مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 404
الحلقة ٤٠٤ – صولةُ القمر ج٢٤ – الخمسُ السُحتُ سرقةٌ مرجعيةٌ طوسيةٌ علنيةٌ قذرةٌ مُشرعنة ق٥
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم السبت 24 شهر رمضان 1444هـ الموافق 15 / 4 / 2023م
استكمالًا للحديث الذي طرحه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقة الماضية، يفتتح هذه الحلقة بالإشارة إلى أنه سيواصل من حيث انتهى في الصحيفة الثالثة التي تحمل عنوان الخمس الطيب زمن الغيبة الأولى، ليتمم بذلك تسلسل المطالب الدقيقة وصولًا إلى مناقشة التوقيع الشريف المروي عن إسحاق بن يعقوب.تتركز الفكرة العامة للحلقة حول التفريق الجوهري والمفصلي بين الخمس الطيب الذي أباحه إمام زماننا صلوات الله عليه لشيعته حرصًا على طهارة ولادتهم، وبين الخمس السحت الذي يتم استحلاله بغير وجه حق، مع تقديم مقاربة استدلالية ولغوية عميقة لمعاني التحليل والإباحة في نصوص العترة الطاهرة لتشخيص الموقف الشرعي الصحيح للموالين في عصر الغيبة الطويلة.
ينتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لمناقشة ملابسات توثيق ناقل التوقيع الشريف إسحاق بن يعقوب، مشيرًا إلى ما ذكره المحقق محمد تقي التستري في كتابه قاموس الرجال إثر عثوره على نسخة خطية من كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، والتي ورد فيها ختام التوقيع بعبارة: "والسلام عليك يا اسحاق ابن يعقوب الكليني"، مما يثبت أنه أخو الشيخ الكليني، وأن نسبته قد تعرضت للحذف في بعض النسخ لغايات التضعيف والإخفاء، وهو ما يعد دليلاً ملموسًا على وجود التحريف المتعمد وتأثيره في تضييع معالم الروايات.
يؤكد الشيخ أن تقسيمه للخمس إلى الخمس الطيب والخمس السحت ليس من ابتكاره الشخصي، بل هو مستل حرفيًا من نص التوقيع الشريف المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه، حيث وصف المتجاوزين على الحقوق بقوله: "واما المتلبسون باموالنا فمن استحل منها شيئا فاكله فانما ياكل النيران"، معتبرًا أن هذا الوصف ينطبق تمامًا على الجهات التي تتصرف في أموال الإمام تحت ذريعة مجهول المالك من غير أي دليل شرعي من كتاب أو عترة.
في المقابل، يوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مفهوم الخمس الطيب مستندًا إلى المقطع الآخر من التوقيع الشريف المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه: "واما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل الى وقت ظهور امرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث"، مبينًا أن هذه الإباحة والتحليل هما العلة المباشرة التي تضمن طهارة النسل وانتماء الموالين إلى منظومة طيب الولادة، وتنقذهم من الانزلاق في منظومة خبث الولادة.
يطرح الشيخ تفكيكًا علميًا لمفهوم التحليل الوارد في أحاديث المعصومين صلوات الله عليهم خلال عصر الحضور، مقسمًا إياه إلى تحليل دنيوي يسقط التكليف الظاهري في مقاطع زمنية محددة استجابة لظروف موضوعية تتعلق بمشروع الإمام وعمله في الواقع الشيعي، وتحليل أخروي غيبي مستمر يحفظ الشيعي من الآثار التكوينية المرتبطة بملاكات الأحكام لضمان بقائه ضمن منظومة طيب الولادة.
يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مجموعة من الروايات من كتاب وسائل الشيعة التي تؤكد طابع التحليل الأخروي، ومنها قول الإمام الباقر صلوات الله عليه: "ان امير المؤمنين حللهم من الخمس يعني الشيعه ليطيب مولدهم"، وقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: "هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحي وما يولد منهم الى يوم القيامه فهو لهم حلال اما والله لا يحل الا لمن احللنا له"، مشيرًا إلى أن هذه النصوص تركز على التزكية وتطييب المولد كآثار غيبية، وقد تترافق في بعض الأزمان مع بقاء التكليف المالي الدنيوي بدفع الخمس للإمام.
يتوقف الشيخ عند الميزة الاستثنائية التي انفرد بها التوقيع الشريف الصادر عن إمام زماننا صلوات الله عليه، وهي الجمع الدقيق بين مصطلحي الإباحة والتحليل، موضحًا أن لفظ الإباحة لم يرد في روايات التحليل المتواترة الخاصة بعهد الحضور، بل اقترن مصطلح التحليل بالغايات الأخروية كالتزكية وتطييب الولادة. بينما مصطلح الإباحة لم يرد إلا في التوقيع الشريف وفي رواية واحدة ترتبط بزمان الغيبة أوردها ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب عوالي اللآلي ونُقلت في كتاب مستدرك الوسائل عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: "بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم ونبيح لهم المتاجر ليزكوا اموالهم".
يغوص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في أسرار فقه اللغة وبيان معاريض كلام الأئمة لتوضيح الفارق بين الإباحة والتحليل عند إرجاعهما إلى مادة الاستفعال، مبينًا أن الاستباحة تمنح مساحة أوسع مدى وشمولية من الاستحلال. ولهذا جاء حكم إمام زماننا صلوات الله عليه في عصر الغيبة الكبرى بالجمع بين الإباحة المطلقة والتحليل نظرًا لامتداد زمان الغيبة وتغير ظروفها بشكل يفوق عصر الحضور الذي كان يتطلب تقييدات ظرفية دنيوية متغيرة.
يدعو الشيخ المتابعين إلى التأمل في الفوارق الشاسعة بين الفقه المستمد من لحن القول ومعاريض كلام الأئمة، وبين المناهج الدخيلة التي تبتعد عن روح العترة. ويشدد على أن فهم أحاديثهم يحتاج إلى دراية وقواعد تفهيم أصيلة أُخذت عليهم البيعة في يوم الغدير بالالتزام بها حصراً، بعيدًا عن مناهج علم الأصول المستوردة.
في ختام الحلقة، يوجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالة عملية وتنظيمية إلى الكوادر التي تنقل البث المباشر عبر الإنترنت، راجيًا منهم عدم الاحتفاظ بنسخ البث المباشر ذات الجودة المنخفضة التي قد تتخللها مطبات فنية، واستبدالها بالنسخ ذات الجودة العالية التي يتم رفعها لاحقًا على المواقع الرسمية، حرصًا على دقة نقل المعارف والبرامج ووصولها بالصورة الأنقى والأكمل للمتلقين.

