعلي.

  • وينتقل الشيخ إلى سورة محمد مستعرضاً الآيات الشريفة: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ. ويوضح أن معرفة المنافقين بسيماهم هي معرفة إعجازية خارجة عن الطور الاعتيادي، بينما قوله تعالى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يمثل المعيار الحسي والعملي الذي يُمكّن البشر من فرز المنافقين ومعرفتهم الحقيقية من خلال سلوكهم وكلامهم. ثم يعطف على الآية التي تليها مباشرة: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ، مبيناً أن الله سبحانه وهو الغني عن امتحان خلقه، يقرر هذا المنهج ليرسم للبشر طريقاً واضحاً مفاده أن العلم والتقييم الحقيقي لا يتحقق إلا بعد الامتحان الحسي والتجربة المادية الملموسة، وهو ما تفتقر إليه قواعد علم الرجال بالكامل لكونها تفتقر إلى أي مستند حسي في توثيق الرواة وتضعيفهم.

  • وفي سياق التطبيق العملي للتدليل على خواء هذا العلم، يسلّط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على كتاب الرجال للشيخ النجاشي، الذي يُعد أهم المصادر الرجالية عند الشيعة، مشيراً إلى أن صاحبه توفي سنة أربعمائة وخمسين للهجرة، فكيف يتسنى له التواصل الحسي مع رواة عاشوا في القرون الثلاثة الأولى؟. إن النجاشي ينقل توثيقاته دون ذكر أسانيد واضحة، فضلاً عن أن النسخ المتداولة لكتابه تشتمل على اختلافات وتناقضات فاحشة، ففي نسخة يوثق الراوي وفي أخرى يضعف، مما يجعل الاعتماد عليه عبثاً وهراءً. ويبين الشيخ أن هذا المنهج المستورد من النواصب عزل الشيعة عن أحاديث التفسير والأدعية والزيارات الشريفة بحجة ضعف أسانيدها، متناسين أن أئمتنا صلوات الله عليهم لم يوجهونا مطلقاً للبحث في السند بل أمرونا بعرض متون الأحاديث على قرانهم المفسر بتفسيرهم، وهو الميثاق العقدي الذي بايعنا عليه في بيعة الغدير.

  • ويصل الشيخ إلى الآية الأم والأساس في هذا الباب، وهي الآية السادسة من سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبَحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. ويفكك الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الفهم الخاطئ الذي تطرحه الحوزة الطوسية عبر مدارسها في النجف، والذي ينقله الخطيب أحمد الوائلي في تسييل فكر الحوزة، حيث يزعمون أن مفهوم الآية يقتضي رد خبر الفاسق وقبول خبر العادل. ويصحح الشيخ هذا الفهم الطرطبسي مؤكداً أن الآية تأمر بعكس ذلك تماماً؛ فهي تنهى عن رفض خبر الفاسق وتأمر بتبينه والتحقق منه. ولأن الفاسق فاسق بحكم الله، فإن البحث لا ينصب على عدالة السند بل يتوجه مباشرة لتفحص المتن ومضمون الخبر، فإذا تبين صدق الخبر بالقرائن الحقيقية تحوّل إلى علم يقيني، مما يثبت أن خبر الفاسق الواحد يمكن أن يورث العلم واليقين ويسقط كل هراء الحوزة في تقسيم الأخبار إلى آحاد وظني ومتواتر.

  • ويكشف الشيخ أن التقسيم الحوزوي للأخبار إلى أخبار آحاد تفيد الظن وأخبار متواترة تفيد اليقين هو بدعة مستوردة بالكامل من النواصب، ابتدعوها لترقيع دينهم المبني على الكذب وتبرير كثرة الروايات الموضوعة لديهم. ويوضح أن هذا التقسيم لا عين له ولا أثر في كتاب الله أو في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم، ولا يقره العقل السليم الذي يحكم بأن خبر الكاذب إذا احتف بالقرائن أنتج علماً، بينما خبر الصادق قد لا ينتج علماً لعدم دقته في النقل. وبناء على ذلك، فإن آية التبين تسقط منهج الحوزة الطوسية بكامل تفرعاته؛ فتسقط علم الرجال وعلم الحديث، وتنسف علم أصول الفقه الذي شُيّد على هذه المقدمات الفاسدة كالبحث في حجية خبر الواحد والأصول العملية، كما تسقط علم الكلام وعلم التفسير الحوزويين اللذين يعزلان الروايات التفسيرية والعقدية بدعوى أنها أخبار آحاد ظنية.

  • ويستنكر الشيخ الازدواجية والمفارقة العجيبة في منهج مراجع النجف، فهم يشددون على اشتراط التواتر واليقين في إثبات المقامات العالية للعترة الطاهرة صلوات الله عليهم لإقصائها وتضعيف أحاديث مناقبهم، بينما يتنازلون عن هذه الشروط المتشددة بالكامل عندما يتعلق الأمر بمقاماتهم وامتيازاتهم الشخصية. ويستشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بكتاب منهاج الصالحين لـ المرجع السيد علي السيستاني، حيث يفتي بأن مرتبة الاجتهاد والأعلمية للمرجع تثبت بشهادة شخصين من أهل الخبرة، بل يذهب إلى ثبوتها بشهادة شخص واحد يثق به وإن لم يكن عادلاً. ويتساءل مستغرباً كيف تثبت قيادة الأمة ومقام المرجعية والنيابة العامة بشاهد واحد غير عادل، بينما تذبح روايات مقامات المعصومين وتراثهم العقائدي تحت مقصلة السند والتواتر المزعوم؟ واصفاً المذهب الطوسي بأنه مذهب يتنافر مع القرآن وفطرة العقل والوجدان.

  • ويشبه الشيخ واقع المذهب الطوسي بواقع سقيفة بني ساعدة، معتبراً أن سقيفة بني طوسي هي الشقيقة التوأم لتلك السقيفة الأولى التي تآمرت على وصي رسول الله وعزلت إمام الحق. ويوضح أن أتباع المذهب الطوسي يحنون دوماً إلى أصلهم، ويسعون بكل ما أوتوا من قوة وراء ما يسمى بالوحدة الإسلامية والتقارب بين المذاهب، وهو مسعى يتطلب منهم التنازل عن حقائق وجوهر دين العترة الطاهرة للتقرب من النواصب وأتباع المذاهب الأربعة، ليكون المذهب الطوسي بمثابة المذهب العباسي الناصبي الخامس. ويرى الشيخ أن هذا المنهج يماثل فعل أتباع رزية الخميس في صحيح البخاري حين طردهم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بعدما رفضوا العاصم الذي أراد كتابته لهم قائلين: عندنا كتاب الله حسبنا، وبالمثل، فإن أتباع السقيفة الطوسية يطردهم إمام زماننا صلوات الله عليه لنبذهم عهد بيعة الغدير وجنوحهم إلى مناهج أعدائهم، كما ورد في رسالته التاريخية إلى الشيخ المفيد.

  • ويعرض الشيخ تساؤلاً لخصه من رسالة طويلة وردته من مدينة النجف يستفسر كاتبها: هل هناك من أمل في تغير الواقع الشيعي؟. ويجيب الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بحسم: كلا وتريليون كلا، مرجعاً يئسه المطلق من تغيير هذا الواقع المتردي إلى أربعة أسباب موضوعية: أولها وجود واقع بتري مرجئي طوسي فاسد بالكامل في الرؤوس والذيول، وثانيها إصرار المراجع وصغار المعممين على ترسيخ هذا الضلال وحمايته، وثالثها القالب المتصلب من الطقوس المزيفة والتقاليد السخيفة التي تعشقها هذه الأمة المتخلفة في تقديسها للعمائم، ورابعها الجمهور الواسع من الكائنات البهيمية البشرية التي دمرت المؤسسة الدينية الرسمية عقولها بصناعة الغباء المركز. ويضيف مستنداً إلى أحاديث المعصومين أن تيه الشيعة يزداد يوماً بعد يوم حتى ظهور إمام زماننا الحجة بن الحسن عليه السلام، حيث سيحاربونه تحت لواء مراجع النجف وكربلاء ووفق المنهج الطوسي اللعين.

  • ويرفع الشيخ الشبهة عمن يتساءل عن سر حماسه وعمله الإعلامي المتواصل ليل نهار إن كان يائساً من عموم الشيعة، مؤكداً أن حماسه لا علاقة له بالناس إطلاقاً، بل هو حماس الخدمة المهدوية في مقام كونه خادماً مخلصاً لإمامه المفترض الطاعة. ويستشهد برواية يونس بن ظبيان عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في كتاب مختصر البصائر لـ الحسن بن سليمان الحلي، والتي تصف أحوال الأولياء الصادقين الذين تلاشت شهواتهم الدنيئة ومحبتهم الرخيصة وانطوت في محبة خالقهم، فعاينوا ربهم بقلوبهم وورثوا العلم والحكمة والصدق بغير أسباب الحكماء والعلماء العادية، مبيناً أن هؤلاء المتمسكين بولاية الحق يُحاربون من علماء المذاهب والفرق الذين وصفتهم الرواية بأنهم حمر مستنفرة. وهو المضمون المطابق لتأويل قوله تعالى في سورة المدثر: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، حيث أولها الإمام الصادق بـولاية أمير المؤمنين التي ينفر منها المنحرفون الساعون للتقارب مع النواصب.

  • وفي ختام المحاضرة، يؤكد الشيخ على حقيقة كمال الدين المستفادة من أحاديث الكافي الشريف في باب الرد إلى الكتاب والسنة، مثل رواية حماد ورواية سماعة عن الإمام الكاظم صلوات الله عليه، والتي تصرح بأنه ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة، وبطلان الاجتهاد والقياس والإجماع وعلم الرجال؛ فالنصوص الطاهرة محيطة بكل شؤون الحياة وظاهرها يُدرك عبر منهج المعاريض ومضمرها يُنال بالتوفيق والتفهيم الإلهي. ويختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه السلسلة ببيان أن البحث عن العلم الصحيح لا بد أن يكون من باب العترة حصراً، متمثلاً بوصية الإمام الصادق ليونس: يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت فإنا ورثناه وأوتينا شرع الحكمة وفصل الخطاب، ومعلناً اكتمال أربعين حلقة من كشف حقيقة الخديعة الطوسية بالأدلة والوثائق الدامغة، تمهيداً لعرض الحلقة الختامية والنهائية من البرنامج في اليوم التالي.

ملخصات ونصوص الحلقة (1)