جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 434
تاريخ البث : يوم الإثنين 24 شوّال 1444هـ الموافق 15 / 5 / 2023م
تبتدئ هذه الحلقة، وهي الحلقة الرابعة والثلاثون بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة ضمن الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة والمعنونة بـ صولة القمر، ببيان الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي لصلة هذه الحلقة بما تقدّمها؛ حيث أوضح أن الحلقات الثلاث والخمسين الماضية — الممتدة من بداية شهر رمضان الفائت وحتى الحلقة السابقة — شكّلت في مجموعها مقدّمات ومعطيات رسمت الملابسات المحيطة بما أسماه جريمة الطوسيين الكبرى التي ارتكبها مراجع الحوزة بحق دين العترة الطاهرة. وبيّن الشيخ أن هذه الحلقة تُعدّ اقتطاعاً استثنائياً واستجابة ملحة للإجابة عن مجموعة من الأسئلة العقائدية والعملية التي وردت بكثرة من المتابعين، وذلك قبل الانتقال في الحلقات القادمة لتناول تفاصيل تلك الجريمة الكبرى.
تتمحور الفكرة العامة لهذه الحلقة حول معالجة ثلاثة أسئلة رئيسة واجهت الشيعة المنتظرين في الواقع المعاصر؛ يتعلّق السؤال الأول بالتكليف الشرعي الواجب عند حدوث الصيحة التي هي من علائم الظهور الحتمية، ويتناول السؤال الثاني دفع الشبهة المثارة حول مبنى الشيخ في وجود رواة الحديث في زماننا ومدى توافقه مع التوقيع الشريف المروي عن الحجة بن الحسن عليه السلام، بينما يختصّ السؤال الثالث ببيان الموقف الشرعي والخيارات العملية المتاحة للمكلف بعد انكشاف انحراف المؤسسة الدينية التقليدية وتبعيّتها لـ المذهب الطوسي.
فيما يخصّ السؤال الأول المتعلّق بحدوث الصيحة، أكّد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن التساؤل عمّا يجب فعله لحظة وقوع الصيحة هو سؤال متأخر جداً ينبئ عن تقصير في تشخيص التكليف قبل فوات الأوان. وأوضح الشيخ التسلسل الزمني لعلامات الظهور؛ حيث يبدأ خروج السفياني في سوريا خلال شهر محرم من سنة زوجية دون أن يتبيّن أمره لعامة الناس، حتى تنكشف علامته بوضوح في بداية شهر رجب المعروف بـ رجب العلامات، وتتزامن معها حركة اليماني صاحب الراية الأهدى وحركة الخراساني. وبناءً على ذلك، فإن الشيعي المنتظر ملزم بتحديد مساره والالتحاق بالجهة المحقة بين رجب وشعبان، وقبل حلول شهر رمضان من السنة الفردية التالية الذي تقع فيه الصيحة في اليوم الثالث والعشرين منه (ليلة القدر) عند الفجر.
واستناداً إلى الروايات الشريفة الواردة في الكافي الشريف لشيخ الكليني وغيبة النعماني، استعرض الشيخ الخارطة الجغرافية لمنطقة الظهور للالتحاق بالحق، مشدداً على أن العراق يمثّل مركز الظهور والمكان المثالي للمنتمين للمنهج الإلهي رغم ما سيشهده من اضطراب سياسي واقتصادي وتمايز بين الهدى والضلال. وبيّن الشيخ أنه في حال تعذّر الوصول إلى المركز، فيجب التواجد ضمن منطقة الظهور التي تشمل إيران، وبلاد الشام (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين)، وتركيا، والجزيرة العربية وما يلحق بها من دول الخليج، إضافة إلى مصر، أو التواجد في بلدان مجاورة تمكّن المكلف من الالتحاق فور انطلاق الحراك المهدوي. واستشهد برواية عايص بن القاسم عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: «إذا كان رجب فاقبل على اسم الله عز وجل»، ورواية سدير الصيرفي: «فإذا بلغك أن سفيانياً قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك».
وشدّد الشيخ على أن التمييز بين الصيحة الصادقة والصيحة الإبليسية الكاذبة لا يتمّ عبر الأدوات الظنية المعتمَدة في الحوزات النجفية، بل يختصّ به العارفون بأحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم. واستشهد الشيخ بما رواه زرارة بن أعين عن الإمام الصادق صلوات الله عليه حين سُئل عمن يعرف الصادق من الكاذب عند الصيحتين، فقال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا ويقولون إنه يكون قبل أن يكون ويعلمون أنهم هم المحقون الصادقون». وأكّد الشيخ أن معرفة الحق تتطلب المنهج اليقيني المستمد من العترة الطاهرة، بعيداً عن القواعد المبتدعة في علم أصول الفقه وعلم الرجال اللذين لا يورثان إلا الظن والتخريف، مستنكراً الشبهات المثارة ضد روايات الغيبة والظهور.
وفي إجابته عن السؤال الثاني، رفع الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي اللبس والافتراء المنسوب إليه بشأن نفي وجود رواة الحديث في زماننا المعاصر؛ موضّحاً أنه لم يقل بعدم وجودهم مطلقاً، وإنما صرّح بأنه لا يعرف شخصياً أحداً تنطبق عليه المواصفات الشرعية الكاملة ليكون حجة على الشيعة. وبيّن الشيخ أن عدم المعرفة الشخصية لا ينفي وجودهم الواقعي؛ إذ إن وجود رواة الحديث الصالحين ضرورة قائمة كوجود خاصة موالي إمام زماننا صلوات الله عليه في غيبته الكبرى الذين يكتمون أسرارهم ولا يدّعون مقاماً علنياً، مستشهداً برواية إبراهيم بن عمر عن الإمام الصادق صلوات الله عليه في الكافي الشريف حول الغيبة الطويلة التي لا يعلم بمكان الإمام فيها إلا خاصة مواليه.
وساق الشيخ جملة من الأدلة الروائية والقرآنية الدالة على وجوب وجود رواة الحديث أحياءً في كل عصر؛ ومنها الحديث الشريف الوارد في الكافي حول الرايات المشتبهة حين بكى المفضل بن عمر، فأشار الإمام الصادق صلوات الله عليه إلى شعاع الشمس قائلاً: «أمرنا أبين من هذه الشمس»، وكذلك ما جاء في دعاء الفرج المروي عن إمام زماننا صلوات الله عليه: «وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة»؛ حيث إن الدعاء للمستمعين والمتعلمين صريح في وجود علماء أحياء يُستمع إليهم. كما استشهد بالآية الكريمة من سورة التوبة: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، مؤكداً أن التفقه والإنذار والرجوع أفعال تقتضي حياة المُنذِرِين وتفاعلهم المباشر مع الأمة.
وعزّز الشيخ هذا المطلب بدلالة رواية التقليد الواردة في تفسير الإمام العسكري صلوات الله عليه: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»، مشيراً إلى أن اسم الفاعل في هذه الأوصاف يدلّ على الاستمرار والعدالة الحاضرة في الحياة. وأوضح أن الرواية ذاتها حذّرت من علماء السوء الناصبين الذين يضلون ضعفاء الشيعة، مؤكدة أن الله تعالى يقيّض للمؤمن الصادق راوية حديث مؤمناً يوقفه على الصواب. وفي السياق ذاته، فسّر الشيخ التوقيع الشريف المروي في كتاب كمال الدين وتمام النعمة عن الحجة بن الحسن عليه السلام: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»، موضحاً أن الحوادث الواقعة هي المستجدات الحياتية الجارية التي تقتضي رجوعاً إلى أحياء يملكون الحجية الفعلية، لا إلى الأموات القابعين في المقابر.
واستدلّ الشيخ بالخطبة المائة والخمسين من نهج البلاغة التي يصف فيها أمير المؤمنين صلوات الله عليه حال صفوة الشيعة في زمن الغيبة قائلاً: «ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح»؛ مشيراً إلى التأكيدات اللغوية البليغة المتمثلة بلام التوكيد ونون التوكيد الثقيلة والمفعول المطلق، والتي تؤكد وجود فئة مؤمنة تتلقى الحكمة صبيحة ومساءً. وبناءً على ذلك، جدّد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي دعوته المخلصة إلى تأسيس تيار فكري مجتمعي واسع ينشر عقائد العترة الطاهرة بعيداً عن الهيمنة الحوزوية، ويرسخ الفكر المهدوي بين أجيال الأمة تمهيداً لظهور إمام زماننا صلوات الله عليه، دون انخراط في الصراعات السياسية أو الأمنية.
وفي إجابته عن السؤال الثالث المتعلّق بـ الموقف الشرعي للمكلف بعد اتضاح بطلان المنهج الحوزوي التقليدي، طرح الشيخ أربعة خيارات عملية؛ الخيار الأول: تقليد أو التعلم عند راوية حديث موثوق تثبت فيه المواصفات المذكورة في حديث العترة. الخيار الثاني: التفقه المباشر لمن يمتلك المكنة اللغوية، عبر دراسة ملف الكتاب والعترة ومقدمته ملف التنزيل والتأويل دراسة وافية، والاستنباط المباشر من الكافي الشريف ووسائل الشيعة. الخيار الثالث: الاستفادة العملية من البرنامج القادم وهو الرسالة العملية الزهرائية الموجزة المتلفزة دون التزام بعقد التقليد. أما الخيار الرابع: فهو خيار الاضطرار المحض لمن لم يجد سبيلاً غير الرسائل العملية التقليدية، فيتعامل مع فتاواهم الضرورية معاملة المضطر الذي يأكل من جيفة الخنزير المتعفنة لأجل حفظ حياته فقط دون اعتقاد بحجيتها أو تقليد لأصحابها.
واختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة بتقديم اعتذاره الشديد للمتابعين عن ضيق الوقت الذي حال دون الإجابة عن بقية الأسئلة المتعلقة بالعبادات المالية وصلة الإمام، واعداً بإفراد مساحة للإجابة عنها وعن غيرها في البرنامج القادم الخاص بـ الرسالة العملية الزهرائية الموجزة المتلفزة. وأكّد الشيخ أن الحقيقة جليّة لمن يبتغي صيانة دينه وتعظيم وليه، معرباً عن أمله في أن تتضافر جهود النخبة الواعية لترسيخ النهج المعرفي الصحيح، ومختتماً كلامه بالدعاء للمؤمنين المخلصين والثبات على ولاية الحجة بن الحسن عليه السلام.