جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 436
تاريخ البث : يوم الأربعاء 26 شوّال 1444هـ الموافق 17 / 5 / 2023م
بيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في بداية هذه الحلقة — وهي الحلقة 436 من برنامج الخاتمة ضمن الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة — أن هذا الحديث يمثّل الجزء الثاني من "حديث الحقيقة ومنطق الإنصاف". وتأتي هذه الحلقة استكمالًا وتفصيلًا لما طُرح في الحلقة المتقدمة، والتي كانت إجابة عن تساؤلات السائل الذي يقف في حيرة بين المذاهب. وقد انطلق الشيخ من القاعدة الكلية المتمثلة في إمكانية التواصل مع القرآن الكريم عبر التدبر الجزئي في الآيات والسور والتدبر الكلي في منظومة النظام القرآني الكلية، لربط ذلك بما أحاط بالرسالة المحمدية من مجموعات بشرية.
تتلخص الفكرة العامة للحلقة في إقامة دليل قرآني وحديثي متكامل يفرّق بين الأصناف الثلاثة التي كانت حول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وهي: الصحابة، ونساء النبي، والقربى. ويبيّن الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية جمعا بين المدح والذم في حق الصحابة ونساء النبي، بينما تميزت مجموعة القربى بالنقاء المطلق والمدح الخالص الخالي من أي ذم. وينتهي الشيخ من ذلك إلى إثبات أن القربى هم العترة الطاهرة المعصومون الذين جعل الله مادتهم ومودتهم أجرًا للرسالة ووسيلة انحصار الحق ودين الله فيهم.
استعرض الشيخ المجموعات الثلاث المذكورة في القرآن الكريم، موضحًا أن المجموعتين الأولى والثانية (الصحابة ونساء النبي) طرأ عليهما المدح والذم في النص القرآني. أما المجموعة الثالثة فهي القربى التي أفردها الله تعالى بوجوب المودة الجازمة في سورة الشورى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ}. وأكد الشيخ أن هذه المجموعة هي نفسها التي قُدّمت في آية المباهلة من سورة آل عمران: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، حيث قدّمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسيلة كاملة لا شائبة فيها أمام نصارى نجران، وهم: أمير المؤمنين صلوات الله عليه (نفس النبي)، والزهراء صلوات الله عليها (نساء النبي)، والحسن والحسين صلوات الله عليهما (أبناء النبي).
انتقل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي إلى تحليل آية التطهير في سورة الأحزاب: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، مفكّكًا التفسير الذي يدخل نساء النبي فيها. وأوضح الشيخ وفق لسان العربية والانتقال البلاغي أن السياق القرآني الموجه للأزواج جاء بضمائر الإناث والتعدد كقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، بينما تحول الخطاب فجأة إلى صيغة المذكر والتفرد عند ذكر أهل البيت. كما فرّق الشيخ بين الطهارة الاعتبارية المكتسبة المذكورة في شأن الأزواج والصحابة {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}، وبين التطهير الإلهي التكويني الثابت والمستمر الخاص بمجموعة أهل البيت صلوات الله عليهم.
أسّس الشيخ قاعدة كلية مفادها أن المودة الواجبة عقائديًا وعلى طول الخط لا يمكن أن تتوجه إلا إلى جهة معصومة بعصمة مطلقة. فغير المعصوم يُخطئ ويصدر منه المنكر، مما يوجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ونفرة القلب منه في حَال خطئه، وهو ما يتناقض مع الأمر الإلهي بالمودة الثابتة المستمرة. وضرب الشيخ مثالًا بخروج عائشة إلى البصرة ومخالفتها لأمر إمام زمانها أمير المؤمنين صلوات الله عليه وما ترتب عليه من دماء، متسائلًا كيف تجب مودتها في تلك الحالة لولا خروجها عن عنوان القربى والعترة. وأكد أن الطاعات والعبادات — كـ الصلاة — قد تسقط أو تتغير ظروفها كفقد الطهورين أو الحيض، بينما المودة للقرْبى فرض دائم لا يسقط ولا يتوقف بحال.
استعرض الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي وثائق صريحة من أمهات كتب الحديث عند أهل السنة لإثبات هذه المبادئ، مبدئًا بـ صحيح البخاري الذي أورد قوله صلى الله عليه وآله لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ"، وقوله: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى"، إضافة إلى تصريحه بأن "فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ" وأنها "بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي" وهو ما يثبت العصمة الكلية. ثم ثنّى بـ صحيح مسلم محتجًا بـ حديث الثقلين المروي عن زيد بن أرقم، وحديث المرط المرحل المروي عن عائشة نفسها، والتي روت أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أدخل تحت كسائه الحسن والحسين وفاطمة وعليًا صلوات الله عليهم ثم تلا آية التطهير واستثنى نساءه.
عزّز الشيخ الاستدلال بما أخرجه الحاكم النيشابوري في المستدرك على الصحيحين وصححه على شرط الشيخين، من قوله صلى الله عليه وآله: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ وَأَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ". وأوضح الشيخ أن نفي الافتراق بين القرآن الكريم وأهل البيت دلالة قاطعة على العصمة، إذ إن القرآن معصوم مطلقًا والاقتران به يستلزم طهارة المقترن. كما استشهد بما أورده ناصر الدين الألباني في كتابه المعاصر سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 1761: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي"، مؤكدًا أن الضلال يلحق بغيرهم.
استدل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بآيات سورة النحل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} و**{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}** لبيان أن رسول الله صلى الله عليه وآله محيط بجميع أسرار الكتاب وتبيانه ليبلغه للناس. وربط ذلك بـ سورة الواقعة: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، موضحًا أن التماس الحقيقي مع باطن القرآن خاص بـ المطهرين. وفرّق الشيخ بين حق التلاوة الخاص بمحمد وآله في سورة البقرة: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} وبين مطلق التلاوة للمؤمنين في سورة فاطر، مشيرًا إلى أن شأن نساء النبي هو تذكر ما يُتلى في بيوتهن كما في سورة الأحزاب: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} دون نيل مرتبة حق التلاوة.
قدم الشيخ توضيحًا لغويًا وعقائديًا مفصلًا لـ آية آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}. ونقد الشيخ القراءة النحوية السنية التي تجعل الواو استئنافية وتضع وقوفًا عند لفظ الجلالة وتُعرِب "الراسخون في العلم" مبتدأ خبيره "يقولون آمنا به"، مبينًا أن هذا الإعراب يسلب العلم بالتأويل عن الراسخين ويصيّرهم مسلّمين بلا معرفة، مما يخل ببلاغة القرآن الكريم. وأكد أن قراءة العترة الطاهرة تعرب الواو عاطفة (الراسخون معطوف على لفظ الجلالة)، بحيث يتلقى الراسخون علم التأويل الإلهي مباشرة.
أوضح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي — استنادًا إلى قواعد النحو وروايات الكافي الشريف في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة — أن جملة "يقولون آمنا به" تقع في موقع الحال للراسخين في مواجهة أهل الزيغ، أو تخبر عن القسم الثالث من الناس وهم أتباع الراسخين في العلم. فالآية تنقسم إلى ثلاثة أصناف: الذين في قلوبهم زيغ، والراسخون في العلم (وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومون صلوات الله عليهم) الذين يعلمون التأويل كاملاً، والصلحاء من أتباعهم الذين يقولون آمنا به. وخلص الشيخ إلى أن التتبع الاستقراءي للقرآن والسنة يثبت أن القربى هم الجهة الوحيدة التي حظيت بالمدح الخالص دون ذنب أو عتاب.
انتهى الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في ختام الحلقة إلى الرسالة العملية والخلاصة العقائدية، وهي وجوب التمسك بـ دين العترة الطاهرة المعصومة المأخوذ حصريًا من القرآن الكريم وفق تفسيرهم، والمشروح في أحاديثهم وأدعيتهم وزياراتهم وخطبهم. ودعا الشيخ السالكين إلى التبرؤ التام مما أسماه "المذهب الطوسي" والمؤسسة الحوزوية والابتعاد عن التقليد الأعمى والضلالات، معتمدين على الوسيلة الكاملة الطاهرة التي افترض الله مودتها وطاعتها، والتزود بالمعرفة الفاطمية العلوية النقية المبرأة من كل زيف ودجل.