بانوراما الرجعة العظيمة - الحلقة 37
بانوراما الرجعةِ العظيمةِ – الحلقة ٣٧ – التواصل الصحيح مع القرآن ج٨
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الإثنين 8 شوّال 1446هـ الموافق 7 / 4 / 2025م
يستكمل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة ما بدأه في الحلقات الثلاث المتقدمة، حيث يمثل هذا الجزء الرابع سلسلة الإجابة عن التساؤلات حول اعتراضات النبي موسى على العبد الصالح الخضر. يوضح الشيخ أن الإشكالات تنتفي تماماً حين نعرف منزلة موسى وفق منهج و ثقافة العترة الطاهرة، والتي تلزمنا بأخذ منطقنا في الدين والدنيا من أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
يرتكز المحور الأساسي للحلقة على حقيقة عقائدية دقيقة، وهي أن النبوة مقيدة و العصمة مقيدة لدى الأنبياء أولي العزم باستثناء النبي الخاتم، وهذا ينسحب بالضرورة على العلم المقيد والشريعة. يبين الشيخ أن ما صدر من موسى في موقفه مع الخضر وقع خارج مساحة عصمته ونبوته، بل كان في المساحة البشرية التي تخضع لأسباب ومقدمات حكمة عالم الشهادة بعيداً عن كمال التشريع والرسالة.
استشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بقصة كفالة زكريا لمريم لتوضيح التفاوت في المقامات، مورداً الآية الكريمة: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. زكريا النبي يمتلك التقدم في الكفالة الدينية ضمن الرسالة الموسوية، بينما تتفوق السيدة مريم في استغراقها بـ الحكمة الغيبية، مما جعل زكريا يتجه بالدعاء نحو عالم الغيب متجاوزاً أسباب الطبيعة.
استعرض الشيخ لقطة قرآنية أخرى من سورة مريم حول السيد المسيح الذي أوتي الكتاب واكتملت نبوته وهو في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، مبيناً أن هذه نبوة كاملة ولكنها في الوقت نفسه رسالة مقيدة. استند إلى روايات من كتاب بحار الأنوار توضح أن عيسى كان يبكي ويصيبه المرض، ليعلمنا الإمام الصادق صلوات الله عليه كيف نفصل بين علم النبوة في مساحته المصونة، وبين ضعف الصبا الذي يجري وفق الأسباب والعلل الطبيعية.
تطرق الشيخ إلى قصة يوسف الصديق في السجن مستشهداً بآية: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾. نقل الشيخ من تفسير العياشي رواية عن الإمام الصادق صلوات الله عليه تبين عتاب الله ليوسف عبر جبرائيل حين كشف له عن دودة في صخرة، ليؤكد له أن الله رازقها ولن ينساه، وهذا الموقف يشير إلى الجانب البشري الذي يقع خارج دائرة العصمة وحياض الشريعة المقيدة.
انتقل الشيخ لبيان مراتب تحمل الأسرار، قارئاً من كتاب بصائر الدرجات حديثاً للإمام الباقر صلوات الله عليه يقرر فيه أن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو مؤمن ممتحن، أو مدينة حصينة. أوضح أن هذه الأصناف الأولى تمتلك ولاية مقيدة، بينما يشير عنوان المدن الحصينة إلى خواص أصحاب إمام زماننا صلوات الله عليه الذين يحملون الأسرار بقلوب ممتحنة لا يخترقها أحد.
بين الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن المقامات تتفاوت، فالخضر أعلم من موسى في حكمة عالم الغيب، وموسى أفضل في تحمل أعباء الرسالة والتبليغ. استشهد بما ورد في رجال الكشي عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أن لو عرض علم سلمان على مقداد لكفر، موضحاً أن سلمان يمثل المثال الأعلى في العلم، وكل ذلك يندرج تحت العطاء الوهبي، بينما الإطلاق المطلق حصري للأئمة الأربعة عشر صلوات الله عليهم.
أوضح الشيخ أن ما جرى لموسى مع الخضر هو جزء من عملية إعداد وتنشئة ضمن المشروع المهدوي الأعظم، لأن موسى من شخصيات الرجعة العظيمة. تلا الشيخ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، مبيناً أن أيام الله هي يوم القائم ويوم الرجعة ويوم القيامة، وهناك مساران يعملان منذ نبينا آدم للتمهيد للظهور بمواجهة المسار الإبليسي المعرقل.
استعرض الشيخ آية الاستضعاف: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، موضحاً من خلال روايات معاني الأخبار أن الآية نزلت ظاهراً في المشروع الموسوي الإسرائيلي ولكنها في العمق التأويلي تتحدث عن أهل البيت صلوات الله عليهم وتجري فيهم إلى يوم القيامة مروراً بزمان الغيبة وحتى تحقق الظهور الشريف.
في ختام الحلقة، استند الشيخ إلى الخطبة التطنجية الواردة في كتاب مشارق أنوار اليقين لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، والتي تصف أحداثاً قريبة من خروج الحجة بن الحسن عليه السلام. أراد الشيخ إيصال رسالة عملية مفادها أن الصوت الذي سمعه موسى في الوادي المقدس من الشجرة يرتبط بنداء القائم وتجليات ظهوره الموعود، خاتماً حديثه بالإشارة إلى ضيق الوقت واعداً باستكمال هذه المطالب العميقة في الحلقة القادمة.

