جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 423
تاريخ البث : يوم الخميس 13 شوّال 1444هـ الموافق 4 / 5 / 2023م
تأتي هذه الحلقة لتكون استكمالاً وتتمة لما أسسه وعرضه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في الحلقتين السابقتين تحت عنوان "صناعة الدين المزيف عبر الثالوث المنجس: المرجع، التقليد، الخمس"، حيث تمثل هذه الحلقة الجزء الثالث من هذا البحث العقائدي المهم. ويستحضر الشيخ ما سلف في الجزء الأول الذي خصصه لتتبع تاريخ علم أصول الفقه في أجواء أبناء العامة (أتباع سقيفة بني ساعدة) وكيف بلغ ذروته في كتاب "مختصر ابن الحاجب" ، وما عرضه في الجزء الثاني حول تسلسل هذا العلم في الأوساط الشيعية (أتباع سقيفة بني طوسي) منذ رسالة المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي وصولاً إلى العلامة الحلي وكتابه "نهاية الوصول إلى علم الأصول".
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول كشف الهيمنة المطلقة لكتاب "مختصر ابن الحاجب" (المسمى "مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل") على الفكر الأصولي الشيعي الحوزوي، عاداً إياه الذروة الأصولية المشتركة التي تقتات عليها القواعد الاستنباطية لدى الطرفين. ويؤكد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن علم أصول الفقه بمادته وطينته ليس له أي صلة بالعترة الطاهرة صلوات الله عليهم، بل هو نتاج مستورد بالكامل من الأوعية والعيون الكدرة لأتباع السقيفة الأولى، جُلب خصيصاً ليكون أداة شيطانية تهدف إلى صناعة دين مزيف ودين بديل يزاحم الدين الحق المأخوذ عن الثقلين.
يستهل الشيخ عَرْضَ شواهده بالوقوف عند كتاب "غاية الوصول وإيضاح السبل في شرح مختصر منتهى السؤل والأمل" للعلامة الحلي، وهو الشرح الشيعي الحوزوي المعتمد لكتاب "مختصر ابن الحاجب" المالكي. ويتلو الشيخ مقدمة العلامة الحلي التي تطفح بعبارات الإعظام والتقديس لكتاب ابن الحاجب السقيفي، واصفاً إياه بأنه "قد احتوى من المسائل الشريفة والمباحث اللطيفة والإيرادات اللائحة والاجوبة الواضحة ما لم يوجد في المبسوطات ولم يسطر في كثير من المطولات". ويعلق الشيخ عبدالحليم الغزي بحسرة على هذا التناقض الصارخ؛ إذ بينما يُغدق مراجع الشيعة مثل هذا الثناء والتعظيم والوصف بـ "المباحث اللطيفة" و"المسائل الشريفة" على كتب أصول العامة المصنوعة بجهد الشيطان، تجدهم يزهدون في نصوص العترة الطاهرة ويصفون أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم بالضعيفة والمنكرة والمكذوبة.
وينتقل الشيخ لقراءة ترجمة العلامة الحلي في كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" للمؤرخ السني ابن حجر العسقلاني، حيث يصف الأخير العلامة الحلي بـ"الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي المعتزلي جمال الدين الشيعي". ويعقب الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بأن هذا الوصف دقيق جداً وعميق في تشخيصه لواقع المذهب الطوسي؛ فالقوم شيعة بأجسادهم في الفروع والولاء العاطفي، لكنهم معتزلة وأشاعرة بأرواحهم وعقولهم ومنهجهم الأصولي. ويوضح أن هذا التماهي يفسر سر عشقهم لرموز العامة كالفخر الرازي، والثناء السني العاطر على شرح العلامة الحلي لمختصر ابن الحاجب ووصفهم له بأنه في غاية الحسن في حل الألفاظ وتقريب المعاني، لكونه يوافق المذاق الأصولي السقيفي تمام الموافقة.
ولبيان مدى تغلغل القواعد السقيفية في مفاصل الحوزات الشيعية عبر القرون، يستعرض الشيخ ما سطره الشيخ آغا بزرگ الطهراني في موسوعته الشهيرة "الذريعة إلى تصانيف الشيعة". ويكشف الشيخ عن وجود أربعة وعشرين مصنفاً وحاشية وشرحاً سطرها كبار مراجع الشيعة وأساطين الحوزة الطوسية على "مختصر ابن الحاجب" وحاشيته المعروفة بـ"الشرح العضدي" لعضد الدين الإيجي. ويعدد الشيخ كوكبة من أصحاب هذه الحواشي والشروح ومنهم: الميرزا أبو القاسم القمي (صاحب كتاب القوانين)، والمقدس الأردبيلي، والمير داماد، والشيخ البهائي، والأغا جمال الدين الخوانساري، وسلطان العلماء، والمولى صالح المازندراني، والميرزا عبد الله الأفندي، والقاضي نور الله المرعشي. ويؤكد الشيخ أن هذا الاهتمام الهائل يثبت أن الحوزة كانت عاكفة على دراسة هذا الكتاب السقيفي وتدريسه والاعتماد عليه كركيزة أساسية في استنباط أحكام الدين وتحديد شروط الاجتهاد.
ثم يعضد الشيخ هذه الحقيقة التاريخية بالرجوع إلى كتاب "روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات" للخوانساري، وتحديداً في ترجمة السيد محمد بن علي الموسوي العاملي المعروف بـ"صاحب المدارك". ويسرد تفاصيل رحلة صاحب المدارك التاريخية رفقة خاله الشيخ حسن (ابن الشهيد الثاني) إلى العراق لطلب العلم عند الشيخ أحمد الأردبيلي المعروف بـ"المقدس الأردبيلي". ويوضح النص التاريخي أن الدرس الأصولي المركزي الذي انعقد بين المقدس الأردبيلي وتلامذته وأداروا عليه بحوثهم طوال مدة إقامتهم كان في كتاب "شرح المختصر العضدي"، مما يقطع الشك باليقين بأن أساطين الطائفة كانوا يتربون أصولياً وعلمياً على كتب المعتزلة والأشاعرة، مبهورين بفصاحتها ودقتها ومقدمين إياها على تراث آل محمد صلوات الله عليهم.
ويتطرق الشيخ عبدالحليم الغزي إلى كتاب "معالم الدين وملاذ المجتهدين" الذي صنفه الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، كاشفاً عن خلفيات تأليفه حيث أراد المصنف أن يضعه كبديل شيعي يغني عن تدريس كتاب "مختصر ابن الحاجب" في الحوزة الطوسية. ويبين الشيخ أن هذه المحاولة باءت بالفشل ولم تكن سوى "تقليد بائس" لمختصر ابن الحاجب؛ إذ اقتبس المصنف منه الأسلوب ذاته والتقاسيم والتعاريف والتشقيقات نفسها، ولم ينجح في الارتقاء إلى مستواه وعمقه الأصولي. ونتيجة لهذا العجز، ظل كتاب معالم الدين يدرس لعامة طلاب الحوزة، بينما يحتفظ العلماء والخواص بتدريس كتاب ابن الحاجب لأبنائهم ليميزوهم بالدقة والعمق الأصولي المستورد من السقيفة.
ويواصل الشيخ تتبع المسار التاريخي لعلم الأصول، مشيراً إلى فترة هيمنة المدرسة الإخبارية التي ترفض علم أصول الفقه وتسببت في ضموره، حتى انطوت صفحتها بوفاة الشيخ يوسف البحراني وتسيّد الوحيد البهبهاني الذي أعاد فرض سلطة المدرسة الأصولية بقوة وسلطان في الحوزة الشيعية. ويرصد الشيخ قائمة من المدونات الأصولية التي ولدت في مناخ هذه الهيمنة، مثل "قوانين الأصول في معرفة الفروع" للميرزا القمي، و"مفاتيح الأصول" للسيد محمد المجاهد، و"هداية المسترشدين" لمحمد تقي الأصفهاني، و"الفصول الغروية في الأصول الفقهية" لأخيه محمد حسين الأصفهاني. ويعرج الشيخ هنا على الطرفة الحوزوية التي تعكس التنافس والتحاسد بين الأخوين، حين سئل محمد تقي عن كتاب أخيه الفصول فقال بسخرية: "هذا كتاب لا نقص فيه وتنقصه نقطة واحدة"، قاصداً وضع نقطة فوق الصاد ليتحول من الفصول إلى الفضول، ويعقب الشيخ جازماً بأن علم الأصول الشيطاني بمجمله لغو و"فضول" لا قيمة له ولا ثمرة ترجى منه.
وفي سياق تشريح ركائز المنظومة المعاصرة، يشير الشيخ إلى أهم الكتب المعتمدة في السطوح العالية للدرس الحوزوي، وفي مقدمتها كتاب "فرائد الأصول" (المعروف بالرسائل) للشيخ مرتضى الأنصاري، وكتاب "كفاية الأصول" للأخوند الخراساني الذي يعد المتن الأرقى المعتمد في بحوث الخارج بالنجف وكربلاء. ثم ينتقل إلى كتب المتأخرين كـ "أصول الفقه" للشيخ محمد رضا المظفر، و"دروس في علم الأصول" (الحلقات) للسيد محمد باقر الصدر. ويشبه الشيخ الصنيع الأصولي للمظفر والصدر بمن يعمد إلى أرض خربة متعفنة فيعيد بناء جدرانها وتزيينها بالمواد والتراب المتعفن نفسه دون إزالة أصل العفن؛ فالكتب الحديثة لم تصحح شيئاً من المنهج السقيفي الناصبي بل أعادت تبويبه وصياغته بعبارات برّاقة زادت من مسافة الابتعاد والانسلاخ عن ثقافة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم.
ويقدم الشيخ عبدالحليم الغزي تطبيقاً عملياً صارخاً يوضح كيف يتآمر العقل الأصولي والرجال على نصوص الوحيين لتطويعها لقواعد السقيفة، مستخرجاً ذلك من كتاب "فرائد الأصول" للشيخ مرتضى الأنصاري. حيث ينقل الأنصاري توقيعاً شريفاً لـإمام زماننا صلوات الله عليه مروياً في كتاب "الاحتجاج" للطبرسي عن الحميري، يستفسر فيه الحميري عن وجوب التكبير عند القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة. وكان جواب إمام زماننا صلوات الله عليه: "فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ حَالٍ إِلَى أُخْرَى فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ وَكَبَّرَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ بَعْدَ الْقُعُودِ تَكْبِيرٌ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، وَبِأَيِّهِمَا أَخَذْتَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ كَانَ صَوَاباً". ويعلق الشيخ بأن الإمام يؤسس هنا لـقاعدة التخيير من باب التسليم العظيمة التي تحل الاختلاف وتغني الشيعة كلياً عن قذارة علم الرجال وعلم أصول الفقه. غير أن الشيخ الأنصاري يرد على حكم الإمام صلوات الله عليه بقواعد التعارض السقيفية، مدعياً بافتراء وتخرص غريب أن الإمام نقل الحديث الأول بالمعنى ولم يورده بالدقة، وذلك لمجرد أن حكم الإمام بالتسليم والتخيير لا يتوافق مع القوانين الأصولية الناصبية التي تفرض تخصيص العام بالمطلق وحمل الروايات على القواعد المبتدعة.
وينتقل الشيخ بعد ذلك لتعرية كتاب "كفاية الأصول" للأخوند الخراساني، كاشفاً كذب ادعاءات الاستقلالية المعرفية لعلماء الطائفة. ويشير الشيخ إلى قيام محققي مؤسسة آل البيت في قم المشرفة بتشخيص الموارد والصفحات التي نقل فيها صاحب الكفاية عن كتاب "مختصر ابن الحاجب" دون أن يجرؤ على التصريح باسمه في المتن، محاولاً طمس معالم سرقته واستيراده المباشر. ويسرد الشيخ أرقام الصفحات والسطور التي أحصتها لجان التحقيق وثبت فيها استنساخ الأخوند لكلام ابن الحاجب ومنها الصفحات: ثلاث وعشرون، وسبع وسبعون، ومائة وسبع وثلاثون، ومائة وثمان وستون، ومائة وأربع وسبعون وغيرها. ويؤكد الشيخ أن انتشار مباحث ابن الحاجب من الصفحة الأولى للكفاية حتى صفحتها الأخيرة يثبت بالدليل القاطع أن كفاية الأخوند هي "كفاية الشيطان" التي صيغت على موائد السقيفة لتغذية عقول طلاب الحوزة.
يختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي محاضرته بدعوة شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم إلى احترام عقولهم والالتفات للحقائق والوثائق الدامغة الماثلة في طوايا كتب علمائهم ومراجعهم. والرسالة العملية الفاصلة تكمن في وجوب الكفر التام بـمذهب السقيفة الطوسية وبأدواته وقواعده الأصولية ورجاله المبتدعة التي تسببت في إيجاد دين مزيف يزاحم الحقائق الربانية لعترتنا الطاهرة. والبديل الخالص الذي يتوجب على المؤمنين اللجوء إليه وبثبات هو التسليم والائتمام العقدي الكامل والمعرفي بـإمام زماننا صلوات الله عليه، والارتواء من الثقافة الحقيقية والأحاديث الشريفة الصافية للعترة الطاهرة صلوات الله عليهم، بعيداً عن كذب وخداع المرجع والتقليد والخمس اللذين أفسدا عقائد الناس ودينهم.