مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 408
الحلقة ٤٠٨ – صولةُ القمر ج٢٨ – الخمسُ السُحتُ سرقةٌ مرجعيةٌ طوسيةٌ علنيةٌ قذرةٌ مُشرعنة ق٩
مقدمة تعريفية عن الحلقة
تاريخ البث : يوم الأربعاء 28 شهر رمضان 1444هـ الموافق 19 / 4 / 2023م
استكمالاً لما طرحه في الحلقات السابقة من برنامج الخاتمة ضمن ملف الكتاب والعترة، واصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي حديثه في الصحيفة الرابعة المخصصة لموضوع الخمس السحت في زمن الغيبة الثانية. فبعد أن أتمّ الكلام بخصوص المرجع ابن الجنيد البغدادي، انتقل في هذه الحلقة لتسليط الضوء على مرجع آخر وهو الشيخ المفيد، كاشفاً عن حيرته وابتعاده عن أحاديث العترة الطاهرة وتأسيسه لجذور الانحراف في المؤسسة الدينية.
تمحورت الفكرة العامة للحلقة حول نقد المذهب الطوسي والمرجعية الشيعية التي أسست قناعاتها الفقهية والعقائدية على آراء استدلالية بعيدة عن نصوص الوحي. وبيّن الشيخ كيف أن هؤلاء المراجع يعيشون حيرة حقيقية في أحكام محورية كالخمس، متسترين خلف فتاوى قاطعة يطلقونها للجمهور، بينما يعتمدون في الغرف المغلقة على الاستحسانات والآراء المقتبسة من علم الكلام المعتزلي المخالف لمنهج أهل البيت صلوات الله عليهم.
انطلق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي من كتاب المقنعة، وهو الرسالة العملية للمفيد، حيث صرّح الأخير باختلاف الأصحاب في مسألة الخمس لانعدام النص الصريح لديه. واعتبر الشيخ أن هذا الموقف يسقط عن المفيد عنوان راوية الحديث الذي أمر إمام زماننا صلوات الله عليه بالرجوع إليهم، مؤكداً أن المرجع الفاقد للوضوح لا يمكنه أن يمنح الوضوح للمكلفين، وأن ادعاء غياب النص عند المفيد سببه جهله بالتوقيع الشريف الوارد في هذا الباب.
انتقل الشيخ لربط هذه الحيرة التاريخية بواقع المراجع المعاصرين، مشيراً إلى أنهم لا يعملون برسائلهم العملية بشكل دقيق، بل يكتفون بالرجوع السطحي لكتاب وسائل الشيعة عند الحاجة. وانتقد بشدة المعممين الذين يُصدرون أجوبة قاطعة للمقلدين لإخفاء التخبط الحقيقي، مؤكداً أن همّ هؤلاء المراجع الأكبر هو تلميع صورتهم أمام المخالفين، وخداع العوام الذين استسلموا لهم.
وحول الأوصاف والمدائح التي نالها المفيد في التوقيعات، أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن أي مديح يصدر من المعصوم لغير النبي الأعظم صلى الله عليه وآله هو مديح نسبي. فالإشادة بالمفيد جاءت نسبية مقارنة بشخصيات أكثر انحرافاً كابن الجنيد، ولتثبيت موقفه بعد أن تراجع قليلاً عن أفكاره، رغم بقاء تأثير الثقافة الاعتزالية جلياً في مؤلفاته، تماماً كما تظهر الانحرافات العميقة في كتب بعض مراجع العصر.
استعرض الشيخ أمثلة صارخة على جهل المفيد بأحاديث العترة، منها هجومه المباشر في كتاب تصحيح الاعتقاد على كتاب سليم بن قيس ووصفه له بالتخليط. وردّ عليه بما نقله عن الإمام السجاد عليه السلام: صدق سليم رحمه الله هذا حديثنا كله نعرفه، وما نقله عن الإمام الصادق عليه السلام: من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من امرنا شيء ولا يعلم من اسبابنا شيئا وهو ابجد الشيعه وسر من اسرار ال محمد عليهم السلام.
كما أشار الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى استهزاء المفيد والنجاشي بـ جابر بن يزيد الجعفي وتفسيره العظيم المتعلق بـ عقيدة الرجعة. وبيّن أن الأئمة صلوات الله عليهم جعلوا جابراً نقطة دالة لمعرفة الحق، في حين أن المذهب الطوسي تبنى تضعيفه وإنكار أحاديثه، مما يعد حرباً صريحة على أسرار آل محمد، وهي الجريمة الكبرى لهذا المذهب التي تفوق في بشاعتها سرقة الخمس أو غيرها من الانحرافات.
في المحور العقائدي، تتبع الشيخ ضلالات المفيد في كتابه تصحيح الاعتقاد، حيث قصر كمال وعصمة الأئمة على فترة استلامهم للإمامة والنبوة فقط، مع التوقف فيما قبلها قياساً بعيسى ويحيى. واعتبر الشيخ هذا الرأي جهلاً تاماً بمضامين الزيارة الجامعة الكبيرة، واصفاً إياه بأنه تفكير متأثر بالمعتزلة يقلل من مقامات العترة الطاهرة ويجعلها في منزلة تقارب عقائد المخالفين في السقيفة.
تطرق الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي كذلك إلى تشكيك المفيد في مقتل جميع الأئمة بالسم، وادعائه أن الإخبار بذلك مجرد إرجاف. وفنّد الشيخ هذا القول مستنداً إلى قوله تعالى: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}، موضحاً أن الإرجاف يكون من المنافقين المثيرين للفتنة، وليس من الشيعة الناقلين لمظلومية أئمتهم.
واصل الشيخ كشف الخلل المنهجي بنقاش رسالة المسائل العُكبرية للمفيد، التي أنكر فيها علم الإمام بالأعيان والتفاصيل، كعلمه بمقتله والوقت والزمان. وبيّن أن المفيد أسس لجهل الإمام بما يجري، مصادماً بذلك إجماع الشيعة والقرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وفق قراءة الوصل المعتمدة عند العترة الطاهرة التي تثبت العلم الشامل للإمام.
لتعزيز موقفه، أورد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي وصية ابن طاووس لولده في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة، والتي حذره فيها من علم الكلام وما يحمله من شبهات. واستشهد الشيخ برواية الإمام الصادق صلوات الله عليه في وصف المقصرين: ان الناصبه اعداؤكم ... واما المقصره فهم اعداؤنا، مؤكداً أن ابن طاووس نبّه بوضوح إلى خطورة منهج المفيد والمرتضى ومخالفتهما لمنهج رب الأرباب.
في الخلاصة، وجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي نداءً عملياً ودعوة صريحة للوعي والاستيقاظ. وطالب العوام بضرورة التفكير الحر، ونفض غبار العقائد المنحرفة التي كرسها المذهب الطوسي على عقولهم لقرون، مؤكداً أن الانعتاق من هذه الحيرة المظلمة لا يكون إلا بالعودة الصادقة لنصوص القرآن المُفَهَّمة بحديث العترة، والابتعاد عن مراجع أسسوا دينهم على الكذب وتجهيل الأمة وتشويه أحاديث آل محمد صلوات الله عليهم.

