جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 429
تاريخ البث : يوم الأربعاء 19 شوّال 1444هـ الموافق 10 / 5 / 2023م
يبتدر الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذه الحلقة موضحًا صلتها بما سبقها من حلقات برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة)، إذ يشير إلى إتمام الحديث عن العنوان المتقدم المتعلق بصورتين من أجواء حوزة النجف، للانتقال إلى عنوان جديد ينطوي تحت العنوان الكبير "صناعة الدين المزيف عبر الثالوث المنجس: المرجع، التقليد، الخمس"، وهو: "محكمة القرآن تصدر حكمها النهائي القطعي غير المستأنف على ما يسمى بعلم أصول الفقه بالكفر والبطلان".
يبين الشيخ أن الفكرة العامة للحلقة تتلخص في عقد محكمة القرآن لمثول المكونات الأساسية لـ علم أصول الفقه أمام أحكام كتاب الله. ويحدد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الأركان الجوهرية لهذا العلم بحسب منهج السقيفتين (سقيفة بني ساعدة وسقيفة بني طوسي) في أربعة مكونات رئيسية: ما يأخذونه من القرآن بدعوى الدليل، وعلم الرجال القائم على تقييم أسناد النصوص، والفاعل العقلي وما ينتجه النشاط الفكري من ظنون، إضافة إلى اللغة العربية ومباحث الألفاظ التي يضعون لها ضوابط بشرية.
يبدأ الشيخ بمحاكمة المكون الأول وهو التعامل مع القرآن، مبينا التناقض بين المنهج الأصولي والرؤية القرانية لذات الكتاب؛ فالقرآن يصف نفسه عبر أفاق ومستويات متعددة، كما في سورة هود: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وفي سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، بينما يظهر أفق آخر في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، ليجمع الأفق الثالث في سورة آل عمران بين المحكم والمتشابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وهي مستويات لا يستوعبها الفكر الأصولي الذي يكتفي باقتطاع الآيات وتفسيرها بالآراء والعقول.
يستعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الآيات التي تؤكد حصر التبيين والجمع والقراءة بالجهة الإلهية المقامة، مستدلا بـ سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، وبـ سورة القيامة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، حيث يشير الشيخ إلى أن الجمع والتفسير والبيان صدرت من الله جل وعلا إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين صلوات الله عليه وآل محمد. ويؤكد ذلك بما ورد في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ و**﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾**، مما يثبت أن مهمة الأمة هي التفكر فيما بينه الرسول، لا إنشاء تفاسير وأحكام بأهوائها.
يتابع الشيخ حشده للأدلة القرانية الدالة على تشخيص المعلم الحقيقي للكتاب، مرورا بـ سورة البقرة في دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾، وتكرار هذا المضمون في سورة آل عمران وسورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ويشدد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على أن هذه الآيات تحصر مصدر الفهم والتعليم بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو المضمون الجوهري لـ ميثاق بيعة الغدير الذي أوجب أخذ التفسير والتشريع من باب علم النبي حصرا.
ينتقل الشيخ إلى بيان الجهة العالمة بالتأويل، موضحا قراءة وتفسير العترة الطاهرة لآية سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بالوقوف عند الراسخين، مستشهدا بقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وبما جاء في سورة الرعد: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، مؤكدا أن الذي عنده علم الكتاب كله هو أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كما يلتقي ذلك مع سورة يس: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ليخلص إلى أن القول بإمكان استنباط أحكام الله عبر الأدلة الظنية الأصولية يلغي دور الإمام المبين المصطفى إلهيا.
يتطرق الشيخ إلى آيات الطاعة والرد المذكورة في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ و**﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعِلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، معتبرا أن الاستنباط الحقيقي محصور بـ أولي الأمر من المعصومين صلوات الله عليهم. ويصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي ذلك بآيات سورة الواقعة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وسورة الأحزاب** (آية التطهير): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، مبينا أن مس حقائق القرآن وأسراره يقتضي طهارة معنوية مطلقة لا تتأتى إلا لـ أهل البيت عليهم السلام.
يعرج الشيخ على محاكمة المكون الثاني وهو علم الرجال، مؤكدا أن القرآن الكريم أسقطه بالكامل؛ واستشهد بقصة نبي الله نوح عليه السلام في سورة هود عندما قال الله له عن ابنه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، مبينا أن التقييم البشري للأشخاص -حتى لو صدر من شيخ المرسلين- لا يشكل علما إلهيا. كما يضم إليها قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾، وقوله في سورة محمد صلى الله عليه وآله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ لدلالتها على أن معرفة بواطن الرجال قضايا غيبية حسية لا تطالها القواعد الرجالية الهشة.
يعالج الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الآية الحاكمة في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، موضحا أنها تهدم علم الرجال وعلم الأصول والاجتهاد المبتدع؛ إذ لم يوجب الله رد خبر الفاسق بناء على شخص الراوي أو إسناده، بل أمر بـ التبين والتثبت من نفس مضمون الخبر، فإذا تبين صدقه صار علما، مما يبطل تقسيمات الأصوليين للأخبار إلى ظنية وقطعية واشتراطهم وثاقة الراوي والإسناد.
يحاكم الشيخ المكون الثالث وهو الفاعل العقلي والاعتماد على الظن في بناء الأحكام الشرعية، مستعرضا نصوصا قرآنية صارمة تحرم الاتباع الظني، منها سورة الزمر: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وسورة يونس وسورة النجم: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وسورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وسورة الأنعام: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، إضافة إلى سورة الأعراف وسورة الأحقاف وآية الدين في سورة البقرة. ويبين الشيخ أن جعل الظنون حججا شرعية وبناء "أحكام ظاهرية" تخالف الواقع المعصومي هو افتراء للدين وتشريع بغير إذن إلهي.
يتناول الشيخ المكون الرابع وهو اللغة العربية، موضحا أن قواعد اللغة ومباحث الألفاظ ليست حاكمة على القرآن بنفسها، بل تجد شرعيتها وحقيقتها فقط حين تسير في إطار نظام تفسير القرآن الصادر عن المعصوم والمنسجم مع البلاغة الإلهية، لكون اللغة مجرد أداة تفكير وليست مصدرا مستقلا ينشئ الأحكام. ويخلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن كافة أركان علم أصول الفقه الأربعة تصطدم وتتناقض كليا مع منهج القرآن ومحكم آياته.
يختتم الشيخ الحلقة بإعلان الحكم الصادر عن محكمة القرآن بحق علم أصول الفقه والقائمين عليه، والمستند إلى الصريح القاطع من آيات سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، و**﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾**. وينتهي الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى أن حكم محكمة القرآن هو الحكم النهائي القطعي بـ الكفر والبطلان لهذا العلم البديل، داعيا المظلومين والباحثين عن الحق إلى التبرؤ من المناهج الظنية والبشرية، والتمسك التام والواعي بالمنهج الإلهي القائم على الكتاب والعترة ووفاءً بـ ميثاق بيعة الغدير.