جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 437
تاريخ البث : يوم الخميس 27 شوّال 1444هـ الموافق 18 / 5 / 2023م
افتتح الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الحلقة السابعة والثلاثين بعد الأربعمئة من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة) ببيان صلتها المباشرة بالحلقة السابقة، موضحًا أنها تشكل الجزء الثالث من عنوان حديث الحقيقة ومنطق الإنصاف، وتأتي استكمالًا للجواب عن الحيرة التي عرضها أحد المتابعين من مصر في المفاضلة بين السنة والشيعة. واستعرض الشيخ خلاصة ما تقرر في الحلقتين الماضيتين من أن القرآن الكريم والكتابات الحديثية في الصحاح قسموا الناس بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله إلى ثلاث مجموعات: الصحابة وزوجات النبي (وقد ورد فيهم المدح والذم)، والقربى وأهل البيت صلوات الله عليهم (الذين ورد فيهم المدح المحض دون أي ذم). وأكد الشيخ أن اقتران آيات المودة والتطهير بالروايات المادحة يثبت لـ العترة الطاهرة صلوات الله عليهم العصمة الكاملة والعلم الكامل، مما يجعلهم وحدهم الأمناء على الدين وأسرار القرآن.
حدد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي الفكرة العامة للحلقة في تسليط الضوء على صور وحقائق جليلة مدونة في أمهات كتب المصادر السنية كـ صحيح البخاري وصحيح مسلم وتاريخ الطبري ومروج الذهب، يقفز عليها المخالفون ولا يتوقفون عندها للتأمل أو ترتيب الآثار النفسية والوجدانية والعملية، وهو ما يشكل السبب الرئيسي لضلالهم. وأبرز الشيخ المماثلة الدقيقة بين هذا المسلك السني تجاه الصحابة وبين مسلك "الطوسيين" من اتباع مراجع حوزة النجف وكربلاء الذين يسمعون الحقائق بالوثائق والدلائل ثم يرفضونها صيانةً لصورة رموزهم وأصنامهم التي يقدسونها.
تناول الشيخ الصورة الأولى المنقولة من صحيح البخاري في كتاب فرض الخمس وكتاب المغازي وكتاب الفرائض، والمتعلقة بمطالبة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها بحقها في ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وفدك وخمس خيبر، ورفض أبي بكر إعطاءها بناءً على ادعائه رواية «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». واستعرض الشيخ ما أثبته البخاري نفسه من غضب سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها وهجرانها لأبي بكر حتى وفاتها، وتوصيتها لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بأن يدفنها ليلًا وألا يُعلم أبا بكر ولا يصلي عليها. وقارن الشيخ بين هذا الموقف وبين ما رواه البخاري من أن «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» وأن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قال: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي»، متسائلًا كيف يُحكم ببطلان موقف الزهراء صلوات الله عليها وهي التي يغضب الله ورسوله لغضبها.
واصل الشيخ تفكيك الصورة الأولى بالوقوف عند التناقض المعاش في التصرف بـ بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث احتجت عائشة برواية "لا نورث" لمنع نساء النبي والزهراء صلوات الله عليها من الميراث، في حين بقيت هي متصرفة بالبيت كليًا ومنعت إدخال جثمان الإمام الحسن صلوات الله عليه ليدفن عند جده. وقدم الشيخ حسابًا رياضيًا لمساحة حجرات النبي صلى الله عليه وآله موضحًا أن حصة الزوجات التسع من الثمن لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة لكل واحدة، مما لا يكفي حتى لمضجعها، فكيف تحكمت بالبيت كله وأذنت لعمر بالدفن فيه، بينما حُرِم ولد الزهراء صلوات الله عليها من حقهم الشرعي.
انتقل الشيخ إلى الصورة الثانية المنقولة من صحيح مسلم في كتاب الجهاد والسير، حين خاطب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين صلوات الله عليه والعباس بن عبد المطلب، مذكّرًا إياهما بأنهما رأيا أبا بكر حين منع الميراث «كَاذِماً آثِماً غَادِراً خَائِناً»، وأنهما رأيا عمر نفسه بعد توليه الخلافة «كَاذِماً آثِماً غَادِراً خَائِناً»، وهو موقف لم ينكره أمير المؤمنين صلوات الله عليه أو يعتذر عنه. وكشف الشيخ عن تدليس البخاري في نقل الحديث ذاته في كتاب فرض الخمس، حيث حذَف كلام عمر الناقل لرأي علي والعباس فيه وفي أبي بكر، وأبقى فقط تزكية عمر لنفسه ولأبي بكر، في إسقاط متعمد للحقائق التي لا تلائم منهج المدرس المتبوع.
عرض الشيخ الصورة الثالثة من صحيح البخاري في كتاب الوضوء، المتضمنة رواية عائشة عن خروج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله في مرضه الأخير وهو يتوكأ بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، أحدهما العباس بن عبد المطلب والآخر رجل لم تسمّه عائشة، فلما سأل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عبد الله بن عباس عن الرجل الآخر، أجابه جزمًا بأنّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. وأوضح الشيخ أن هذا النص يمثل شاهدًا تاريخيًا على منهج إخفاء ذكر علي والالتفاف عليه، مقارنًا ذلك بفتوى مراجع النجف الطوسيين بترك ذكر الشهادة الثالثة بالولاية لعلي صلوات الله عليه في الصلاة الواجبة.
بيّن الشيخ في الصورة الرابعة ما ورد في تاريخ الطبري عند تفسير ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، حيث جمع رسول الله صلى الله عليه وآله عشيرته بدعوة من علي صلوات الله عليه ودعاهم إلى الإيمان وسألهم: أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخِي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فلم يقم إلا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو أصغرهم سنًا، فأخذ برقبت وقال: «إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا». وأظهر الشيخ التحريف الجاري في تفسير الطبري الذي طمس النص والعبارات الصريحة واستبدل كلمتي "وصيي وخليفتي" بعبارة "كذا وكذا"، لحجب النص الدال على الخلافة المبكرة لـ أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
كشف الشيخ في الصورة الخامسة المأخوذة من تاريخ الطبري ومروج الذهب لـ المسعودي عن المكاتبات الجارية بين محمد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان، مستنكرًا نص الطبري الصريح بأنه كره ذكر الرسائل «لِمَا فِيهِ مِمَّا لاَ يَحْتَمِلُ سَمَاعَهَا العَامَّةُ» لحجب الحقائق عن عامة الناس. واستشهد الشيخ بما ذكره المسعودي من كتاب محمد بن أبي بكر الذي يصف فيه علياً بأنه وصي رسول الله ويسمي معاوية "اللعين ابن اللعين"، وبجواب معاوية الذي أقر فيه بفضل علي ومقامه ولكنه اعترف صراحة بأن أبا بكر وفاروقه عمر كانا أول من «ابْتَزَّهُ حَقَّهُ وَخَالَفَهُ عَلَى أَمْرِهِ»، وأنه إنما اقتدى بفعلهما وسار على نهجهما.
استعرض الشيخ الصورة السادسة في التباين بين تفسير المذاهب للآية الكريمة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، حيث ادعى الطبري والسيوطي في الدر المنثور نزولها في صهيب بن سنان أو أبي ذر عند الهجرة. وبالمقابل، قدم الشيخ النصوص الواردة في تفسير العياشي وتفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه، والتي تثبت بالدليل القاطع أن الآية نزلت حصريًا في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه حين بذل نفسه وفدى رسول الله صلى الله عليه وآله بفيض روحه ليلة المبيت على فراشه.
اختتم الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي المحاضرة بتقرير الرسالة العملية والخلاصة الكلية، وهي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو الميزان والحقيقة الناصعة، فهو المشكلة عند أهل الباطل وهو الحل الوحيد لطلاب الحق والإنصاف. وجدد الشيخ دعوته للمنصفين والباحثين عن الحقيقة من السنة والشيعة إلى التحرر من الموروث المجتمعي والروابط المذهبية الضيقة، والتدبر في الوثائق المكتوبة داخل أمهات المصادر، والتمسك بالسبيل المعصوم القائم على الكتاب والعترة حصرًا.
لا يوجد مرفقات
مروج الذهب - احد مكاتبات محمد بن ابي بكر لمعاوية
مروج الذهب - احد مكاتبات محمد بن ابي بكر لمعاوية
283.5 ك.ب
وردت هذه الوثيقة في كتاب «مروج الذهب» للمسعودي تحت عنوان: «بين معاوية ومحمّد بن أبي بكر»، وتضمّ رسالةً شديدة اللهجة بعث بها محمّد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان، ثم جواب معاوية عنها. يحتجّ محمّد بن أبي بكر بفضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فيصفه بأنّه أوّل المؤمنين إيمانًا، وأصدقهم نيّةً، وأفضل الناس ذريّةً، وأنّه وارث رسول الله ﷺ ووصيّه وأبو ولده. وفي المقابل، يذكّر معاوية بموقفه وموقف أبيه أبي سفيان في محاربة رسول الله ﷺ والسعي إلى إطفاء نور الله، وينكر عليه أن يجعل نفسه ندًّا لأمير المؤمنين عليه السلام أو أن يساويه بنفسه. وتبرز أهمّية الوثيقة بصورة أوضح في جواب معاوية؛ إذ لم ينكر فضل أمير المؤمنين عليه السلام ولا حقّه، بل أقرّ قائلًا إنّه وأبا بكر كانا يعرفان «فضل ابن أبي طالب وحقّه»، ثم احتجّ بأنّ أبا بكر وعمر كانا أوّل من صرف الأمر عنه وخالفه فيه، وجعل فعل أبي محمد بن أبي بكر سابقةً يبرّر بها موقفه، طالبًا منه أن يلوم أباه أو يكفّ عن لوم معاوية. وبذلك تحفظ لنا «مروج الذهب» جانبًا بالغ الأهمّية من المكاتبات التي امتنع الطبري عن نقلها بحجّة أنّ فيها ما «لا يحتمل سماعها العامّة»؛ فهي تكشف طبيعة الاحتجاج الذي دار بين الطرفين، وتبيّن أن معاوية واجه الاستدلال بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام، لا بإنكار فضله وحقّه، بل بالاستناد إلى ما فعله السابقون به بعد وفاة رسول الله
وثيقة تاريخ الطبري - مكاتبات محمد بن ابي بكر
وثيقة تاريخ الطبري - مكاتبات محمد بن ابي بكر
159.6 ك.ب
يذكر الطبري في أحداث سنة ستٍّ وثلاثين للهجرة وقوعَ مكاتباتٍ بين محمّد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان، لكنه امتنع عن نقلها، معلّلًا ذلك بكراهة ذكر ما اشتملت عليه؛ لأنّ عامّة الناس ــ بحسب زعمه ــ لا تحتمل سماعه. وهذا التعليل يكشف عن منهجٍ خطير في تدوين التاريخ؛ إذ جعل الطبري نفسه وصيًّا على عقول الناس، فحجب عنهم نصوصًا ووثائق كان من شأنها أن تكشف حقائق مهمّة، وما دار بين الطرفين من احتجاجاتٍ واتهامات. فمن خوّله أن يقرّر ما يجوز للعامة سماعه وما لا يجوز؟ إنّ وظيفة المؤرّخ نقل الوقائع بأمانة، لا غربلتها وحذف ما لا ينسجم مع توجّهاته تحت ذريعة حماية العامة. وبذلك لم يصل إلينا التاريخ كاملًا، بل وصلنا بعد أن مرّ بانتقاء المؤرّخ وحساباته. ومع ذلك، بقيت آثار الحقيقة حاضرةً رغم محاولة حجبها؛ فقد نقل المسعودي في كتابه «مروج الذهب» إحدى تلك المكاتبات المتبادلة بين محمّد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان، فكشف لنا جانبًا ممّا كره الطبري ذكره وامتنع عن نقله بحجّة أنّ العامة لا تحتمل سماعه. وهكذا قد تُحجب الوثيقة في مصدر، لكنّ شواهدها تبقى متناثرةً في مصادر أخرى، لتكشف ما حاول بعض المؤرّخين طمسه أو إخفاءه.