جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 435
تاريخ البث : يوم الثلاثاء 25 شوّال 1444هـ الموافق 16 / 5 / 2023م
صرّح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في بداية حديثه بأن هذه الحلقة تُعدّ استقطاعًا وتخللًا استثنائيًا بين حلقات برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة)، للإجابة عن رسالة مهمة تلّقاها قبل عدة أشهر من سائل مصري سني عبّر فيها عن حيرته البالغة وضياعه بين ما يقوله أبناء السنة وما يقوله الشيعة، وتوقف ثقته بالمؤسسات الدينية للطرفين. وأوضح الشيخ أن هذه الرسالة تعكس واقعًا منتشرًا متزايدًا بين المسلمين في العالم الإسلامي، مما دفعه إلى تقديم هذا الحديث بمثابة مشروع تفكير واقتراح علمي موجه للسائل وأمثاله للحكم بين الطائفتين والوصول إلى الحقيقة من خلال كتاب الله مباشرة بعيدًا عن المقولات المذهبية الجاهزة.
أسس الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المنهج المعرفي للجواب بضرورة الاعتماد على القبول المشترك بأن القرآن الكريم كتابٌ منزلٌ من الله تعالى، مشيرًا إلى وجود مستوى قرآني يرتبط بالتأويل لا يستطيع عامة الناس الاقتراب منه، بينما يتاح لجميع الباحثين التفاعل مع مستوى التدبر القرآني المأمور به في الكتاب العزيز. وأوضح الشيخ أن التدبر ينقسم إلى قسمين هما: التدبر الجزئي الذي يتناول الآيات والسور بصورة منفردة كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾، والتدبر الكلي الذي ينظر إلى النظام القرآني والمنظومة الشاملة بكاملها كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وقوله عز وجل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، مؤكدًا أن المنطلق الصحيح يبدأ من التدبر الكلي في المنظومة القرآنية ليصل منها الباحث إلى النتائج التفصيلية في التطبيق الجزئي.
استعرض الشيخ عبر اعتماد منهجية التدبر الكلي في المنظومة القرآنية المجموعات البشرية الشاخصة حول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، مبيّنًا أن النص القرآني صنفهم بوضوح إلى ثلاث مجموعات رئيسية: الأولى هي مجموعة الصحابة، والثانية هي مجموعة نساء النبي، والثالثة هي مجموعة القربى. وبينما تميزت المجموعتان الأوليان (الصحابة ونساء النبي) بتأرجح الخطاب القرآني الموجه إليهما بين المدح في موارد والذم الشديد والتقريع والتهديد بالوعيد في موارد كثيرة، انفردت مجموعة القربى بالمدح الخالص والتنزيه المطلق من كل ذم، بل جعل القرآن الكريم مودتهم الأجر الواجب لرسالة الخاتم في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، مع تأكيد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على أن المراد هنا هو القربى بالمعنى العقائدي لا القرابة العشائرية المجردة.
حلل الشيخ المستوى الفكري والعقلي لمجموعة الصحابة من خلال تتبع أسئلة الصحابة في القرآن الكريم، انطلاقًا من القاعدة الكلية التي تقرر أن نوعية الأسئلة الصادرة من الإنسان تكشف عن مستوى حكمته ومعرفته أو جهله وصفاء عقله. وأوضح الشيخ أن تتبع الآيات التي تنقل أسئلتهم حول الأهلة، والإنفاق، والشهر الحرام، والخمر والميسر، واليتامى، والمحيض، وما أُحل لهم، والساعة، والأنفال، والروح، وذي القرنين، والجبال، يظهر جليًا أن اهتماماتهم الذهنية كانت محصورة في الشؤون المعيشية البسيطة والمظاهر البدائية، دون أن يطرحوا أسئلة تتعلق بحقائق الغيب أو الأسرار العمومية للكتاب الكريم. وبناءً على ذلك، يتساءل الشيخ بالمنطق والتدبر كيف يمكن لمن يمتلك هذا المستوى الفكري المحدود أن يُؤتمن على حفظ الدين والقرآن وبيان حقائقه العميقة للأجيال البشرية القادمة.
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى استعراض موارد ذم الصحابة في القرآن الكريم للتأكيد على أن الجماعة التي ينصب عليها الذم القرآني والتوبيخ تسقط عنها القيمومة على الدين وأمانة نقل كتاب الله. واستشهد الشيخ بالآيات الصريحة في سورة آل عمران التي كشفت الفشل، والتنازع، وعصيان الأوامر النبوية، والرغبة في الدنيا، وفرار الصحابة بجميعهم في واقعة أحد وتركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وحده في ساحة الحرب وهو يدعوهم في أخراهم، حتى استزلهم الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. كما أشار إلى فرارهم وتوليهم مدبرين في واقعة حنين المذكورة في سورة التوبة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾، مما يبرهن على عدم أهليتهم للوثوق المطلق بهم في أمانة حفظ الشريعة.
أكد الشيخ أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان المورد الاستثنائي المطلق الخارجي بوضوح عن جميع آيات الذم والتقريع الموجهة للصحابة في القرآن الكريم، فلا يستطيع أي عالم سني منصف أن يدخله في آيات التولي، أو الفرار، أو استزلال الشيطان، أو الحرص على الدنيا. وبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الذي ثبت محاميًا وحارسًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وكاشفًا للكربات عن وجهه الشريف في يوم أحد ويوم حنين ويوم الأحزاب، وهو المنطبق عليه وصف الكرار غير الفرار، والمنزل عليه السكينة والموصوف بالإيمان كله في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»، مما يجعله الشخص الوحيد المؤهل والمؤتمن على حفظ الدين وأسرار القرآن من بعد النبي.
أبرز الشيخ صورًا متعددة من الذم القرآني الموجه للصحابة، كفرح المخلفين منهم بقعودهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك وقالوا لا تنفروا في الحر كما ورد في سورة التوبة: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، ووصف بعضهم بالفسق في سورة الحجرات: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ولمزهم في الصدقات، وإيذائهم المتكرر لرسول الله صلى الله عليه وآله بقولهم ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾. وأضاف الشيخ أن مواقفهم في واقعة الأحزاب حين زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا، وحضورهم المشين في قضايا الاتهامات الأخلاقية في حديث الإفك، تكشف عن ضعف الإيمان والاضطراب النفسي والعقائدي الذي لا يجتمع مع شروط القيادة الروحية والعلمية للأمة.
سلط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الضوء على تدني مستويات اللياقة والأدب لدى كبار الصحابة في التعامل مع رسول الله صلى الله عليه وآله، مستدلاً بآيات سورة الحجرات التي خاطبتهم بنهيهم عن التقدم بين يدي الله ورسوله ورفع أصواتهم فوق صوته، ووصف أكثريتهم بعدم العقل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. كما أشار الشيخ إلى إيذائهم للنبي بدخول بيوته بغير إذن والاستئناس للحديث، ولحظة انفضاضهم المشينة في صلاة الجمعة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وتأديتهم الصلاة خلفه قائمًا يخطب ليتركوه ذاهبين إلى التجارة واللهو ورقص الراقصين كما في سورة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وصولًا إلى موقفهم في رزية الخميس، مما يقطع بانتفاء اللياقة والأدب والوثوق العلمي بهم.
تطرق الشيخ بالتفصيل إلى مجموعة نساء النبي، موضحًا أن النصوص القرآنية شملتهن بالمدح والذم معًا، والتحذير من إمكانية وقوع الفاحشة المبيّنة منهن ومضاعفة العذاب لهن ضعفين في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيَّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. وركز الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي على سورة التحريم والخطاب الموجه صراحة لعائشة وحفصة بوجوب التوبة بعد انحراف قلوبهما والمظاهرة ضد رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، مؤكدًا أن ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط الخائنتين يؤكد أن القرابة السببية بالأنبياء لا تمنع الذم والعقاب عند الانحراف.
خلص الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام الحلقة إلى رسم النتيجة النهائية المنبثقة من التدبر الكلي في القرآن الكريم، ومفادها أن المجموعتين الأولى والثانية (الصحابة ونساء النبي) قد اشتمل القرآن على قدحهن، وذمهن، وكشف عيوبهن، وقصور أدبهن وعقلهن، مما يمنع العقل والمنطق وحكم القرآن الكريم من الاعتماد المباشر عليهن كمرجعية حافظة للدين ومصدر أمين لحقائق القرآن. وفي مقابل ذلك، أثبت التدبر وجود مجموعة القربى وعلى رأسها أمير المؤمنين صلوات الله عليه كجهة معصومة ومطهرة من كل ذم وقباحة ومحط للمودة الواجبة، معلنًا الشيخ استكمال البحث التفصيلي المكرس لهذه المجموعة الثالثة ودورها المركزي في حفظ الكتاب والعترة في الحلقة القادمة.