جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 422
تاريخ البث : يوم الأربعاء 12 شوّال 1444هـ الموافق 3 / 5 / 2023م
استكمالًا لما تم عرضه في الحلقة الماضية من برنامج الخاتمة في الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة، والتي تناول فيها الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي جهتين رئيسيتين: أولاهما إيجاز أهم الحوادث والوقائع التاريخية المفصلية التي شكلت منعطفاً لمن يقولون بأنهم من أمة محمد صلى الله عليه وآله، وثانيتهما دراسة تاريخية لنشأة ما يُسمى بـعلم أصول الفقه عند أتباع سقيفة بني ساعدة ابتداءً من عهد الشافعي وحتى ذروته المتمثلة في كتاب مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل لـابن الحاجب الكردي المالكي؛ يأتي حديث الشيخ في هذه الحلقة ليتمم هذا المسار التاريخي بالانتقال إلى تشريح تاريخ هذا العلم وتطوره في الأوساط الشيعية.
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول إثبات أن علم أصول الفقه المعمول به في الحوزات الشيعية ليس له أي صلة بـدين العترة الطاهرة، بل هو مادة أجنبية بالكامل جرى استيرادها واقتباسها من الفكر المعتزلي والأشعري لتكون الأداة والمحرك الأساسي في صناعة الدين المزيف الذي يحرف الأمة عن الحقائق العقائدية والوصايا المعرفية لـأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، مستعرضاً الشيخ التسلسل التاريخي للمصنفات الأصولية عند الشيعة ابتداءً من الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا لبيان حجم التغلغل والتبعية في المناهج والآراء لتلك المدارس المخالفة.
يبسط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي القول مؤكداً أنه طوال عصر الحضور الممتد من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وحتى شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة مائتين وستين للهجرة، ومن ثم فترة الغيبة الأولى الممتدة إلى النصف من شعبان سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين للهجرة، لم يكن لـعلم أصول الفقه أي عين ولا أثر في الأوساط الشيعية، لأن المنهج الذي وضعه الأئمة يختلف بنسبة مائة بالمائة عن منهج السقيفة، فالأئمة صلوات الله عليهم هم من أصّلوا الأصول المعرفية الحقيقية وأمروا شيعتهم بالتفريع عليها طبقاً للقاعدة الكلية: "إِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْقِيَ إِلَيْكُمُ الأُصُولَ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُفَرِّعُوا"، ومن ثم فإن القول بأن أصحاب الأئمة صنفوا في علم الأصول هو محض ادعاء وتزييف لا برهان عليه، والكتب المدعاة لم يرها أحد ولم يثبت وجودها.
ينتقل الشيخ إلى فحص بواكير هذا العلم عند الشيعة، مشيراً إلى أن أقدم نص رسمي مصنف بين أيدينا هو رسالة التذكرة بأصول الفقه لـالشيخ المفيد المتوفى سنة أربعمائة وثلاث عشرة للهجرة، واصفاً إياها بالرسالة الهزيلة التي لا تتجاوز تسع عشرة صفحة في طبعاتها الحديثة ولا تستحق النشر لركاكة أفكارها وارتباكها، مبيناً أن الشيخ المفيد كان متأثراً بالفكر الاعتزالي بتمام معنى الكلمة، ومعاصراً لزعماء المعتزلة كـالقاضي عبد الجبار صاحب كتاب العمد وأبي الحسين البصري صاحب كتاب المعتمد في أصول الفقه، فاقتبس أصوله منهما وصاغها بأسلوب مباين لمنهج العترة ومخالف لآرائهم.
يسرد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أمثلة عينية تفضح مخالفة رسالة المفيد لقواعد العترة الطاهرة؛ ففي مبحث ظاهر القرآن وباطنه، استشهد المفيد بآية سورة يونس: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} على الظاهر المطلق، وزعم في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} أن المراد باطن اللفظ وليس ظاهره لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء والزكاة هي النمو، وهو ما رآه الشيخ هراءً تاماً وتفسيراً معتزلياً بائساً إذ لا ينفك الظاهر عن الباطن أبداً في مدرسة العترة، كما انتقد جزم المفيد بأن خطاب "يا أيها الذين آمنوا" لا يشمل النساء إلا بدليل، مؤكداً أن هذا مباين للمنهج التفسيري الحق لأهل البيت صلوات الله عليهم الذي يشمل النساء والرجال معاً، فضلاً عن رفض المفيد لنسخ السنة للكتاب وجواز ذلك في أحاديث النبي الأعظم دون أحاديث الأئمة صلوات الله عليهم، وهو ما يعكس عدم فقهه بمقاماتهم وفقههم الموحد.
ويأتي الدور التاريخي على كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة لـالشريف المرتضى المتوفى سنة أربعمائة وست وثلاثين للهجرة، تلميذ الشيخ المفيد وخليفته في المرجعية ونقابة الأشراف ببغداد، حيث يوضح الشيخ أن هذا المصنف الشيعي الثاني في علم الأصول ليس سوى تكرار وتقليد بائس لما سطرته أيدي علماء المعتزلة والأشاعرة المتوفرة كتبهم بكثرة في مكتبته آنذاك كـالرسالة للشافعي، والتقريب والإرشاد لأبي بكر الباقلاني، والعمد للقاضي عبد الجبار، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري، وهو تقليد مشحون بالآراء والمباني الاعتزالية والأشعرية البعيدة كل البعد عن معارف آل محمد المعصومين.
ثم يقف الشيخ عند شخصية الشيخ الطوسي المتوفى سنة أربعمائة وستين للهجرة، تلميذ المفيد والمرتضى ومؤسس الحوزة في النجف سنة أربعمائة وثمان وأربعين للهجرة، مستعرضاً كتابه العدة في أصول الفقه الذي يعد بمثابة كتاب الرسالة للشافعي عند الطوسيين؛ حيث يقر الطوسي في مقدمة كتابه بوضوح بعدم وجود أي مصنف شيعي متكامل قبله يستوفي مطالب علم الأصول، مقللاً من قيمة رسالة أستاذه المفيد التي شذت عنها أبواب كثيرة، ومعتبراً أن أمالي أستاذه المرتضى لم تكن مرجعاً كافياً يستند إليه، مما دفعه للتأليف تلبية لرغبة السائلين وصياغة هذا العلم وفق مسار يتطابق مع الاهتمام العباسي وأسس علم الكلام المعتزلي والأشعري الذي يتخذ الفتاوى والظنون بديلاً عن المعارف والعقائد الإلهية.
ويكشف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي عن حقائق رقمية صادمة من فهارس الأعلام لكتابي الذريعة والعدة؛ ففي كتاب الذريعة للشريف المرتضى، تكرر ذكر أئمة المعتزلة والأشاعرة كـأبي علي الجبائي وأبي هاشم الجبائي والشافعي والنظام ثمانياً وأربعين مرة، بينما لم يُذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه سوى سبع عشرة مرة دون ذكر بقية الأئمة، وفي كتاب العدة للشيخ الطوسي، ذُكر المعصومون صلوات الله عليهم تسعاً وعشرين مرة فقط (أمير المؤمنين أربعاً وعشرين مرة، والإمام الصادق أربعاً، والإمام الباقر مرة واحدة)، بينما حظي أتباع السقيفة كـأبي حنيفة والشافعي وعمر بن الخطاب وعبدالله بن عمر وعبدالله بن مسعود بثمان وسبعين مرة في فهارس الكتاب، وهو ما يؤكد بالأدلة الحسابية القاطعة أن مادة هذا العلم ومصادر تفكيره مستوردة بالكامل من خارج مدرسة العترة الطاهرة.
يشير الشيخ إلى مرحلة الركود والجمود الطويل التي تلت عهد الشيخ الطوسي، حيث تزعم الشيعة من عُرفوا بالمرجعية الوراثية الضعيفة حتى برز نجم المحقق الحلي المتوفى سنة ستمائة وست وسبعين للهجرة، صاحب كتابي شرائع الإسلام ومعارج الأصول في علم الأصول، واصفاً إياه بأنه المنقذ وباعث الروح والشرعية الثانية في جسد المذهب الطوسي بعد أن تراجع نفوذه بفعل تلمذة الخلف لنهج الطوسي الوراثي دون تجديد، مبيناً أن كتاب معارج الأصول جاء في أسلوبه وعرضه ومضامينه أقرب ما يكون إلى المناهج الاعتزلية، حاملاً نفس البنية المنهجية التي تؤسس وتشرع لأحكام وقواعد بعيدة عن المعالجة النصية المباشرة لروايات أهل البيت صلوات الله عليهم.
ويتوقف الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ملياً عند أهم التحولات العقائدية والفقهية الخطيرة التي قادها المحقق الحلي، والمتمثلة في التأسيس لـمنظومة الاجتهاد وشرعنة هذا المصطلح الذي كان مذموماً وملعوناً صراحة في ثقافة العترة الطاهرة، ومحارَباً من قِبل المتقدمين كالمفيد والمرتضى والطوسي لكونه مرادفاً للقياس والرأي والاستحسان، غير أن المحقق الحلي أجرى تحريفاً في المضمون مستعيرًا تعريفات السقيفة ليقول أن الاجتهاد هو: "بَذْلُ الجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ"، مستثنياً القياس ليدخل الإمامية في زمرة المجتهدين، مبرراً ذلك بالحاجة لسد ثغرة غياب الاتصال المباشر بـإمام زماننا صلوات الله عليه بعد تأسيس بدعة نيابة الفقهاء العامة وتخويلهم بإصدار الفتاوى القائمة على الظن والاعتبارات النظرية والشخصية البديلة عن النص المعصوم.
وينتقل الشيخ إلى دراسة دور تلميذ وابن أخت المحقق الحلي، وهو العلامة الحلي المتوفى سنة سبعمائة وست وعشرين للهجرة، معتبراً إياه المؤسس الحقيقي الثاني للمذهب الطوسي وباني أركانه الشامخة الذي لولاه لاندثر هذا المذهب، وحمّله الشيخ المسؤولية التاريخية عن انحراف الأجيال وتبني المنهج الطوسي العباسي الهجين، مستعرضاً التقسيم الحوزوي للعلماء إلى المتقدمين (الذين ينتهون بالمحقق الحلي) والمتأخرين (الذين يبدأون من العلامة الحلي)، مشيراً إلى أن العلامة الحلي كتب مؤلفات عديدة في علم الأصول لولده فخر المحققين وللحوزة ككتاب نهاية الوصول إلى علم الأصول الذي حاول فيه جمع كل نكات المتقدمين من الأشاعرة والمعتزلة وتلخيص آرائهم، كشرحه لـمختصر ابن الحاجب، مبرهناً على تأثره العقائدي والأصولي بـأبي الحسين البصري المعتزلي الذي أخذ منه العلامة لبّ عقيدة التوحيد المدونة في كتابه التجريد المدرس في الحوزات اليوم.
ويبرز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الكارثة الكبرى من خلال تقديم إحصائية تفصيلية للأعلام المذكورين في الجزء الخامس من كتاب نهاية الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحلي؛ إذ بلغ مجموع ذكر أئمة المذاهب وعلماء السقيفة من الأشاعرة والمعتزلة سبعمائة وستاً وتسعين مرة، يتصدرهم إمامه المفضل أبو الحسين البصري بمائة وثلاث وأربعين مرة، والشافعي بمائة مرة، والقاضي عبد الجبار بسبع وسبعين مرة، وأبو بكر الباقلاني بثمان وستين مرة، وعمر بن الخطاب بثلاث وستين مرة، بينما لم يُذكر مجموع أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين سوى ستين مرة فقط (أمير المؤمنين خمسون مرة، وفاطمة صلوات الله عليها أربع مرات، والإمام الحسن ثلاثاً، والإمام الحسين مرتين، والإمام الصادق مرة واحدة)، وهو الدليل المحسوس على استبدال الدين الإلهي النقي بدين وضعي هجين مأخوذ من عقول المخالفين وأهوائهم.
وفي ختام المحاضرة، يؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على رسالته العملية الواضحة الداعية إلى التبرؤ المطلق من مذهب النجف وكربلاء الطوسي المشيد على تخرصات الفكر العباسي والاجتهاد المذموم، ويدعو طلاب الحقيقة من الشيعة إلى التمييز الصارم بين هذا الركام من الأقاويل والآراء البشرية الظنية، وبين دين العترة الطاهرة النقي والواضح والصافي الذي أسسه ورعاه المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين والمنبثق مباشرة من ولاية ومعرفة الحجة بن الحسن عليه السلام، واعداً بمواصلة تفكيك هذا الدين المزيف وبيان تفاصيل المنهج القويم لأهل بيت النبوة في الحلقات القادمة ليكون درعاً للمؤمنين في مواجهة التدليس الحوزوي الحاصل.