جاري التحميل...
جاري التحميل...
مجموعة حلقات صولة القمر - من برنامج الخاتمة - الحلقة 438
تاريخ البث : يوم الجمعة 28 شوّال 1444هـ الموافق 19 / 5 / 2023م
يُواصل الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي في هذه الحلقة، وهي الحلقة الثامنة بعد الأربعمائة من برنامج الخاتمة (الجزء الرابع من ملف الكتاب والعترة)، الحديث تحت عنوان حديث الحقيقة ومنطق الإنصاف، استكمالًا لما بدأه في الحلقة الماضية من استعراض الصور والشواهد الدالة على أن المكتبة السنية مشحونة بالحقائق والمعارف التي يقفز عليها المخالفون ولا يقفون عندها متأملين؛ خشية أن يترتب عليها أثر نفسي أو عملي يُهدم صنميتهم المذهبية، مشيرًا إلى أن القفز على الحقائق موجود عند الجمهور بخصوص الصحابة، كما هو موجود عند الشيعة الطوسيين بخصوص مراجعهم الذين يشربون جميعًا من عين واحدة كدرة.
تتخلص الفكرة العامة للحلقة في تجلية الفوارق العقائدية والوجودية بين أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبين غيره من الصحابة عبر تفكيك الموروث الروائي والتفسيري الوارد في أمهات كتب المخالفين أنفسهم، مع بيان استثناء أمير المؤمنين عليه السلام المفرد في كافة المواقف والتشريعات والمقامات، وكشف حقيقة التناقض بين النصوص القرآنية والروايات الصريحة وبين الممارسات والانحرافات التي شُيّدت عليها سقيفة بني ساعدة ومن يتفرع عنها كـ سقيفة بني طوسي.
استعرض الشيخ الصورة السادسة متوقفًا عند الآية السابعة بعد المائتين من سورة البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}، مبيّنًا أن ما يورده المفسرون كـ تفسير الطبري والدر المنثور للـ سيوطي من نزولها في أشخاص آخرين إنما هو قفز على الحقيقة؛ إذ إن العترة الطاهرة تؤكد في تفسير الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه أنها نزلت في ليلة مبيت أمير المؤمنين صلوات الله عليه في فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقايته بنفسه، حيث أبدى علي صلوات الله عليه تسليمًا مطلقًا وشوقًا للشهادة فداءً لـ رسول الله صلى الله عليه وآله ولأخيه أو قرابته أو لبعض حيواناته التي يمتهنها لخدمته، مستشهدًا بأبيات ابن أبي الحديد المعتزلي في مدح أمير المؤمنين عليه السلام وبيان مقامه العظيم في القيامة.
عقد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي مقارنة بين مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه الموصوف بأنه نفس النبي في آية المباهلة {وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ} من سورة آل عمران، وبين وصف أبي بكر بأنه مجرد صاحب في آية الغار من سورة التوبة: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا}، موضحًا أن الضمير في نزول السكينة والتأييد بالجنود يعود حصرًا على رسول الله صلى الله عليه وآله دون صاحبه، بخلاف مواقف الحرج الأخرى كواقعة حنين في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، وأحداث الحديبية في سورة الفتح: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ حيث نزلت السكينة على المؤمنين الثابتين مع النبي بينما حُرم منها صاحب الغار.
انتقل الشيخ إلى الصورة السابعة متمثلة في آية النجوى من سورة المجادلة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِك خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ}، شارحًا أن هذا الحكم الشرعي الذي فرض تصدق الراغب بمناجاة النبي بدرهم، لم يمتثل له ولا شخص واحد من الصحابة طيلة مدة تشريعه إلا الفرد المميز أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي صرف دينارًا بعشرة دراهم وقدم في كل مناجاة درهمًا فناجى النبي عشر مرات، مستعرضًا الروايات الدالة على ذلك من المصادر السنية المعتمدة كـ جامع البيان للـ طبري، والمستدرك على الصحيحين للـ حاكم النيسابوري، وشواهد التنزيل للـ حاكم الحسكاني، وتفسير ابن كثير، والدر المنثور للـ سيوطي، إضافة إلى حديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله لما أطال مناجاة علي بالطائف: "ما أنا ناجيته بل الله ناجاه".
بيّن الشيخ أن القرآن الكريم وجه تقريعًا شديدًا للصحابة في الآية التالية: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} لكشف بخلهم وحرصهم على الدراهم وإيثارها على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله رغم مزاحمتهم له في بيته عند الطعام كما في سورة الأحزاب، معتبرًا أن هذا البخل والحرص ينفي مزاعم إنفاقهم الأموال العظيمة في نصرة الدين، ويدخلهم تحت طائلة الفسق الوارد في سورة التوبة: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، ثم ربط الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي هذا المنطق المادي بـ سقيفة بني طوسي متمثلة في الفتاوى المدونة في كتب المراجع الكبار كـ التنقيح في شرح العروة الوثقى للـ خوئي وكتاب الاجتهاد والتقليد للـ سيستاني، والتي صرحت بعدم اشتراط كون مرجع التقليد "شديد الحب لهم أو ممن له ثبات تام في أمرهم صلوات الله عليهم"، مما يناقض صريح القرآن في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}.
سلّط الشيخ الضوء في الصورة الثامنة على أحاديث الحوض الواردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم، والتي تشهد بارتداد جماهير الصحابة وتذودهم عن حوض النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يوم القيامة، حيث ينادي النبي: "أصيحابي أصيحابي"، فيقال له: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى"، ويؤكد النبي بقوله: "فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم"، مشيرًا إلى المطابقة التامة بين هذه الأحاديث الصحاح وبين ما ورد في الكافي الشريف للـ كليني عن الإمام الباقر صلوات الله عليه والإمام الصادق صلوات الله عليه من أن الناس ارتدوا بعد النبي إلا ثلاثة (المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي رضوان الله عليهم).
في الصورة التاسعة تناول الشيخ آية التبليغ في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، مشيرًا إلى ما أخرجه السيوطي في الدر المنثور عن أبي سعيد الخدري من نزولها يوم غدير خم في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وما نقله عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "كنا نقرأ على عهد رسول الله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن عليًا مولى المؤمنين"، وكذلك قراءته لآية الأحزاب: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} بـ علي بن أبي طالب، معرّجًا على ما جاء في الكافي الشريف من موقف الإمام الصادق صلوات الله عليه تجاه قراءة ابن مسعود والترجيح لقراءة أُبي بن كعب.
استشهد الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي بآيات سورة طه: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} للربط بينها وبين حديث المنزلة المتفق عليه في الصحاح ("أنت مني بمنزلة هارون من موسى")، موضحًا أن مقام أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يكن مجرد صحابي، بل كان وزير وشريك رسول الله صلى الله عليه وآله في أمره ودينه في مرحلتي التنزيل والتأويل، وهو مقام خاص بالقربى الذين مدحهم القرآن مطلقًا، بخلاف الصحابة ونساء النبي الذين ورد فيهم المدح والذم.
في ختام الحلقة، وجه الشيخ الأستاذ عبدالحليم الغزي رسالته العملية وخلاصته للشباب من الشيعة والسنة معًا، داعيًا إياهم إلى نبذ التعصب والاستغفال، والتمحيص المستقل في المصادر والحقائق للعودة إلى دين العترة الطاهرة وأهل البيت صلوات الله عليهم، والتحرر من هيمنة موروث الصحابة والسقيفة ومناهج المراجع الطوسيين، والاعتماد على العقل والوعي والتثبت المباشر في معرفة الحق وأهله.