جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 428
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 18 شوّال 1444هـ الموافق 9 / 5 / 2023م
تأتي هذه الحلقة، وهي الحلقة 428 من برنامج "الخاتمة" والجزء الرابع من ملف "الكتاب والعترة"، بصلة استكمال وتتمة مباشرة للحلقة المتقدمة ضمن المحور العريض المَعنون بـ "صناعة الدين المزيف عبر الثالوث المنجس: المرجع والتقليد والخمس" في جزئه الثامن؛ حيث يواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مناقشة الصورة الثانية من أجواء حوزة النجف المتعلقة بدرس الخارج لـ هادي الراضي بصفته الأستاذ الأول لعلم أصول الفقه هناك، للوقوف على كيفية تأسيس المنظومة الأصولية لأحكام وتصورات تبتعد عن واقع الدين المعصومي.
تتمحور الفكرة العامة للحلقة حول كشف زيف ما يُسمى بالمؤسسة الأصولية والدين البديل الذي يتولى علم أصول الفقه صناعته في الحوزة النجفية الطوسية؛ إذ يسعى الشيخ إلى إثبات أن الأحكام الصادرة عن هذه المنظومة الأصولية—سواء صُنفت أحكاماً واقعية أو أحكاماً ظاهرية—لا تعبر عن الواقع المعصومي الثابت في دين محمد وآل محمد صلوات الله عليهم، بل هي نتاج واقع افتراضي ذهني ينشئه المجتهد بنفسه باستمداد القواعد والأساليب الفكرية من المدارس المقابلة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
استعرض الشيخ التقسيم الأصولي الشائع للأحكام الشرعية كما لخصه هادي الراضي في درسه المتقدم، وكما هو مدون في الكتب الدراسية الحوزوية؛ حيث تنقسم الأحكام إلى أحكام واقعية تُستنبط عبر الأمارات أو ما يُسمى بـ الأدلة الاجتهادية، وأحكام ظاهرية تُستخرج عبر الأصول العملية الأربعة أو ما يُسمى بـ الأدلة الفقاهتية، وهي أصل البراءة، وأصل الاحتياط، وأصل الاستصحاب، وأصل التخيير؛ موضحاً أن الأصوليين وسعوا هذه الأصول العملية إلى حد بعيد ليصنعوا منها مساحة إفتاء واسعة تخرج عن فهم وضوابط حديث العترة الطاهرة.
فكك الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المفهوم الأصولي لـ الحكم الواقعي، مستشهداً بما ورد في الصفحة الأولى من كتاب أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر؛ وبيّن أن المراد بـ الحكم الواقعي في العلم الأصولي ليس الثبوت في الواقع الإلهي المعصومي الشريف، وإنما هو الحكم الثابت للشيء بعنوانه الأولي في دائرة الواقع الافتراضي الذي يصنعه علم الأصول نفسه، مؤكداً أن هذا الانفصال عن الواقع المعصومي جعل العملية الاجتهادية قائمة على منطق السقيفة الذي يقرر أن المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، مما يمنح الشرعية لأحكام واجتهادات قد تكون منافية تماماً لواقع الشريعة المقدسة.
ناقش الشيخ المبررات التي يسوقها الأصوليون لتسويق علم الأصول، متمثلة بكلام السيد محمد باقر الصدر في كتابه دروس في علم الأصول ضمن بحث التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي، والذي أرجع نشوء علم الأصول إلى تاريخية الحاجة والاتساع التدريجي لـ الفجوات والغموض بـ البُعد الزمني عن عصر النص؛ فرد الشيخ بأن هذه الفجوات اصطنعها الأصوليون بأنفسهم عندما هجروا أحاديث أهل البيت عليهم السلام والضرورات العقائدية، وأكد أن منهج العترة الطاهرة قائم على اتصال التسديد والرعاية من إمام زماننا صلوات الله عليه، واستشهد بقول الإمام الصادق صلوات الله عليه: «فَإِنَّا لَا نَعُدُّ الْفَقِيهَ مِنْهُمْ فَقِيهًا حَتَّى يَكُونَ مُحَدَّثًا، فَقِيلَ: أَوَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُحَدَّثًا؟ قَالَ: يَكُونُ مُفَهَّمًا وَالْمُفَهَّمُ مُحَدَّثٌ».
سلّط الشيخ الضوء على الجذور التاريخية لهذا التحول الأصولي في الواقع الشيعي بالعودة إلى نص كلام الشيخ الطوسي في مقدمة كتابه المبسوط في فقه الإمامية؛ حيث أقر الشيخ الطوسي بتوق نفسه وشوقه القديم لتصنيف كتاب يتبع منهج المخالفين في التفريع والتشقيق الأصولي، وعلل تأخره بسوء رغبة الطائفة الشيعية وترك عنايتهم بهذا المسلك لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ؛ وبيّن الشيخ الغزي أن انتقالة الشيخ الطوسي إلى النجف كانت بهدف تأسيس هذا الواقع الجديد وتغريب الشيعة عن واقع الروايات الشريفة والألفاظ المعصومية الصريحة.
وازن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بين هذا التشتت الأصولي وبين المضمون العقائدي الثابت في النصوص الشريفة الصادرة عن إمام زماننا صلوات الله عليه، كما في زيارة آل ياسين: «فَالْحَقُّ مَا رَضِيتُمُوهُ، وَالْبَاطِلُ مَا سَخِطْتُمُوهُ، وَالْمَعْرُوفُ مَا أَمَرْتُمْ بِهِ، وَالْمُنْكَرُ مَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ»؛ مشيراً إلى أن الحق والمعروف ثابتان ومحددان في الواقع المعصومي ولا وجود لواقعين أو أحكام ظنية بديلة، وقارن بين المسلك الأصولي القائم على جعل أصول واقتطاع أحكام من بنات الأفكار وبين المنطق الإبليسي الذي استند إلى القياس والترتيب العقلي الذاتي ليرفض الامتثال لأمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام.
وجه الشيخ لفتة ونقداً لغوياً واصطلاحياً موثقاً لـ هادي الراضي، موضحاً أنه أخطأ في نطق المصطلح المحوري في علم الأصول بلفظ الإِمَارَة بكسر الهمزة بدلاً من فتحها الأَمَارَة أكثر من ثلاث وعشرين مرة خلال مقطع مقتطع لم تتجاوز مدته عشرين دقيقة؛ واعتبر الشيخ أن هذا السهو اللفظي لدى الأستاذ الأول لأصول الفقه يمثل رمزية حية لانسلاب الدقة والتخبط وغلبة الجهل الأصولي، موجهاً له ولعلماء الأصول نصيحة صادقة بضرورة مراجعة أنفسهم والعودة إلى دين العترة ونبذ هذه القواعد المصطنعة.
عقد الشيخ جولة قرآنية شاملة استعرض فيها عشرات الآيات الشريفة الدالة على بطلان العمل بـ الظن وإلغاء حجية الظنون بجميع درجاتها في الشريعة، منها قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}، وقوله سبحانه: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ}؛ وكذا ما ورد في سورة يونس: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}، وفي سورة النجم: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ}؛ مشدداً على أن القول بإسباغ الشارع للحجية على الظن الأصولي هو افتراء وشبهة تُعارض صريح كتاب الله.
أكد الشيخ من خلال الآيات القرآنيّة المحكمة أن الشارع المقدس جعل العلم والنور والوحي وحده المتبع، وجعل كل ما خالف العلم من الظنون والاحتمالات داخلة في نطاق الأهواء المذمومة؛ مستشهداً بقوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}، وقوله عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي}، وقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ موضحاً أن نهج رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم يرفض بناء الأحكام الشرعية أو المعارف الدينية على ظنون وافتراضات علم الأصول.
ختم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة ببيان الرسالة العملية والواجب التكليفي للمؤمنين، مستلهماً النهج القرآني في قوله تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، وقوله سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: {فَمَن تَبَعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}؛ داعياً المتابعين إلى إعمال عقولهم والتدقيق الواعي وعدم اتباع الأشخاص أو الانجرار خلف الأشخاص مهما علت عناوينهم، بل البحث الحثيث عن الحق والتمسك حصراً بـ الواقع العلمي المعصومي المتمثل في القرآن الكريم المفسر بتفسير أهل البيت وحديث العترة الطاهرة المفهم بقواعد تفهيمهم، والترهيب من الوقوع في نهي الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسَّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.